حسين علي حياوي المؤذن
كاتب روائي باحث سياسي
(Hussein Ali Hayawi Al-mu’adhin)
الحوار المتمدن-العدد: 8655 - 2026 / 3 / 23 - 16:37
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في صيف عام 2026 م ، لم تعد خرمشهر مجرد مدينة إيرانية تحمل ذكرى ملحمة دامت 34 يومًا في الحرب العراقية-الإيرانية، بل تحولت إلى رمز متجدد في الصراع مع إسرائيل. فبينما كانت الأجيال السابقة تردد أغنية "خرمشهر تحررت" ابتهاجًا بفك الحصار عام 1982م، ها هي الأجيال الحالية تشهد "خرمشهر الصاروخية" التي تعيد كتابة قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط. فبعد ستة عقود من بناء إسرائيل لأسطورة تفوقها التقني والعسكري، جاء صاروخ خرمشهر-4 ليعلن سقوط هذه الأسطورة على وقع انفجاراته في سماء تل أبيب.
و من النشيد الوطني إلى صاروخ الردع - قراءة تفصيلية - كان تحرير خرمشهر في مايو 1982م نقطة تحول في الحرب العراقية-الإيرانية، حيث جسد القدرة على استعادة الأرض رغم التفوق العددي للجيش العراقي . لم تكن المدينة مجرد موقع استراتيجي، بل أصبحت أيقونة في الوعي الجمعي الإيراني، تغنى بها الشعراء وتغنّى بها الفنانون . لكن التحول الأهم حدث عندما انتقلت خرمشهر من دائرة الذاكرة الدفاعية إلى قلب البرنامج الصاروخي الهجومي.
ففي مايو 2023م، كشفت إيران عن الجيل الرابع من صاروخ خرمشهر، المعروف أيضًا باسم "خيبر"، في خطاب حمل رسالة مزدوجة: داخلية مفادها استمرارية الصمود، وخارجية تقول إن إيران لم تعد بحاجة للدفاع عن أراضيها بقدر ما أصبحت قادرة على ضرب قلب العدو . لم يكن الكشف مجرد حدث عسكري، بل كان لحظة تحول في العقيدة القتالية الإيرانية من الدفاع إلى الردع الهجومي.
- خرمشهر-4 : الهندسة التي أحرقت أسطورة المنظومات الدفاعية
عندما أطلقت إيران صواريخ خرمشهر-4 في إطار عملية "الوعد الصادق 4" خلال الفترة من يونيو 2025 حتى مارس 2026، لم تكن مجرد وابل صاروخي عابر، بل كانت اختبارًا عمليًا لحقيقة الردع التقني الإسرائيلي . إن المواصفات التقنية للصاروخ تكشف عن قفزة نوعية:
1· مدى يصل إلى 2000 كيلومتر، وهو ما يعني القدرة على ضرب أي هدف في إسرائيل من عمق الأراضي الإيرانية .
2· سرعة تفوق ماخ 16 خارج الغلاف الجوي وماخ 8 داخله، وهو ما يقلص زمن الرد إلى حدود 10-12 دقيقة فقط .
3· رأس حربي يصل وزنه إلى 1800 كيلوجرام، يمكن تجهيزه إما بمتفجرات تقليدية أو بـ80 عبوة عنقودية تنتشر على مساحة 8 كيلومترات .
4· رأس حربي مناورة (MaRV) يغير مساره خلال مرحلة العودة إلى الغلاف الجوي، مما يعقد حسابات الاعتراض .
هذه المواصفات ليست مجرد أرقام، بل تشكل تحديًا وجوديًا لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية المتعددة الطبقات ( القبة الحديدية، مقلاع داود، وسهم 2 وسهم 3) . فالصاروخ الذي يجمع بين السرعة الفائقة والقدرة على المناورة والرأس العنقودي، يجعل عملية الاعتراض أقرب إلى المستحيل التقني.
