أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - حسين علي حياوي المؤذن - الوعي في الفكر الإسلامي ما بين المعرفة و تحولات العولمة














المزيد.....

الوعي في الفكر الإسلامي ما بين المعرفة و تحولات العولمة


حسين علي حياوي المؤذن

الحوار المتمدن-العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 14:52
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


الوعي في الفكر الإسلامي بين المعرفة و تحولات العولمة

الوعي ليس مفهومًا بسيطًا أو محايدًا ؛ إنه بنية مركبة تتداخل فيها المعرفة، والقيم، واللغة، والسلطة، والتاريخ. وحين يُطرح سؤال الوعي في الفكر الإسلامي، فإننا لا نتحدث عن حالة ذهنية فردية فقط، بل عن رؤية كونية - Worldview تشكلت عبر النص، والعقل، والتجربة التاريخية. ومع دخول العولمة بوصفها منظومة كونية لإعادة إنتاج المعنى، لم يعد الوعي الإسلامي معزولًا أو مكتفيًا بذاته، بل صار في حالة احتكاك دائم مع أنماط جديدة من التفكير والتمثّل والوجود.
لم يستخدم الفكر الإسلامي الكلاسيكي مصطلح “الوعي” بالصيغة الفلسفية الحديثة، لكنه عالج مضمونه عبر مفاهيم قريبة مثل " العقل، الفهم، الإدراك، البصيرة، القلب، واللبّ" فالوعي في هذا السياق لم يكن مجرد نشاط دماغي، بل حالة وجودية أخلاقية.
يرى الفلاسفة المسلمون، كالفارابي وابن سينا، أن العقل يمر بمراحل ارتقائية " بالعقل الهيولاني، بالملكة، بالفعل، المستفاد " ما يعني أن الوعي ليس معطى جاهزًا، بل مسار تشكّل وتكمّل مرتبط بالمعرفة والفضيلة معًا ، أما في الفكر الكلامي، فقد ارتبط الوعي بمسؤولية الإنسان وقدرته على الاختيار، وهو ما يجعل الإدراك شرطًا أخلاقيًا للتكيف .
في التصوف الإسلامي، يأخذ الوعي بعدًا أعمق، حيث يُفهم بوصفه حضورًا وجوديًا، لا مجرد معرفة ذهنية. فالجنيد والحارث المحاسبي يتحدثان عن وعي الإنسان بنفسه بوصفه شرطًا لمعرفة الحق، في علاقة جدلية بين الداخل والخارج .
و مع تطور العلوم الإنسانية الحديثة، خصوصًا علم الاجتماع وفلسفة المعرفة، لم يعد الوعي يُفهم كظاهرة نفسية فقط، بل كبنية اجتماعية وثقافية. وهنا يمكن قراءة الفكر الإسلامي بوصفه منتجًا لوعي جمعي تشكل عبر اللغة العربية، والفقه، والطقوس، والتاريخ السياسي.
و يُظهر محمد عابد الجابري أن العقل الإسلامي تشكّل ضمن أنساق معرفية محددة (بيانية، عرفانية، برهانية)، وكل نسق منها أنتج نمطًا معينًا من الوعي والتفكير ، هذا التحليل يسمح بفهم أن الوعي الإسلامي لم يكن واحدًا أو ثابتًا، بل تاريخيًا ومتعدد البنى.
العولمة ليست مجرد انفتاح اقتصادي أو تكنولوجي؛ إنها نظام لإعادة تشكيل الوعي عبر الإعلام، والتعليم، والاستهلاك، واللغة. فهي تفرض نموذجًا كونيًا للإنسان ، فردًا استهلاكيًا، سريع التكيّف، متحررًا من المرجعيات المحلية، لكنه في الوقت ذاته هشّ الهوية.
في هذا السياق، يواجه الوعي في المجتمعات الإسلامية تحديًا مزدوجًا ما بين تفكيك المرجعيات التقليدية دون تقديم بديل متجذر و تحويل الدين من منظومة معنى إلى محتوى رمزي قابل للاستهلاك.
يشير زيغمونت باومان إلى أن العولمة تنتج " سيولة معرفية" تجعل الوعي في حالة عدم استقرار دائم ، وهو ما ينعكس بوضوح على المجتمعات ذات البنى الرمزية العميقة، ومنها المجتمعات الإسلامية.
و يمكن رصد ثلاثة أنماط رئيسة لاستجابة الوعي الإسلامي للعولمة :-
١. الانغلاق الدفاعي: حيث يُنظر إلى العولمة كتهديد وجودي، فيُعاد إنتاج وعي تقليدي جامد.
٢. الذوبان اللامشروط: حيث يُستبدل المرجع الإسلامي بنماذج غربية جاهزة.
٣. النقد التفاعلي: وهو النمط الأكثر نضجًا، حيث يُعاد التفكير في التراث بوصفه موردًا حيًا، لا مقدسًا جامدًا ولا عبئًا تأريخيًا .
هذا النمط الثالث يفتح المجال أمام وعي إسلامي معاصر، قادر على المساءلة دون قطيعة، والتجديد دون فقدان الجذور.
أن أخطر ما تفعله العولمة ليس تدمير القيم، بل تفريغها من معناها. فالوعي الأخلاقي في الفكر الإسلامي كان مرتبطًا بالغاية " العدل، الكرامة، الاستخلاف" بينما تميل العولمة إلى تحويل الأخلاق إلى خيارات فردية بلا أفق كوني.
هنا يبرز سؤال جوهري " هل يستطيع الفكر الإسلامي أن يقدّم تصورًا للوعي يحفظ المعنى دون أن ينغلق؟" الجواب لا يكمن في العودة الشكلية للماضي، بل في إعادة بناء فلسفة للوعي تنطلق من الإنسان ككائن مسؤول، لا مجرد مستهلك للمعنى.
ختامًا ، الوعي في الفكر الإسلامي، حين يُقرأ قراءة فلسفية تاريخية، يظهر كمنظومة مفتوحة قابلة للتجدد. أما العولمة، فهي اختبار حقيقي لقدرة هذا الوعي على البقاء فاعلًا دون أن يتحول إلى أثر متحفي أو نسخة مشوهة من وعي آخر.
الرهان اليوم ليس على الدفاع أو الرفض، بل على إنتاج وعي مركّب ، واعٍ بجذوره، ناقد لذاته، منفتح على العالم، دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية والمعرفية.



