|
|
الهيدروجين | البروتون الأول - رحلة موسوعية من نشأة الكون إلى فجر اقتصاد الطاقة النظيف
حسين علي حياوي المؤذن
كاتب روائي باحث سياسي
(Hussein Ali Hayawi Al-mu’adhin)
الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 23:30
المحور:
التربية والتعليم والبحث العلمي
يُعد الهيدروجين، الذي يحمل الرمز H والعدد الذري 1، أخف وأبسط عنصر في الجدول الدوري بأكمله، إذ تتألف نواته في أكثر نظائره وفرة من بروتون واحد فقط، ويدور حولها إلكترون وحيد. تبلغ كتلته الذرية القياسية 1.008 غرام لكل مول، وهو ما يجعله اللبنة الأساسية التي انبثقت عنها جميع العناصر الأخرى عبر عمليات الاندماج النووي داخل النجوم. يصنف الهيدروجين كيميائياً ضمن عناصر اللافلزات، ويوجد في الظروف القياسية من درجة الحرارة والضغط على شكل غاز ثنائي الذرة H₂، وهو غاز عديم اللون والطعم والرائحة، غير سام لكنه شديد الاشتعال لدرجة أنه يشتعل تلقائياً في الهواء عند تراكيز تتراوح بين 4 و 75 بالمئة من حيث الحجم. تمتد تفردات الهيدروجين إلى ثلاث خصائص فيزيائية وكيميائية تجعله متميزاً عن كل العناصر الأخرى: أولاً، يمتلك أعلى ناقلية حرارية بين جميع الغازات، حيث تبلغ 0.1805 واط لكل متر لكل كلفن، مما يجعله مبرداً فائق الفعالية في المولدات الكهربائية الكبيرة. ثانياً، كثافته هي الأدنى على الإطلاق، إذ لا تتجاوز 0.08988 غراماً لكل لتر في الظروف المعيارية، أي أنه أخف بأربعة عشر مرة من الهواء تقريباً، ولهذا كان يملأ المناطيد قديماً قبل أن تحل محله غازات أكثر أماناً. ثالثاً، يتمتع الهيدروجين بقدرة فريدة على تشكيل روابط هيدروجينية، وهي روابط ضعيفة نسبياً لكنها جماعية تؤثر بعمق في خواص الماء والجزيئات الحيوية مثل البروتينات والحمض النووي، وتفسر لماذا يغلي الماء عند درجة حرارة أعلى بكثير من الهيدروجين السيلينيومي أو الهيدروجين التيلوريومي.
على الصعيد الكوني، يشكل الهيدروجين النصيب الأكبر من المادة الباريونية المرئية، فهو يمثل حوالي 75 بالمئة من الكتلة الكلية للكون و92 بالمئة من ذراته. تتوسط الشمس عملية اندماج نووي مستمرة تحول الهيدروجين إلى هيليوم بمعدل يبلغ نحو 600 مليون طن في الثانية، وهي العملية التي تزودنا بالطاقة الحرارية والضوئية. لكن الهيدروجين نادر بشكل مدهش على الأرض في صورته العنصرية الحرة. يبلغ تركيزه في الغلاف الجوي حوالي 0.55 جزء في المليون حجمياً فقط، أي أقل من جزءين في المليون، وسبب هذه الندرة مزدوج: أولاً، الجاذبية الأرضية ضعيفة نسبياً لدرجة أنها لا تستطيع احتجاز أخف الغازات، فمعظم جزيئات الهيدروجين التي تصعد إلى طبقات الجو العليا تكتسب سرعة كافية للهروب إلى الفضاء الخارجي نهائياً. ثانياً، الهيدروجين الحر شديد التفاعل مع الأكسجين الجوي، فعمره الوسطي في الغلاف الجوي لا يتجاوز السنتين قبل أن يتأكسد إلى بخار ماء. المصادر الطبيعية القليلة التي تنتج الهيدروجين الحر تشمل الانبعاثات البركانية التي تساهم بنسبة 0.1 إلى 0.3 بالمئة من الغازات المنبعثة، والتفاعلات السربنتينية في قاع المحيط حيث تتحد مياه البحر مع معادن الأوليفين السيليكاتية لتنتج السربنتين والمغنتيت والهيدروجين، وكذلك التحلل الإشعاعي للماء بتأثير جسيمات ألفا الصادرة من اليورانيوم والثوريوم في القشرة الأرضية، وأخيراً النشاط البكتيري لبعض الكائنات اللاهوائية التي تمتلك إنزيم الهيدروجيناز القادر على إنتاج الهيدروجين. أما الكتلة الهائلة للهيدروجين على الأرض فتوجد مرتبطة كيميائياً، حيث يخزن المحيط العالمي نحو 1.4 ضرب 10 أس 21 كيلوغراماً من الهيدروجين في صورة ماء، بينما تحتوي الهيدروكربونات مثل الغاز الطبيعي والميثان وهيدرات الميثان في قيعان المحيطات على حوالي 10 أس 17 كيلوغراماً، وتحتوي المعادن الطينية والقشرة الأرضية على كميات إضافية، ليكون مجموع كتلة الهيدروجين على الأرض حوالي 1.6 ضرب 10 أس 21 كيلوغراماً، أي أن أكثر من 99.97 بالمئة منه محبوس في جزيئات الماء.
