أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - حسين علي حياوي المؤذن - السيد السيستاني آخر العظماء















المزيد.....



السيد السيستاني آخر العظماء


حسين علي حياوي المؤذن
كاتب روائي باحث سياسي

(Hussein Ali Hayawi Al-mu’adhin)


الحوار المتمدن-العدد: 8709 - 2026 / 5 / 18 - 16:34
المحور: سيرة ذاتية
    


السيد علي السيستاني - آخر العظماء



في زخم التحولات التي عصفت بالشرق العربي خلال العقدين الماضيين، برزت شخصية فريدة، قلما يجود الزمان بمثلها رجل يجلس في غرفة متواضعة في النجف الأشرف، لا يغادرها إلا نادرًا ، لا يظهر على شاشات التلفزيون، لا يلقي الخطب الحماسية، ولا يسعى إلى السلطة أو الجاه، ومع ذلك فهو أحد أكثر الشخصيات نفوذًا في الشرق الأوسط اليوم. إنه آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني - مد ظله - ، المرجع الديني الأعلى لشيعة العالم، الذي أصبح على مدى عقدين من الزمن ظاهرة فريدة في تاريخ المرجعية الدينية، بل في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي المعاصر بأسره.
لم يكن صعود السيد السيستاني إلى هذه المكانة المحورية مجرد حادثة عابرة في تاريخ العراق، بل كان تتويجًا لمسيرة علمية وروحية وسياسية فريدة، أعادت تعريف دور المرجعية الدينية في العصر الحديث. ففي وقت كانت فيه المرجعيات الدينية في العالم الإسلامي تواجه تحديات غير مسبوقة، من علمنة المجتمعات إلى تسييس الدين وتطرفه، استطاع هذا الرجل الهـادئ أن يرسي نموذجًا جديدًا للسلطة الدينية - مرجعية مستقلة، وطنية، إصلاحية- ، تتدخل بحكمة في الشأن العام دون أن تغرق في تفاصيل السياسة اليومية، وتحمي البلاد من الفوضى والانقسام دون أن تطمح إلى الحكم المباشر. إنه نموذج أطلق عليه بعض الباحثين في معهد الشرق الأوسط المرموق عنوان - آخر العظماء - ، في إشارة إلى فريدية هذه التجربة وإلى التحديات الكبيرة التي تنتظر الحوزة العلمية بعد رحيل هذه الشخصية الاستثنائية.
وهذا المقال هو محاولة لاستكشاف هذه الظاهرة من جذورها التاريخية حيث كيف تشكلت المرجعية الدينية في النجف؟ كيف نشأ السيد السيستاني وترعرع في أحضان هذه المؤسسة العريقة؟ وكيف تمكن من قيادة العراق في أخطر مراحل تاريخه الحديث، من الاحتلال والفتنة الطائفية إلى حرب الإبادة التي شنها تنظيم داعش؟ أخيرًا ، لماذا يُنظر إليه اليوم باعتباره آخر العظماء ؟.

أولًا | جذور المرجعية و ريادة النجف

1. النجف ، مهبط العلم ومهوى الأفئدة

لفهم عظمة السيد السيستاني، لا بد من استيعاب عظمة المؤسسة التي يمثلها. فالمرجعية الدينية في النجف الأشرف ليست مجرد منصب ديني عابر، بل هي ظاهرة تاريخية فريدة تمتد جذورها إلى أكثر من ألف عام. منذ أن استقر فيها مرقد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، أصبحت النجف قبلة للعلماء وطلاب العلم من كل حدب وصوب، وتحولت إلى حاضرة فقهية وأكاديمية تضاهي أعرق الجامعات في العالم. فما هي المرجعية الدينية؟ هي نظام ديني حوزوي يقوم على التقليد، أي اتباع غير المتخصص في العلوم الدينية للفقيه المجتهد الذي بلغ مرتبة الاجتهاد المطلق. وقد تبلور هذا النظام بشكل متكامل في العصر الصفوي وما بعده، وأصبحت النجف، إلى جانب قم، مركزيهِ الأساسيين. ولكن ما يميز النجف تاريخيًا عن غيرها من الحوزات العلمية هو بعدها السياسي والوطني، فهي لم تكن حوزةً دينيةً منغلقة على ذاتها، بل كانت وما زالت جزءًا فاعلًا في تشكيل الوعي الجمعي للمجتمع العراقي بأسره، في السراء والضراء .