- "الوعد الصادق 4": عندما اخترقت الصواريخ سبع طبقات دفاعية
منذ اللحظة الأولى لإطلاق صواريخ خرمشهر-4، كان المشهد مختلفًا جذريًا عن المواجهات السابقة. ففي الموجة 58 من عملية "الوعد الصادق 4" في مارس 2026م ، أطلقت إيران وابلاً من الصواريخ العنقودية التي اجتاحت سماء تل أبيب وبن غوريون ومناطق وسط إسرائيل . تقارير إسرائيلية اعترفت بأن الصواريخ تمكنت من اختراق سبع طبقات دفاعية، لتضرب محطة قطارات سافيدور ومحيط مطار بن غوريون ومدن ريشون لتسيون ورمات غان .
الأهم من الدمار المادي هو الرسالة السياسية: فإسرائيل التي بنت عقيدتها العسكرية على التفوق الجوي والدفاع الصاروخي المتطور، وجدت نفسها عاجزة عن منع الصواريخ من الوصول إلى قلب أراضيها . وهذا ما عبّر عنه وصف إعلامي إسرائيلي لصاروخ خرمشهر-4 بأنه "كابوس الصهاينة" .
- مقتل علي لاريجاني وفشل الاغتيالات الاستباقية
في 17 مارس 2026م ، نفذت إسرائيل ضربة جوية في طهران استهدفت علي لاريجاني، القيادي البارز، إلى جانب قائد من الحرس الثوري . كانت الرسالة الإسرائيلية واضحة: استمرار سياسية الاغتيالات التي اعتادت عليها طوال عقود. لكن الرد جاء سريعًا وقاسيًا: وابل من صواريخ خرمشهر-4 العنقودية التي حولت وسط إسرائيل إلى منطقة منكوبة .
هذا المشهد كشف عن فشل الاستراتيجية الإسرائيلية في تحقيق الردع عبر الاغتيالات. فكلما زادت إسرائيل من عملياتها الاستباقية، زادت إيران من سقف ردها الصاروخي، مما أدى إلى معادلة جديدة: لم تعد تل أبيب آمنة خلف دفاعاتها، وأصبحت مستهدفة بشكل مباشر .
- انهيار أسطورة "جيش لا يقهر" أمام صواريخ المقاومة
طوال سبعة عقود، صُدّرت إسرائيل لنفسها وللعالم صورة الجيش لا يقهر، القادر على حماية كل مواطن إسرائيلي خلف جدار من التكنولوجيا الدفاعية. لكن صواريخ خرمشهر-4 أسقطت هذه الصورة في الميدان قبل أن تسقطها في الوعي .
ففي تقييم صادر عن مركز "مئير عاميت" الإسرائيلي للاستخبارات، تم وصف استخدام صواريخ خرمشهر-4 العنقودية بأنه "إرهاب دولة" . لكن هذا الوصف يعكس الإرباك الإسرائيلي أكثر مما يعكس حقيقة قانونية: فالصواريخ التي تستخدمها إيران هي ضمن ترسانتها الدفاعية، بينما إسرائيل تمتلك ترسانة نووية غير معترف بها. هنا يكشف الخطاب عن أزمة ثقة: عندما تواجه إسرائيل سلاحًا يفوق قدراتها الدفاعية، تهرع إلى اتهام الخصم بـ"الإرهاب" بينما تمارس هي ذات السلوك بإسم "الدفاع عن النفس".
- التداعيات الاستراتيجية: إعادة رسم خريطة الردع في الشرق الأوسط
بعيدًا عن المعركة العسكرية المباشرة، فإن استخدام صاروخ خرمشهر-4 في العمليات القتالية قد غيّر المعادلات الاستراتيجية في المنطقة:
1· انهيار الردع الإسرائيلي: فشلت إسرائيل في ردع إيران من ضرب تل أبيب، مما شجع أطرافًا أخرى في محور المقاومة على رفع سقف مواجهتها .