التاريخ البشري مع الهيدروجين طويل لكن اكتشافه كعنصر مستقل جاء متأخراً نسبياً. في حوالي العام 1520، لاحظ عالم الكيمياء السويسري باراسيلسوس أن تفاعل برادة الحديد مع حمض الكبريتيك ينتج فقاعات غازية تشتعل عند ملامستها للهب، وقد أطلق عليها اسم "الهواء القابل للاشتعال" دون أن يدرك أنها عنصر جديد مختلف عن غازات أخرى معروفة. في عام 1671، كرر العالم الإنجليزي روبرت بويل التجربة ذاتها باستخدام الحديد وحمض الهيدروكلوريك المخفف، ووصف بدقة أن الغاز الناتج يشتعل بلهب أزرق شاحب. لكن الفصل الحقيقي في القصة جاء على يد هنري كافنديش في عام 1766، إذ أجرى سلسلة من التجارب المنهجية باستخدام الزنك والحديد والقصدير مع أحماض مختلفة، وتمكن من جمع الغاز في أوعية مقلوبة فوق الماء. أظهر كافنديش أن هذا الغاز لا يدعم الاحتراق ولا التنفس، مما يعني أنه يختلف عن الهواء العادي، وقاس كثافته فوجدها تبلغ 1 على 14 من كثافة الهواء. الأهم من ذلك، عندما أحرق كميات من هذا الغاز في وعاء زجاجي محكم، لاحظ أن الجدران الداخلية تغطى بقطيرات ندية، وكانت هذه أول مرة يثبت فيها أحد أن الماء ليس عنصراً أولياً بل ناتج من اتحاد غازين، وهو اكتشاف دمر نظرية فلوجستون التي كانت سائدة آنذاك. لم يقتنع كافنديش شخصياً بأن الماء مركب، لكن زميله جيمس واط اقترح أن كل جزيء ماء يتكون من ذرتي هيدروجين وذرة أكسجين. بعد بضع سنوات، وتحديداً في عام 1783، أعاد الكيميائي الفرنسي أنطوان لافوازييه وبالتعاون مع بيير سيمون لابلاس إنتاج تجارب كافنديش بدقة أعلى باستخدام موازين دقيقة وأوعية زجاجية مصممة خصيصاً، وأكد بلا شك أن الماء ناتج احتراق الهواء القابل للاشتعال مع الأكسجين النقي. لافوازييه هو الذي صك اسم "hydrogène" من أصل يوناني، حيث "هيدرو" تعني ماء و"جين" تعني مولّد، أي أن الهيدروجين هو "مولّد الماء". في القرن التاسع عشر، قام توماس غراهام عام 1866 بصياغة قانون انتشار الغازات وطبقه على الهيدروجين، موضحاً سبب سرعة هروبه من المسام الصغيرة والفواصل. في عام 1898، تمكن جيمس ديوار من تسييل الهيدروجين لأول مرة مستخدماً تبريداً متتالياً وتأثير جول-طومسون، ووصل إلى درجة حرارة 20.3 كلفن، وهو الإنجاز الذي مهد لصنع أوعية ديوار العازلة المعروفة باسم الترموس. في عام 1911، اكتشف هايك كامرلينغ أونس أن الهيدروجين الصلب عند 4.2 كلفن يظهر خواص الموائع الفائقة، أي أنه يتدفق دون لزوجة، لكن هذا السلوك كان قد اكتشفه قبل ذلك بقليل في الهيليوم. حدث إنجاز كبير في عام 1931 عندما اكتشف هارولد يوري الديوتيريوم، وهو النظير الثقيل للهيدروجين الذي يحتوي على نيوترون واحد في نواته إلى جانب البروتون. قام يوري بتبخير خمسة لترات من الهيدروجين السائل تاركاً ملليلترين فقط من البقايا، ثم حلل طيف هذه البقايا فوجد خطوطاً طيفية عند أطوال موجية مختلفة قليلاً عن خطوط الهيدروجين العادي، وكان هذا دليلاً قاطعاً على وجود نظير ثقيل، وقد نال يوري جائزة نوبل عن هذا الاكتشاف عام 1934. أما النظير الثالث المشع، التريتيوم الذي يحتوي على بروتون ونيوترونين، فصنعه إرنست رذرفورد ومارك أوليفانت وبول هارتيك عام 1934 بقصف الديوتيريوم بديوترونات في معجل جسيمات بدائي.
بالانتقال إلى البنية الإلكترونية، فإن ذرة الهيدروجين تمتلك أبسط توزيع إلكتروني ممكن، وهو إلكترون واحد في الغلاف الأول، مكتوباً بالرمز 1s1. طاقة تأين هذه الذرة هي الأعلى بين جميع العناصر التي تليه في الجدول الدوري عدا الهيليوم، وتصل إلى 1312 كيلوجول لكل مول، مما يعني أن نزع الإلكترون الوحيد من الهيدروجين يتطلب طاقة كبيرة نسبياً. بالمقابل، فإن الميل الإلكتروني للهيدروجين ضعيف جداً، أي أن كسب إلكترون إضافي لتشكيل الأيون السالب H⁻ يطلق طاقة قدرها 72.77 كيلوجول لكل مول فقط، وهذا يجعل أيون الهيدريد غير مستقر إلى حد ما ولا يتشكل إلا في ظروف خاصة مع الفلزات النشطة جداً مثل الصوديوم والكالسيوم. السالبية الكهربية للهيدروجين على مقياس بولنغ تساوي 2.20، وهي قيمة متوسطة، أقل من الكربون الذي يسجل 2.55 وأعلى قليلاً من البورون عند 2.04، وهذا يعني أن الهيدروجين في مركباته مع الفلزات يكتسب شحنة سالبة جزئية (كمستقبل للإلكترونات) بينما مع اللافلزات الأكثر سالبية مثل الأكسجين والكلور والفلور، فإنه يفقد الشحنة الجزئية ويصبح طرفاً موجباً في الرابطة. طيف الهيدروجين الذري هو الأبسط والأكثر دراسة في الفيزياء الذرية، فقد لاحظ يوهان بالمر في عام 1885 أربعة خطوط انبعاث مرئية عند أطوال موجية 656.3 و486.1 و434.0 و410.2 نانومتر، والتي تبين لاحقاً أنها ناتجة عن انتقالات الإلكترون من المدارات الأعلى إلى المدار الثاني، وسُميت متسلسلة بالمر. ثم اكتشف ثيودور ليمان خطوطاً في منطقة فوق البنفسجي ناتجة عن انتقالات إلى المدار الأول (متسلسلة ليمان)، وهرمان باشن خطوطاً في تحت الحمراء ناتجة عن انتقالات إلى المدار الثالث (متسلسلة باشن). تعطي معادلة ريدبرغ الموحدة لحساب الأطوال الموجية لجميع خطوط الهيدروجين العلاقة 1 على لامدا يساوي ثابت ريدبرغ للهيدروجين مضروباً في 1 على مربع n₁ ناقص 1 على مربع n₂، حيث ثابت ريدبرغ قيمته 1.09678 ضرب 10 أس 7 لكل متر. الفروق الطيفية الدقيقة بين البروتيوم والديوتيريوم والتريتيوم تنشأ من اختلاف الكتل النووية وتُستخدم حالياً في تقنيات التتبع النظائري.