#حسين_علي_حياوي_المؤذن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفلسفة الأخلاقية | من النص إلى الوعي
- الأَغتيال الذي تم داخل الجسد .
- دراسة نقدية حول بحث - العولمة الاجتماعية و المجتمع المدني - ...
- دراسة نقدية في - كتاب الشيخ عبد الحسين القرملي - حياته و شعر ...
- الإطارات المعدنية العضوية: الجيل الجديد من المواد الذكية في ...
- حياة علم الكيمياء | الصادق مؤسسها الأَول


المزيد.....




- البولنديون يتوافدون إلى شاطئ بحر البلطيق المتجمّد مع انخفاض ...
- آخر اتفاق نووي بين واشنطن وموسكو في أيامه الأخيرة.. ماذا يعن ...
- تقديرات جديدة لموعد ضرب إيران: تعليق لافت للحرس الثوري.. وتر ...
- ملفات إبستين ... ملايين الوثائق تكشف تورط شخصيات جديدة
- خامنئي: أي هجوم أمريكي على إيران سيشعل حربا إقليمية
- ردّا على تصنيف مماثل تجاه الحرس الثوري... إيران تعتبر الجيوش ...
- هل يتكرر ما جرى مع الحوثيين؟.. إسرائيل تخشى نجاح المفاوضات ب ...
- تنبؤ الغرب بانهيار إيران
- صحيفة -عدن الغد- تتهم مسلحي الانتقالي باقتحامها وإصابة موظفي ...
- -بخاف من الألعاب بحطو فيها متفجرات-.. إجابات صادمة تكشف مخاو ...


المزيد.....

- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب
- الكتاب السادس _ المخطوط الكامل ( جاهز للنشر ) / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - حسين علي حياوي المؤذن - الوعي في الفكر الإسلامي ما بين المعرفة و تحولات العولمة