أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين علي حياوي المؤذن - أنطولوجيا النجاة














المزيد.....

أنطولوجيا النجاة


حسين علي حياوي المؤذن
كاتب روائي باحث سياسي

(Hussein Ali Hayawi Al-mu’adhin)


الحوار المتمدن-العدد: 8612 - 2026 / 2 / 8 - 00:05
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لم يكن بطن الحوت ، في قصة النبي يونس " عليه السلام" ، مجرد تجويف عضوي داخل كائن بحري ضخم ، بل كان - إذا نظرنا إليه بعين الكيمياء لا بعين الخيال - نظامًا مغلقًا بالغ التعقيد ، أشبه بمفاعل حيوي حيٍّ تتجاور فيه المادة والطاقة والزمان تحت شروط لا تتكرر إلا نادرًا في الطبيعة .
﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾
إن السؤال عن كيفية بقاء يونس حيًا في ذلك الجوف ليس سؤالًا عن حادثة خارقة بقدر ما هو سؤال عن حدود ما نسمّيه " القانون العلمي" ، وهل هو قانون بالمعنى الفلسفي المطلق أم وصف إحصائي لما اعتدناه من سلوك المادة في ظروف مألوفة . فالكيمياء ، منذ أن تحررت من سذاجة التصنيف المدرسي ، تعلّمنا أن المادة لا تتصرف على نحو واحد في جميع البيئات ، وأن اختلاف الوسط يغيّر مسار التفاعل جذريًا ، بل قد يحوّل التفاعل نفسه من هدم إلى حفظ .
فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ بطن الحوت ، بحسب ما أثبتته دراسات علم وظائف الأعضاء البحرية ، ولا سيما في حيتان العنبر التي تُعدّ من أكثر الكائنات توافقًا مع الوصف القرآني من حيث القدرة على ابتلاع أجسام كبيرة دون تمزيق فوري، ليس بيئة هضمية واحدة متجانسة ، بل منظومة معدية متعددة الحجرات، تبدأ بحجرة استقبال ميكانيكية لا يكون فيها الوسط الحمضي قد بلغ ذروته بعد ، ولا تكون الإنزيمات البروتينية مثل البيبسين قد دخلت مرحلة النشاط القصوى. وهذا التفصيل العلمي، إذا أُخذ بجدٍّ فلسفي، يفتح بابًا مهمًا ، إن وجود الجسد البشري داخل تلك الحجرة الأولى لا يعني بالضرورة دخوله المباشر في تفاعل تفكيكي قاتل ، بل دخوله في حالة كمون كيميائي ، حيث تكون المواد الهاضمة حاضرة بالقوة لا بالفعل .
في الكيمياء ، لا يكفي وجود المواد المتفاعلة لكي يحدث التفاعل ؛ لا بد من توافر شروط الطاقة ، ودرجة الحرارة ، والزمن ، وترتيب الجزيئات . وإن تعطيل أحد هذه العوامل كفيل بإيقاف سلسلة التفاعل بأكملها. وهنا، حين نقرأ ما ورد عن الاستاذ العالم الكيميائي الإمام جعفر الصادق " عليه السلام" : " إن الله تعالى أوحى إلى الحوت أن لا تكسر له عظمًا، ولا تخدش له جلدًا " فإننا لا نقرأ نصًا وعظيًا فحسب ، بل نقرأ - بلغة الكيمياء الحديثة - توصيفًا لتعليق الأثر الفيزيائي مع بقاء البنية المادية . أي إن الوسط الكيميائي موجود، لكن طاقة التنشيط الضرورية لبدء التفاعل التخريبي قد مُنعت، وكأن النظام أُعيد ضبطه على وضعية عدم التفاعل .
أما مسألة الأوكسجين ، التي يلوّح بها العقل المادي بوصفها حجة قاطعة، فهي في حقيقتها مثال على اختزال الحياة في متغير واحد . فالدراسات الفسيولوجية تؤكد أن معدلات الاستهلاك الأيضي تنخفض انخفاضًا حادًا في حالات السكون العميق والحرمان الحسي والظلام التام، وهي حالات تتقاطع بوضوح مع ما عبّر عنه القرآن بالظلمات، لا بوصفها غياب الضوء فقط، بل بوصفها غياب المحفزات الخارجية التي ترفع النشاط العصبي ، وفي مثل هذه الحالات، يصبح الجسد أقرب إلى نظام اقتصادي صارم، يستهلك الحد الأدنى من الطاقة ، ويعيد توزيع الموارد الحيوية بطريقة تختلف جذريًا عن حالة اليقظة الطبيعية .
غير أن القرآن لا يقدّم لنا يونس" عليه السلام" بوصفه جسدًا خامدًا فحسب ، بل بوصفه وعيًا متقدًا في عمق العزلة، يسبّح ويناجي، و التسبيح هنا - إذا نظرنا إليه بعمق علم النفس العصبي - ليس مجرد ألفاظ، بل حالة تنظيم داخلي عميقة، تعيد توازن الجهاز العصبي الذاتي، وتخفض إفراز هرمونات التوتر، وتدخل الجسد في حالة استقرار حيوي شديدة الخصوصية. وقد أشارت دراسات حديثة إلى أن حالات التركيز الروحي العميق تُحدث تغيّرات قابلة للقياس في النشاط الأيضي ومعدلات التنفس وضغط الدم، وهي مؤشرات تؤكد أن الوعي قادر، ضمن حدود معينة، على التأثير في كيمياء الجسد. غير أن النص الديني يذهب أبعد من ذلك، فيربط هذا التسبيح بالنجاة الوجودية نفسها، كما في قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، وهي آية تشير بوضوح إلى أن بقاء الجسد كان معلقًا على بقاء هذا الاتصال الواعي، لا على الشروط المادية وحدها.
من هنا، فإن قصة يونس لا يمكن قراءتها بوصفها تحديًا للعلم ، بل بوصفها كشفًا عن ضيق الأفق حين يتحول العلم من أداة فهم إلى عقيدة إنكار. فالعلم نفسه، حين يكون صادقًا مع منهجه، يعترف بأن القوانين التي يضعها هي تعميمات مستخلصة من ظروف متكررة، لا أحكامًا ميتافيزيقية على كل ما يمكن أن يوجد . والمعجزة ، في هذا الإطار ، ليست نقضًا للعلم ، بل كشفًا عن طبقة من الإمكان لا تقع ضمن المتوسط الإحصائي الذي يبني عليه العلم استنتاجاته .
لقد خرج يونس من بطن الحوت، لا لأن المادة خضعت، ولا لأن الجسد تعطّل، بل لأن النظام بأكمله الجسدي والكيميائي والنفسي والروحي أُعيد ترتيبه ضمن سياق استثنائي، لا يُقاس بمختبر، ولا يُنفى بمقالة ، بل يُتأمل بوصفه علامة على أن الكون، في عمقه، أوسع من معادلاتنا، وأن الكيمياء، حين تُفهم بعمق فلسفي، لا تُقصي الإيمان، بل تفسح له مكانًا في هامش الإمكان.