جزيء الهيدروجين H₂ هو أصغر جزيء متعادل في الطبيعة. تتكون رابطة H–H التساهمية غير القطبية من زوج إلكتروني مشترك بين ذرتي الهيدروجين، ويبلغ طول هذه الرابطة 74.14 بيكومتراً فقط، وطاقة تفككها عالية جداً وتصل إلى 436 كيلوجول لكل مول، مما يعني أن جزيء H₂ من أصعب الجزيئات تفكيكاً حرارياً. إلا أن هذه الطاقة العالية تنخفض بشكل جذري عندما يتفاعل الهيدروجين مع أسطح بعض المعادن الانتقالية مثل البلاتين والبلاديوم والنيكل والحديد، إذ تعمل هذه الأسطح على تضعيف الرابطة وتفكيك الجزيء إلى ذرتي هيدروجين منفردتين شديدتي التفاعل، وهذه هي الآلية الأساسية لعمل المحفزات في عمليات الهدرجة الصناعية. الغاز H₂ ليس له عزم ثنائي قطب كهربائي، وبالتالي فهو ضعيف الذوبان في المذيبات القطبية مثل الماء، حيث لا تتجاوز ذائبيته 1.6 ملليغرام لكل لتر عند درجة حرارة 20 درجة مئوية. في حالة الغاز العادية، يبقى H₂ مستقراً في نطاق درجة حرارة يبدأ من 20.27 كلفن (نقطة غليانه تحت ضغط جوي واحد) إلى 33.18 كلفن (نقطته الحرجة). سرعة الصوت في غاز الهيدروجين عند درجة الصفر المئوي تبلغ 1284 متراً في الثانية، وهي أسرع بثلاثة أضعاف ونصف من سرعة الصوت في الهواء، وهذا يفسر لماذا يتغير صوت الشخص الذي يستنشق الهيدروجين ويصبح عالياً حاداً. عندما يُبرد الهيدروجين إلى ما دون 20.28 كلفن تحت ضغط جوي واحد، يتكثف إلى سائل عديم اللون كثافته 70.85 غراماً لكل لتر فقط، أي أنه أخف عشرة أضعاف من الماء تقريباً. يتمتع الهيدروجين السائل بأعلى كثافة طاقية بالنسبة للكتلة بين جميع أنواع الوقود الكيميائي، حيث تبلغ قيمة تسخينه العليا 141.8 ميجاجول لكل كيلوغرام، مقارنة بـ 47 ميجاجول للبنزين، لكن كثافته الطاقية الحجمية منخفضة جداً 8.5 ميجاجول لكل لتر فقط مقابل 32 ميجاجول للبنزين، وهذه مشكلة رئيسية في تصميم خزانات وقود الهيدروجين للمركبات. لزوجة الهيدروجين السائل منخفضة جداً وتصل إلى 0.013 سنتي بواز، أي أقل بستة أضعاف من لزوجة الماء. من أكثر الظواهر إثارة للاهتمام أن الهيدروجين السائل يوجد على شكلين جزيئيين مختلفين في حالتهما المغزلية: ortho-هيدروجين حيث تكون لف مغزلي البروتونين متوازيين ويكون العزم المغزلي الكلي مساوياً للعدد الصحيح 1، وpara-هيدروجين حيث يكون اللفان متضادين ويكون العزم الكلي صفراً. عند التوازن في درجة حرارة الغرفة، يشكل ortho-هيدروجين نسبة 75 بالمئة وpara-هيدروجين 25 بالمئة. لكن عند التبريد البطيء إلى درجة حرارة السائل، يتحول الـ ortho تلقائياً إلى para مصحوباً بإصدار حرارة مقدارها 527 جول لكل مول، وهذه الحرارة كافية لتبخير جزء من العينة إذا لم يتم إزالتها ببطء. لذلك، تُستخدم محولات حفازة خاصة مثل أكسيد الحديد الثلاثي داخل خزانات الهيدروجين السائل لتسريع هذا التحول أثناء عملية التبريد ذاتها وتجنب فقدان العينة. تحت ضغط جوي واحد، يتجمد الهيدروجين السائل إلى صلب عند درجة حرارة 14.01 كلفن. وعند تعريض الهيدروجين الصلب لضغوط هائلة تتجاوز 400 جيجاباسكال، أي ما يعادل أربعة ملايين ضعف الضغط الجوي، تشير بعض التجارب المعملية إلى تحوله إلى فلز هيدروجين، وهي حالة نظرية طالما تنبأت بها النماذج الفيزيائية، يتصرف فيها الهيدروجين كفلز قلوي تقليدي بل قد يظهر ناقلية فائقة عند درجة حرارة تصل إلى 200 كلفن، لكن هذا الاكتشاف لا يزال محل جدل ولم تؤكد جميع الفرق البحثية قدرته على التكرار.
