أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين علي حياوي المؤذن - الفلسفة الأخلاقية | من النص إلى الوعي














المزيد.....

الفلسفة الأخلاقية | من النص إلى الوعي


حسين علي حياوي المؤذن

الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 12:01
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الأخلاق ليست منظومة أوامر ونواهٍ فحسب، بل هي علم يبحث في ماهية الخير، ومعنى الفضيلة، وحدود الحرية، وغائية الفعل الإنساني. ومنذ فجر التفكير الفلسفي، حاول الإنسان أن يفهم لماذا يكون بعض الأفعال خيّرة وبعضها الآخر شريرة، وما الأساس العقلي الذي يمكن أن يُبنى عليه الحكم القيمي. في هذا السياق المقالي ، لا يظهر الإمام الصادق بوصفه واعظًا تقليديًا ، بل كمفكر أخلاقي قدّم تصورًا عميقًا لطبيعة الإنسان، وبنية السلوك، ومنطق القيم .
ينطلق الإمام الصادق من تصور مركزي يجمع بين العقل و الرغبة الإنسان حيث الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون كائنًا غريزيًا . فالعقل ليس أداة إدراك فحسب، بل هو المعيار الأعلى لتقويم السلوك. هذا التصور يضعه قريبًا من التقليد العقلاني في الفلسفة الأخلاقية، الذي يرى أن القيمة لا تُستمد من النتائج ولا من العادات، بل من البصيرة العقلية.
يرى الإمام أن الرغبات لا تُلغى، لكنها تُهذَّب بالعقل، وأن الأخلاق ليست قمعًا للغريزة بل إعادة تنظيم لها ضمن نسق إنساني متوازن. هذا الموقف يتقاطع مع الرؤية التي طرحها أرسطو حين اعتبر الفضيلة وسطًا بين الإفراط والتفريط، وأن الاعتدال هو جوهر السلوك القويم.
و الميزة الجوهرية في المشروع الأخلاقي للإمام الصادق تكمن في تحويل الأخلاق من طاعة خارجية إلى وعي داخلي. فالإنسان الأخلاقي ليس من ينفذ التعليمات فحسب، بل من يدرك علل الأفعال ونتائجها النفسية والاجتماعية. وهنا نلمس تقاطعًا واضحًا مع الفلسفة الأخلاقية الكانطية، حيث يرى إيمانويل كانط أن القيمة الأخلاقية للفعل لا تكمن في نتائجه بل في الدافع العقلي الواجب. غير أن الإمام الصادق يتجاوز هذا الطرح الصارم، ليضيف بُعدًا نفسيًا وإنسانيًا يجعل من الأخلاق حالة انسجام داخلي لا مجرد التزام قسري.
و من زاوية أخرى في التصور الصادقي ، الفضيلة ليست صفة طارئة، بل حالة وجودية دائمة، تتجسد في نمط التفكير، وطريقة الحكم، وشكل العلاقة مع الآخر. الأخلاق هنا ليست سلوكًا عرضيًا، بل بنية داخلية تعيد تشكيل هوية الإنسان.
وهذا الفهم ينسجم مع الفلسفة الوجودية الحديثة التي ترى أن الإنسان يُعرّف بأفعاله، وأن الأخلاق هي ممارسة يومية للحرية الواعية. كما يتقاطع مع أطروحات علم النفس الأخلاقي المعاصر التي تؤكد أن السلوك الأخلاقي المستقر ينتج عن بناء داخلي طويل الأمد لا عن ردود أفعال لحظية.
أما البعد الاجتماعي للأخلاق فالأخلاق عند الإمام الصادق لا تُختزل في تهذيب الفرد، بل تمتد لتشكيل نظام اجتماعي عادل. فالفضيلة الحقيقية لا تكتمل إلا حين تنعكس على العلاقات الإنسانية، وعلى بناء مجتمع متوازن يقوم على العدل والتراحم و الإنصاف. هنا يقترب فكره من الرؤية النفعية التي يمثلها جون ستيوارت ميل، حيث تُقاس القيمة الأخلاقية بمدى إسهامها في سعادة الجماعة، غير أن الإمام يتجاوز النفعية الحسابية إلى مفهوم أعمق للخير، يقوم على كرامة الإنسان لا مجرد منفعته. و مما لا شك فيه ان البناء المعرفي للأخلاق من أخطر ما يطرحه الإمام الصادق في الربط العميق بين المعرفة والأخلاق. فالجهل ليس مجرد نقص معرفي، بل عطب أخلاقي، لأن غياب الفهم يولّد انحراف السلوك. بهذا المعنى، تصبح الأخلاق علمًا قبل أن تكون تربية، وتفكيرًا قبل أن تكون عادة. وهذا الطرح ينسجم مع الاتجاهات الحديثة في فلسفة التربية الأخلاقية التي تؤكد أن بناء الضمير يبدأ من تنمية التفكير النقدي، لا من التلقين.
ختامًا ، يمكن القول إن فلسفة الإمام الصادق الأخلاقية تشكّل نموذجًا مبكرًا لفلسفة إنسانية عقلانية، ترى الإنسان مشروعًا أخلاقيًا مفتوحًا، وتبني الفضيلة على أسس عقلية ونفسية واجتماعية متكاملة. إنها فلسفة لا تُختزل في الطقوس ولا في الخطاب الوعظي، بل تتجلى كنظرية شاملة في بناء الإنسان الواعي، القادر على تحقيق التوازن بين ذاته وعالمه، بين رغبته وعقله، وبين فرديته ومسؤوليته الاجتماعية. وهكذا، يقف الإمام الصادق في قلب التاريخ الأخلاقي الإنساني، لا بوصفه رمزًا دينيًا فحسب، بل كعقل فلسفي عميق سبق عصره، وأسهم في تشكيل واحدة من أرقى مدارس الأخلاق العقلانية في تاريخ الفكر.



#حسين_علي_حياوي_المؤذن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأَغتيال الذي تم داخل الجسد .
- دراسة نقدية حول بحث - العولمة الاجتماعية و المجتمع المدني - ...
- دراسة نقدية في - كتاب الشيخ عبد الحسين القرملي - حياته و شعر ...
- الإطارات المعدنية العضوية: الجيل الجديد من المواد الذكية في ...
- حياة علم الكيمياء | الصادق مؤسسها الأَول


المزيد.....




- ترحيل مشتبه به بسرقة مجوهرات بـ100 مليون دولار قبل مثوله أما ...
- شارع كلود التمساح: تكريم غير مألوف لتمساح ألبينو نادر في مجت ...
- عاصفة شتوية غير مسبوقة تضرب أمريكا.. إلغاء آلاف الرحلات الجو ...
- الكويت .. فيديو لضبط مصنع للمشروبات الكحولية والداخلية تكشف ...
- الأردن.. الملك عبدالله يوجه بإعادة هيكلة الجيش ويوضح الأسباب ...
- شقيقتان سودانيتان تتحدثان عن الهجوم على مدرستهما
- أساطيل في الطريق و-إصبع على الزناد-.. طهران: أي هجوم سيُواجَ ...
- أخبار اليوم: شرودر يحذر من شيطنة روسيا ويدعو إلى استئناف إمد ...
- لماذا تخشى أوروبا استعادة سجناء تنظيم الدولة؟
- أمريكا تواجه عاصفة شتوية واسعة وتحذيرات لـ170 مليون شخص


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين علي حياوي المؤذن - الفلسفة الأخلاقية | من النص إلى الوعي