#حسين_علي_حياوي_المؤذن (هاشتاغ)       Hussein_Ali_Hayawi_Al-mu’adhin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوعي في الفكر الإسلامي ما بين المعرفة و تحولات العولمة
- الفلسفة الأخلاقية | من النص إلى الوعي
- الأَغتيال الذي تم داخل الجسد .
- دراسة نقدية حول بحث - العولمة الاجتماعية و المجتمع المدني - ...
- دراسة نقدية في - كتاب الشيخ عبد الحسين القرملي - حياته و شعر ...
- الإطارات المعدنية العضوية: الجيل الجديد من المواد الذكية في ...
- حياة علم الكيمياء | الصادق مؤسسها الأَول


المزيد.....




- لقاء مرتقب بين نتنياهو وترامب لبحث -ملف إيران-، وويتكوف من ط ...
- قتلى بانهيار جليدي بإيطاليا وعواصف قاسية تضرب إسبانيا والبرت ...
- مظاهرات في برلين وباريس تنديدا بالجرائم الإسرائيلية بغزة
- الدانمارك: موقفنا بات أقوى لكن أزمة غرينلاند لم تُحل بعد
- انتخابات مبكرة في اليابان.. وترجيحات بتعزيز موقع تاكايشي
- استقالة ناشر واشنطن بوست بعد أيام من تسريح ثلث موظفي الصحيفة ...
- لماذا أثار مقترح بإنشاء بنك للأنسجة البشرية والتبرع بالجلد ج ...
- أصفاد وطائرة خاصة: كواليس ترحيل فلسطينيين سرًا من الولايات ا ...
- ماهي اتفاقية خدمات النقل الجوي التي ألغتها الجزائر مع الإمار ...
- من هو جاك لانغ الرئيس المستقيل لمعهد العالم العربي؟


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين علي حياوي المؤذن - أنطولوجيا النجاة