الكيمياء التفاعلية للهيدروجين واسعة ومتنوعة بشكل استثنائي، إذ يمكنه أن يتصرف في بعض الظروف كعامل مختزل بتبرع بإلكترون واحد ليتحول إلى البروتون H⁺، وفي ظروف أخرى كعامل مؤكسد بقبول إلكترون ليتحول إلى هيدريد H⁻، ويشكل في الحالة الثالثة روابط تساهمية متعادلة مع أغلب العناصر الأخرى. يتفاعل الهيدروجين مع الفلزات القلوية والقلوية الترابية النشطة مثل الصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم ليشكل هيدريدات أيونية بيضاء بلورية صيغتها MH أو MH₂. على سبيل المثال، عند تسخين الصوديوم في تيار من غاز الهيدروجين، ينتج هيدريد الصوديوم NaH، وهو مركب أيوني حساس للرطوبة ويتفكك فور ملامسته للماء منتجاً هيدروكسيد الصوديوم وغاز الهيدروجين مرة أخرى. تسمى هذه الهيدريدات الأيونية أحياناً بالهيدريدات المالحة لأنها تذوب في المنصهرات الأيونية وتوصيلها للكهرباء يشبه توصيل الأملاح المنصهرة. بالمقابل، عندما يتفاعل الهيدروجين مع اللافلزات عالية السالبية مثل الأكسجين والكلور والفلور والنيتروجين، فإنه لا يقبل إلكترونات بل يساهم بها لتشكيل روابط تساهمية قطبية. أكثر هذه التفاعلات أهمية بالطبع هو تفاعل الهيدروجين مع الأكسجين: 2H₂ + O₂ → 2H₂O، وهو تفاعل شديد الطرد للحرارة يصاحبه إطلاق 286 كيلوجول لكل مول من الماء المتشكل، وهو مصدر الطاقة في خلايا الوقود ومحركات الصواريخ التي تعمل بالهيدروجين. اللهب الناتج عن احتراق الهيدروجين النقي بالأكسجين النقي يكون شبه غير مرئي، لأن معظم الإشعاع يقع في منطقة تحت الحمراء، لكنه يصبح أزرق شاحباً عند احتراقه في الهواء العادي بسبب شوائب النيتروجين. خطر الهيدروجين لا يكمن في سميته (فهو غير سام) بل في قابليته العالية للاشتعال والانفجار ضمن نطاق تركيزي عريض جداً، وحقيقة أن لهباً غير مرئي قد يكون موجوداً دون أن ينتبه إليه العاملون. يتفاعل الهيدروجين مع الكلور تحت تأثير الضوء فوق البنفسجي أو في الظلام عند تسخينه بتفاعل سلسلي جذري عنيف لتشكيل كلوريد الهيدروجين H₂ + Cl₂ → 2HCl، وهو تفاعل كان يستخدم في الماضي لإنتاج حمض الهيدروكلوريك. مع النيتروجين، يتفاعل الهيدروجين في ظروف قاسية من الضغط المرتفع والحرارة والحفاز (عملية هابر-بوش) لإنتاج الأمونيا NH₃، وهو تفاعل يعتبر أحد أعظم إنجازات الكيمياء الصناعية في القرن العشرين وسنعود إليه بالتفصيل في قسم التطبيقات.
في التفاعلات المائية، يتصرف الهيدروجين كعامل مختزل قوي. عند درجات حرارة مرتفعة، يمكن للهيدروجين أن يختزل أكاسيد العديد من المعادن إلى الفلز الحر، مثلاً H₂ + CuO → Cu + H₂O، وهذه هي أساس عمليات الاستخلاص الحراري في علم الفلزات. لكن الهيدروجين نفسه لا يتفاعل بشكل ملحوظ مع الماء النقي عند درجة حرارة الغرفة في غياب محفز. مع الأحماض القوية، لا يتفاعل الهيدروجين مباشرة لأنه غاز خامل بالفعل في تلك البيئة، لكن بعض المعادن تطلق الهيدروجين من الأحماض كما رأينا في تجارب كافنديش المبكرة، وهذه العملية العكسية لاختزال أيون الهيدروجين إلى غاز H₂. من المهم أن نذكر تفاعلاً مميزاً للهيدروجين مع المعادن الانتقالية مثل البلاديوم والبلاتين والنيكل، حيث يتم امتصاص كميات هائلة من الهيدروجين في الشبكة البلورية للمعدن لتشكيل هيدريدات معدنية. يستطيع البلاديوم امتصاص ما يصل إلى 900 ضعف حجمه من غاز الهيدروجين عند درجة حرارة الغرفة، والغاز الممتص يتفكك إلى ذرات هيدروجين تنتشر بين الفراغات البلورية، وهذه الخاصية تجعل البلاديوم مادة مثالية لتنقية الهيدروجين وتخزينه. تتفكك هذه الهيدريدات المعدنية بالتسخين فتعيد إطلاق الهيدروجين النقي، وهي أساس كثير من تقنيات تخزين الهيدروجين الصلبة الحديثة.
تلعب نظائر الهيدروجين الثلاثة أدواراً حيوية في مختلف فروع الكيمياء والفيزياء والجيولوجيا وعلم الأحياء. البروتيوم ¹H هو النظير الأكثر وفرة بنسبة تزيد على 99.9885 بالمئة من مجموع ذرات الهيدروجين الطبيعية. وهو النظير الوحيد بين الثلاثة الذي لا يحتوي على نيوترون في نواته، وله دوران مغزلي يساوي 1/2 مما يجعله حساساً في الرنين المغناطيسي النووي، وهو أساس تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي في الطب. الديوتيريوم ²H أو D، اكتشفه هارولد يوري كما أسلفنا، وتبلغ وفرته الطبيعية 0.0115 بالمئة، ويحتوي على بروتون واحد ونيوترون واحد في النواة، لذلك كتلته ضعف كتلة البروتيوم. الماء الثقيل D₂O له خواص فيزيائية مختلفة اختلافاً ملحوظاً: درجة غليانه 101.4 درجة مئوية بدلاً من 100، درجة تجمده 3.8 درجة مئوية بدلاً من صفر، وكثافته 1.1056 غرام لكل ملليلتر بدلاً من 1. في الطبيعة، يتركز الديوتيريوم قليلاً في مياه المحيطات مقارنة بالمياه العذبة بسبب اختلاف ضغط البخار. يستخدم الديوتيريوم على نطاق واسع كمتتبع نظائري في الكيمياء والكيمياء الحيوية، إذ يمكن متابعة تحولات المركبات الموسومة بالديوتيريوم باستخدام مطيافية الكتلة أو الرنين المغناطيسي النووي. كما يستخدم في إنتاج الماء الثقيل الذي يعمل كمهدئ للنيوترونات في بعض المفاعلات النووية (مثل مفاعلات القناة الكندية CANDU). أما التريتيوم ³H أو T، فهو النظير المشع الوحيد للهيدروجين، نواته تتكون من بروتون ونيوترونين، وله عمر نصف 12.32 سنة، واضمحلاله يكون بانبعاث إلكترون بيتا ذي طاقة منخفضة (18.6 كيلو إلكترون فولت) ويتحول إلى هيليوم-3. ينتج التريتيوم طبيعياً في الغلاف الجوي العلوي عندما تقصف أشعة الكون ذرات النيتروجين والأكسجين، لكن بكميات ضئيلة جداً. معظم التريتيوم المستخدم صناعياً يُنتج في المفاعلات النووية بقذف الليثيوم-6 بالنيوترونات حسب التفاعل Li-6 + n → He-4 + T. للتريتيوم تطبيقان رئيسيان: الأول، في أجهزة الإضاءة الذاتية للخروج من المباني والبوصلات العسكرية، حيث يضرب إلكترون بيتا الصادر منه مادة فسفورية فتضيء دون بطارية. الثاني، في أسلحة الاندماج النووي (القنابل الهيدروجينية) حيث يستخدم الديوتيريد الليثيوم LiD كمصدر للتريتيوم داخل القنبلة. كما يستخدم التريتيوم في مختبرات الكيمياء كمتتبع نظائري مشع بتركيزات منخفضة جداً، لكن التعامل معه يتطلب تراخيص خاصة وتدابير إشعاعية.