2· نفاذ الذخيرة الدفاعية: استنزاف صواريخ القبة الحديدية ومقلاع داود خلال موجات متتالية من الصواريخ الرخيصة نسبيًا مقارنة بتكلفة الصواريخ الاعتراضية .
3· تغيير موازين الردع الإقليمي: الدول الخليجية والعربية رأت بأم عينيها عجز الدفاعات الغربية عن حماية إسرائيل، مما قد يدفعها لإعادة حساباتها مع طهران .
- ملامح المستقبل: خرمششر في سماء لندن وباريس؟
قبل أيام، كشفت تقارير عن محاولة إيرانية استهداف قاعدة دييغو غارسيا البريطانية-الأمريكية في المحيط الهندي، على بعد 3800 كيلومتر من السواحل الإيرانية . التحليل الفني يشير إلى أن الصواريخ المستخدمة كانت من طراز خرمشهر-4، وهو ما يعني أن مدى الصاروخ الفعلي يتجاوز الـ2000 كيلومتر المعلن. وإذا صح ذلك، فإن العواصم الأوروبية مثل لندن وباريس وبرلين أصبحت في مرمى الصواريخ الإيرانية .
هذا التطور يفتح الباب أمام سيناريوهات جديدة: فإذا كانت إسرائيل قد فقدت حصانتها الجغرافية أمام الصواريخ الإيرانية، فإن أوروبا أيضًا لم تعد بعيدة عن دائرة الاستهداف. وهذا يضع الولايات المتحدة وحلفاءها أمام معادلة صعبة: المواجهة مع إيران ستكون مكلفة جدًا، والانسحاب من المنطقة سيفقدهم مصداقية الردع.
- السقوط الكبير: التفوق النوعي الإسرائيلي إلى أين؟
لطالما رهنت إسرائيل أمنها على ثلاث ركائز: التفوق الجوي، الدفاع الصاروخي، والردع النووي. لكن صواريخ خرمشهر-4 أثبتت أن الركيزتين الأوليين لم تعدا كافيتين لحماية العمق الإسرائيلي .
التفوق الجوي تحييده بصواريخ أرض-أرض لا تحتاج لطائرات، والدفاع الصاروخي اخترقته سرعة الصاروخ ورأسه المناور والعنقودي. بقي الركن الثالث والأخطر: الردع النووي. لكن إيران باتت على أعتاب امتلاك السلاح النووي، وفق تقارير غربية متعددة . وهنا يكمن الخطر الوجودي على إسرائيل: عندما تمتلك إيران القنبلة، ومعها صاروخ خرمشهر-4 الذي يستطيع حملها، فإن معادلة الردع ستنقلب رأسًا على عقب.
- ختامًا : خرمشهر تنتصر من جديد
في مايو 1982م ، دخلت قوات تحرير خرمشهر المدينة محطمة حصارًا دام 34 يومًا. في مارس 2026م، دخلت صواريخ خرمشهر-4 سماء تل أبيب محطمة حصارًا دام 76 عامًا من التفوق الإسرائيلي المزعوم. لم يعد الأمر يتعلق بمدينة أو صاروخ، بل بتحول استراتيجي عميق ، إيران أثبتت أنها قادرة على ضرب العدو حيث لا تتوقع، بسلاح لا تستطيع دفاعاته إيقافه.
لقد سقطت أسطورة إسرائيل التقنية كما تسقط الأباطيل، ليس على أيدي جيوش نظامية، بل على وقع صواريخ تحمل اسم مدينة كانت يومًا رمزًا للصمود والتحرر. خرمشهر الصاروخية هي امتداد طبيعي لخرمشهر الموسيقية، فكلتاهما تحملان نفس الرسالة ، أن الإرادة الوطنية عندما تتسلح بالعلم والتكنولوجيا، تستطيع كسر أعتى الحصون.
أ. حسين علي حياوي المؤذن
#حسين_علي_حياوي_المؤذن (هاشتاغ)
Hussein_Ali_Hayawi_Al-mu’adhin#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