للوصول إلى الهيدروجين النقي في المختبر، يمكن استخدام عدة طرق بسيطة. الطريقة الأكثر شيوعاً والأقدم تاريخياً هي تفاعل فلز نشيط مثل الزنك أو الحديد أو الألومنيوم مع حمض قوي مثل حمض الهيدروكلوريك أو حمض الكبريتيك المخفف، على سبيل المثال Zn + 2HCl → ZnCl₂ + H₂. هذا التفاعل سهل التنفيذ ولا يحتاج تسخيناً، لكن الغاز الناتج قد يكون ملوثاً ببخار الحمض وبخار الماء وغازات أخرى، لذلك يمرر الغاز عبر أواني غسل تحتوي على ماء أو محاليل قلوية ثم عبر مجففات مثل هلام السيليكا أو كلوريد الكالسيوم اللامائي. الطريقة المختبرية الأكثر نقاءً تعتمد على التحليل الكهربائي للماء المحمض قليلاً بحمض الكبريتيك، حيث يختزل الماء عند المهبط (القطب السالب) منتجاً H₂ وأيونات الهيدروكسيد، ويتأكسد الماء عند المصعد منتجاً O₂. بهذه الطريقة يمكن الحصول على هيدروجين نقاوة تصل إلى 99.99 بالمئة. هناك أيضاً تفاعل هيدريد الكالسيوم CaH₂ مع الماء، وهو تفاعل عنيف ومنتج غاز نقي يصلح للتجارب الحساسة للرطوبة. أما صناعياً، فتنتج كميات هائلة من الهيدروجين بعدة طرق مختلفة تبعاً للتكلفة والاستخدام النهائي. الطريقة الأكثر انتشاراً حالياً هي إعادة تشكيل الميثان بالبخار Steam Methane Reforming، وهي تعتمد على تفاعل غاز الميثان (المكون الرئيسي للغاز الطبيعي) مع بخار الماء عند درجة حرارة تتراوح بين 700 و1100 درجة مئوية وبوجود محفز قائم على النيكل، حسب التفاعل CH₄ + H₂O → CO + 3H₂. هذا التفاعل ماص للحرارة بشدة، ويتبعه تفاعل تحويل الماء-الغاز Water-Gas Shift Reaction الذي يحول أول أكسيد الكربون الناتج إلى ثاني أكسيد الكربون وهيدروجين إضافي: CO + H₂O → CO₂ + H₂. تنتج هذه الطريقة حوالي 70 إلى 80 بالمئة من الهيدروجين الصناعي في العالم، لكنها تستهلك الوقود الأحفوري وتنتج انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، لذلك يسمى هذا الهيدروجين بالهيدروجين الرمادي. إذا تم احتجاز وتخزين ثاني أكسيد الكربون الناتج تحت الأرض، يصبح الهيدروجين أزرق. أما البديل النظيف فهو التحليل الكهربائي للماء باستخدام كهرباء متجددة من الشمس أو الرياح، وينتج الهيدروجين الأخضر الذي لا يصاحبه أي انبعاثات كربونية. هناك طرق صناعية أقل شيوعاً مثل التغويز الحراري للكتلة الحيوية، والتحلل الحراري للميثان لإنتاج كربون صلب وهيدروجين (هيدروجين تركوازي)، والعمليات البيولوجية باستخدام الطحالب أو البكتيريا الضوئية.
الدور البيولوجي للهيدروجين معقد ومزدوج. على المستوى الأساسي، الهيدروجين الحر (غاز H₂) ليس ضرورياً لأي شكل من أشكال الحياة المعروفة، والإنسان لا يحتاج إلى استنشاقه أو تناوله. لكن الهيدروجين في شكله المرتبط بالماء والمركبات العضوية هو من أهم العناصر الحيوية على الإطلاق. تدخل ذرات الهيدروجين في تركيب كل جزيء عضوي كبير تقريباً، من الكربوهيدرات والدهون إلى البروتينات والأحماض النووية. في التنفس الخلوي، تتبرع جزيئات NADH و FADH₂ بذرات الهيدروجين (أيونات الهيدريد فعلياً) إلى سلسلة نقل الإلكترون في الميتوكوندريا، وهذه هي العملية التي تولد معظم جزيئات ATP، أي الطاقة الكيميائية التي تشغل الخلية. في عملية البناء الضوئي، تُستخدم أيونات الهيدروجين الناتجة عن تحلل الماء لبناء السكريات وتوليد التدرج البروتوني الذي يشغل تخليق ATP. التركيز المحلي لأيونات الهيدروجين (درجة الحموضة pH) هو منظم مركزي لجميع العمليات البيوكيميائية، إذ أن معظم الإنزيمات تعمل فقط ضمن نطاق pH ضيق، ويتغير نشاطها جذرياً خارج هذا النطاق. السُمية لا تظهر من الهيدروجين الجزيئي نفسه، بل من غياب الأكسجين الذي يسببه الهيدروجين في الأماكن المغلقة، فالاستنشاق في جو من الهيدروجين النقي يؤدي إلى الاختناق لأن الرئتين لا تحصلان على الأكسجين الكافي. أما أيونات الهيدروجين بتركيز عالٍ (حمض قوي) فهي بالطبع أكالة وخطيرة، لكن هذا راجع إلى البروتون وليس إلى غاز H₂. هناك حالة فريدة من التسمم بالهيدروجين مرتبطة بالهيدروجين المذاب في الدم عند الغوص العميق جداً، حيث يعمل الهيدروجين تحت ضغط عالٍ كعامل مخدر خفيف يسبب دوار الأعماق، لكن هذا نادر الحدود. بعض الكائنات البدائية مثل البكتيريا الميثانية تستخدم H₂ كمصدر للإلكترونات والطاقة، وتعيش في بيئات خالية من الأكسجين مثل قنوات الهضم عند الحيوانات المجترة وفي المستنقعات. الجسم البشري ينتج كميات ضئيلة من H₂ في الأمعاء الغليظة نتيجة تخمر البكتيريا اللاكتات والسكريات غير المهضومة، وهو ما يفسر وجود الهيدروجين في الغازات المعوية (الريح)، ويمكن قياس زفير H₂ كاختبار تشخيصي لعدم تحمل اللاكتوز أو فرط نمو البكتيريا في الأمعاء الدقيقة.
التطبيقات الصناعية للهيدروجين هائلة ومتنوعة وتستهلك حوالي 70 مليون طن سنوياً على مستوى العالم، ويتزايد هذا الرقم بسرعة بفضل التحول نحو اقتصاد الهيدروجين. الاستخدام الأكبر والأقدم هو في إنتاج الأمونيا عبر عملية هابر-بوش التي ابتكرها فريتز هابر وكارل بوش في أوائل القرن العشرين. في هذه العملية، يتفاعل النيتروجين من الهواء مع الهيدروجين تحت ضغط يتراوح بين 150 و300 ضغط جوي ودرجة حرارة بين 400 و500 درجة مئوية، وبوجود محفز من الحديد المسعَّر بأكاسيد الألومنيوم والبوتاسيوم، حسب التفاعل N₂ + 3H₂ ⇌ 2NH₃. تستهلك هذه العملية حوالي 55 بالمئة من إنتاج الهيدروجين العالمي، وتنتج الأمونيا التي تُحول بدورها إلى أسمدة نيتروجينية مثل اليوريا ونترات الأمونيوم، وهذه الأسمدة تدعم غذاء حوالي نصف سكان الأرض. التطبيق الثاني الكبير هو في تكرير البترول، وتحديداً في عمليات إزالة الكبريت المهدرج Hydrodesulfurization، حيث يُمرر البترول الخام أو المنتجات المتوسطة مع الهيدروجين على محفز من كبريتيد الكوبالت أو كبريتيد الموليبدينوم عند درجات حرارة عالية، فيتحول الكبريت إلى كبريتيد الهيدروجين H₂S الذي يُزال بسهولة، ويمنع هذا الهيدروجين تلوث المحولات الحفازة وانبعاثات ثاني أكسيد الكبريت الضارة. كما يستخدم الهيدروجين في عملية الهيدروكراكينغ Hydrocracking لتكسير جزيئات البترول الثقيلة إلى جزيئات أخف مثل البنزين والديزل. التطبيق الثالث هو إنتاج الميثانول من أول أكسيد الكربون والهيدروجين حسب CO + 2H₂ → CH₃OH، والميثانول بدوره هو مادة أولية لإنتاج حامض الخليك والفورمالدهيد والعديد من الكيماويات العضوية. في علم الفلزات، يستخدم الهيدروجين كغلاف واقٍ في عمليات التلدين والمعالجة الحرارية للمعادن مثل الفولاذ والنحاس والتيتانيوم، حيث يمنع أكسدتها عند درجات الحرارة المرتفعة. وفي صناعة الإلكترونيات، يستخدم الهيدروجين النقي جداً كغاز حامل في ترسيب الأغشية الرقيقة من السيليكون والسيليكون-جرمانيوم بواسطة الترسيب الكيميائي من الطور البخاري، وكذلك في تخميل الأسطح بتشكيل روابط Si–H التي تزيل الشوائب.
في العقدين الأخيرين، برز الهيدروجين كحامل طاقة استراتيجي في سياق الانتقال الطاقي ومكافحة التغير المناخي. خلايا الوقود الهيدروجينية تحول الطاقة الكيميائية للهيدروجين مباشرة إلى كهرباء وحرارة وماء، بكفاءة قد تصل إلى 60 بالمئة في الأنظمة التجارية، وتصل إلى 85 بالمئة عند استعادة الحرارة المهدورة (التبريد والتدفئة المشتركان). خلية الوقود النموذجية تتكون من غشاء تبادل بروتوني Polymer Electrolyte Membrane مصنوع من بوليمرات حامضية مثل نافيون، يُطلى من الجانبين بمحفز من البلاتين، وتُمرر تيارات الهيدروجين على المصعد حيث يتفكك إلى بروتونات وإلكترونات، ثم تمر الإلكترونات عبر دائرة خارجية مسببة تياراً كهربائياً بينما تمر البروتونات عبر الغشاء إلى المهبط، وتتحد هناك مع الأكسجين والإلكترونات القادمة لتشكيل الماء. تطبيقات خلايا الوقود تشمل السيارات الكهربائية (مثل تويوتا ميراي وهوندا كلاريتي)، والحافلات، والشاحنات، والقطارات (في ألمانيا بدأت قطارات الهيدروجين تحل محل الديزل على خطوط غير مكهربة)، والطائرات التجريبية الصغيرة، ومولدات الكهرباء الثابتة للمنازل والمستشفيات والمراكز التجارية. التحدي الرئيسي الذي يواجه انتشار الهيدروجين وقوداً يكمن في تخزينه. كثافة الهيدروجين الحجمية منخفضة جداً، لذا فإن تخزينه على شكل غاز مضغوط يتطلب خزانات من ألياف الكربون قادرة على تحمل 700 ضغط جوي، وهي ضخمة وثقيلة نسبياً. تخزينه سائلاً يتطلب تبريداً عميقاً إلى 20 كلفن، وهي عملية تستهلك طاقة تعادل حوالي 30 بالمئة من الطاقة المخزنة فيه. البديل الواعد هو التخزين في هيدريدات معدنية صلبة مثل هيدريد المغنيزيوم MgH₂ أو سبائك الليثيوم-بوروهيدريد LiBH₄، التي تمتص وتطلق الهيدروجين بعكسية عند تسخينها، لكن هذه المواد لا تزال باهظة الثمن وثقيلة. أيضاً يجري العمل على مواد مسامية مثل إطارات الفلزات العضوية Metal-Organic Frameworks التي يمكنها امتزاز كميات كبيرة من H₂ عند ضغوط منخفضة. تطبيق ناشئ آخر هو استخدام الهيدروجين كغاز مختزل مباشر في صناعة الحديد والصلب، بدلاً من فحم الكوك، ضمن مشاريع مثل HYBRIT في السويد، حيث يُختزل خام الحديد (أكسيد الحديد الثالث Fe₂O₃) إلى حديد إسفنجي باستخدام الهيدروجين، ويكون الناتج الوحيد هو بخار الماء بدلاً من ثاني أكسيد الكربون، مما يخفض انبعاثات هذه الصناعة الشرهة للكربون بنسبة تزيد على 90 بالمئة.
إحدى حالات الأكسدة الأكثر غرابة للهيدروجين تظهر في نوعين نادرين من المركبات: هيدريدات المعادن الانتقالية ذات السالبية الكهربية المنخفضة، والمركبات العضوية الفلزية التي تحتوي على رابطة هيدروجين-معدن. في الحالة العادية، يعتبر الهيدروجين أحادي التكافؤ، أي أن له حالة أكسدة واحدة هي +1 في معظم مركباته التساهمية والأيونية (باستثناء الهيدريدات السالبة حيث تكون حالته -1). لكن في المعقدات الانتقالية، قد يرتبط الهيدروجين بذرة الفلز على شكل هيدريد طرفي معدني M–H، وهذه الرابطة لها طابع تساهمي إلى أيوني، وتتصرف ذرة الهيدروجين فيها كما لو كانت حالة أكسدة -1 رسمية. بعض المعقدات تحتوي على هيدروجين جسري بين ذرتي فلز M–H–M، وحالات أكثر غرابة تتضمن ارتباط جزيء H₂ كاملاً بذرة فلز دون تفكك الرابطة H–H، وتسمى هذه معقدات الهيدروجين الجزيئي dihydrogen complexes، وهي نادرة وتحدث فقط مع فلزات في حالات أكسدة منخفضة في بيئة إلكترونية غنية. أيضاً في الكيمياء العضوية الفلزية، يوجد ما يعرف بـ"الهيدريدات العضوية الفلزية" حيث يتوسط الهيدروجين في روابط هجينة مثل الأغلفة الثلاثية agostic interactions، وهي تفاعلات ضعيفة بين ذرة هيدروجين في مجموعة ألكيل أو أريل ومركز فلز غير مشبع. هذه التفاعلات ليست مجرد فضول أكاديمي، بل هي مفتاحية لفهم آليات تحفيز الهدرجة والهيدروجين، وتستخدم بشكل روتيني في تخليق المواد البوليمرية والأدوية.
أما آفاق وتحديات مستقبل الهيدروجين، فهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتحول الطاقة العالمي. العائق الأكبر اليوم هو أن 96 بالمئة من الهيدروجين المنتج يأتي من الوقود الأحفوري (غاز طبيعي وفحم)، ولا يزال الهيدروجين الأخضر المنتج بالتحليل الكهربائي باستخدام كهرباء متجددة يكلف حوالي 5 إلى 6 دولارات لكل كيلوغرام، مقارنة بـ 1.5 دولار للهيدروجين الرمادي. من المتوقع أن تنخفض هذه التكلفة إلى أقل من 2 دولار لكل كيلوغرام بحلول عام 2030 مع انتشار الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وانخفاض أسعار المحللات الكهربائية. التحدي الثاني هو البنية التحتية للنقل: خطوط أنابيب الهيدروجين تحتاج إلى سبائك خاصة مقاومة للتقصف الهيدروجيني، وهو ظاهرة تصبح فيها المعادن هشة وعرضة للكسر بسبب انتشار ذرات الهيدروجين في شبكتها البلورية. يمكن مزج الهيدروجين مع الغاز الطبيعي بنسبة تصل إلى 20 بالمئة دون تعديلات كبيرة في الشبكات الحالية، لكن النقل النقي يتطلب استثمارات ضخمة. التحدي الثالث هو الكفاءة الدورية: عند إنتاج الهيدروجين بالكهرباء ثم تحويله مرة أخرى إلى كهرباء في خلية وقود، تخسر حوالي 60 إلى 70 بالمئة من الطاقة الأولية، مقابل خسارة أقل في البطاريات (10-20 بالمئة). لذلك فإن الهيدروجين أفضل في تطبيقات النقل الثقيل والطويل المدى (الشاحنات، القطارات، السفن، الطيران) والتخزين الموسمي للطاقة المتجددة (أشهر كاملة من الطاقة)، بينما البطاريات تتفوق في التنقل الخفيف والقصر المدى. الأبحاث الحدودية اليوم تتجه نحو تطوير محفزات خالية من البلاتين والمعادن الثمينة لهذا التطبيق، مثل محفزات النيكل-الحديد والكربون المهيكل نانومترية ومحفزات الكوبالت-الفوسفور، وكذلك نحو تطوير أغشية التبادل البروتوني الجديدة غير البيرفلوروكربونية لتكون أرخص وأقل تلويثاً للبيئة. في مجال تخزين الهيدروجين الصلب، هناك سباق لاكتشاف هيدريدات معقدة ذات درجات حرارة تفكك معتدلة (أقل من 100 درجة مئوية) وسعات عالية تفوق 5 بالمئة وزناً من H₂. كما يجري العمل على الهيدروجين الطبيعي الجيولوجي، أي وجود احتياطات طبيعية من H₂ النقي تحت سطح الأرض نتيجة تفاعلات كيميائية جيولوجية، وهناك اكتشافات واعدة في مالي وأستراليا وعمان قد تغير قواعد اللعبة إذا ثبتت قابليتها للاستخراج التجاري.
أخيراً، لا يمكن إغفال العلاقة التاريخية للهيدروجين بالجمال والخطر معاً. كان الهيدروجين هو الغاز الذي ملأ منطاد هيندنبورغ الألماني العملاق في عام 1937، وعندما اشتعل قبيل هبوطه في نيوجيرسي، تمكن عشرات الركاب من النجاة بالقفز من ارتفاع منخفض رغم اشتعال الهيدروجين، بينما مات آخرون بسبب السقوط أو الحروق. لكن التحليل اللاحق أظهر أن النسيج الخارجي للمنطاد المطلي بمسحوق الألمنيوم وخلات السليلوز هو الذي احترق بعنف، بينما احترق الهيدروجين بسرعة بلهب غير مرئي إلى أعلى فقط. تلك الحادثة أنهت عصر المناطيد العملاقة لكنها أظهرت أيضاً أن الهيدروجين ليس خطيراً إلى درجة الاستحالة إذا أُحكم تصميم الأنظمة وتجنبت مصادر الاشتعال. اليوم، يعود الهيدروجين إلى واجهة التكنولوجيا بقوة، ليس كغاز للمناطيد الترفيهية، بل كعنصر أساسي في معادلة الطاقة المستدامة. فمنذ اكتشافه في القرن الثامن عشر، مر الهيدروجين بأدوار متعددة: غاز فضولي في مختبرات الكيميائيين، ثم مادة خام عملاقة للصناعات الكيميائية والبترولية، ثم حامل طاقة واعداً في قرن التغير المناخي. وبالنظر إلى المستقبل، يتجه الهيدروجين ليصبح عموداً فقرياً لاقتصاد منخفض الكربون، متكاملاً مع الكهرباء المتجددة والبطاريات والوقود الحيوي. لا يزال أبسط عنصر في الكون يخبئ لنا مفاجآت كثيرة، من فلز هيدروجين فائق الناقلية ربما في أعماق كواكب المشتري وزحل، إلى كيمياء نظائرية دقيقة تكشف لنا أسرار تشكل المجرات والحياة ذاتها. مع كل طن من الهيدروجين ننتجه اليوم ونستخدمه بذكاء، نقترب خطوة من عالم تكون فيه السماء الزرقاء والمياه النظيفة هما المنتجان الثانويان الوحيدان.
أ. حسين علي حياوي المؤذن
#حسين_علي_حياوي_المؤذن (هاشتاغ)
Hussein_Ali_Hayawi_Al-mu’adhin#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
السيد السيستاني آخر العظماء
-
بين ركام التردد وإرادة الشباب : قصة قانون حماية المسعف التطو
...
-
الضربة الإيرانية لمركز الاستمطار السري في الإمارات – الحرب ا
...
-
هرمز : الممر الذي كاد أن يشعل العالم
-
أدبيات حزب الله اللبناني القتالية وفق التطورات الدولية
-
بين ملمحة خرمشهر الموسيقية وخرمشهر الصاروخية : سقطت أسطورة إ
...
-
العقل والتاريخ في مواجهة الأسطرة اللاهوتية
-
معجزة المسيح السياسية
-
أنطولوجيا النجاة
-
الوعي في الفكر الإسلامي ما بين المعرفة و تحولات العولمة
-
الفلسفة الأخلاقية | من النص إلى الوعي
-
الأَغتيال الذي تم داخل الجسد .
-
دراسة نقدية حول بحث - العولمة الاجتماعية و المجتمع المدني -
...
-
دراسة نقدية في - كتاب الشيخ عبد الحسين القرملي - حياته و شعر
...
-
الإطارات المعدنية العضوية: الجيل الجديد من المواد الذكية في
...
-
حياة علم الكيمياء | الصادق مؤسسها الأَول
المزيد.....
-
وسط مفاوضات إيران.. ويتكوف وكوشنر يلتقيان خبراء في منشأة نوو
...
-
البنك الدولي يقر تمويلا بـ900 مليون دولار لتحديث طرق العراق
...
-
أنتوني هيد يلحق بشريكة عمره.. رحيل -الحارس الهادئ- للدراما ا
...
-
من جحيم الحرب إلى مخيمات بالدمازين.. نازحون سودانيون يروون ر
...
-
إسلام علوش يوجه رسالة من سجنه بفرنسا للرئيس السوري.. فما قصت
...
-
-ما وراء الخبر- يناقش موقف أوروبا من دعوة زيلينسكي لمفاوضات
...
-
ما الذي أخفته الصين في تيك توك وتهدد به أمريكا؟
-
حرب إيران مباشر.. ترمب يتحدث عن تقدم المفاوضات مع طهران وغار
...
-
واشنطن تطارد النفط الإيراني.. واعتراض ناقلة في المحيط الهندي
...
-
لبنان يصعد لهجته ضد إيران.. والهدنة تتهاوى تحت النار
المزيد.....
-
فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا
/ رضا لاغة
-
العملية التربوية
/ ترجمة محمود الفرعوني
-
تكنولوجيا التدريس
/ ترجمة محمود الفرعوني
-
تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول]
...
/ ترجمة / أمل فؤاد عبيد
-
تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني]
...
/ ترجمة / أمل فؤاد عبيد
-
أساليب التعليم والتربية الحديثة
/ حسن صالح الشنكالي
-
اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با
...
/ علي أسعد وطفة
-
خطوات البحث العلمى
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا
...
/ سوسن شاكر مجيد
-
بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل
/ مالك ابوعليا
المزيد.....
|