2. المراحل التاريخية للمرجعية في العراق

على امتداد القرن العشرين، لعبت المرجعية الدينية في النجف أدوارًا مصيرية في تاريخ العراق، بدءًا من مواجهة الاحتلال البريطاني وثورة العشرين عام 1920م ، مرورًا بمواقفها تجاه قضايا كبرى مثل فلسطين وتأميم النفط وحرب السويس، وصولًا إلى انتفاضة 1991م التي سحقت بقسوة من قبل النظام السابق. في كل هذه المحطات، كانت النجف تشكل منارة للمقاومة الوطنية والدينية، وملجأ للمضطهدين.
شهدت النجف على مدى التاريخ سلسلة من المرجعيات العظام من الشيخ الأنصاري والميرزا الشيرازي إلى السيد أبو الحسن الأصفهاني والسيد محسن الحكيم، ثم السيد أبو القاسم الخوئي. كل هؤلاء قدموا نموذجًا للفقيه العالم الوطني الذي لا يحيد عن خدمة أمته. وهذا التقليد العريق هو الذي استلم رايته من بعدهم السيد علي السيستاني، الذي يمثل استمرارًا لهذا الدور التاريخي، لا باعتباره زعيمًا دينيًا فقط، بل حاملًا لرسالة المسؤولية الاجتماعية والإنسانية في زمن الأزمات.

3. دور المرجعية في الحفاظ على النسيج الوطني

حافظت مرجعية النجف عبر تاريخها على مشروع وطني شامل يتجاوز الانتماء المذهبي الضيق. فعلى عكس ما يروج له بعض الأطراف، كانت المرجعية في النجف دائمًا صوت الاعتدال والوحدة الوطنية. وقد أكدت أبحاث العديد من المؤسسات الفكرية الدولية على أن المرجعية الشيعية بزعامة السيد السيستاني تمتلك قوة روحية كبيرة يمكن أن تتحول إلى عامل استقرار أو تصعيد، واختار السيستاني بحكمته أن تكون هذه القوة عامل استقرار ووحدة.
لقد أصبحت المرجعية العليا في النجف ركيزة أساسية في تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي للعراق، خصوصًا بعد سقوط النظام السابق. فهي ليست مؤسسة دينية تقليدية منغلقة، بل تحولت بقيادة السيد السيستاني من فضاء تقليدي يتسم بالصمت السياسي إلى فاعل رئيسي في هندسة التحول الديمقراطي، وبناء المؤسسات، وتهدئة الصراعات.

ثانيًا | النشأة والتكوين ، من مشهد إلى النجف

1. الولادة والنسب

في التاسع من شهر ربيع الأول عام 1349 هجرية، الموافق 4 أغسطس عام 1930 ميلادية، وفي مدينة مشهد المقدسة شرق إيران ، ولد الطفل الذي سيصبح فيما بعد المرجع الديني الأعلى للشيعة في العالم، أسماه والده «علياً» تيمنًا باسم الإمام علي بن أبي طالب " عليه السلام" . اسمه الكامل هو علي بن محمد باقر بن علي الحسيني السيستاني، ولقبه السيستاني نسبة إلى محافظة سيستان في إيران الشرقية، حيث استقر أجداده فيها لأجيال.

ينتمي السيد السيستاني إلى أسرة علمية عريقة تعود في أصولها العربية، فهي أسرة علوية حسينية، مما يضفي على نسبه بعدًا مميزًا كانت هذه الأسرة تقطن مدينة أصفهان في القرن الحادي عشر الهجري، ومن أبرز أعلامها آنذاك الفيلسوف الشهير محمد باقر الداماد صاحب كتاب - القبسات - . ومن أحفاده العلم الكبير -السيد محمد- الذي عُين في منصب (شيخ الإسلام) في بلاد سيستان في زمن السلطان حسين الصفوي، فانتقل إليها وسكنها هو وذريته من بعده.
وجده الأدنى هو العالم الجليل - السيد علي - الذي ترجم له العلامة الشيخ آغا بزرك في - طبقات أعلام الشيعة- قائلًا: إنه كان في النجف الأشرف من تلامذة الحجة المؤسس المولى علي النهاوندي، وفي سامراء من تلامذة المجدد الشيرازي، ثم اختص بالحجة السيد إسماعيل الصدر، قبل أن يعود إلى مشهد الرضا ويستقر فيه، حائزًا مكانة سامية مع ما كان له من حظ وافر من العلم مقرونًا بالتقى والصلاح.

2. النشأة العلمية المبكرة

نشأ السيد السيستاني في مسقط رأسه المشهد الرضوي نشأة علمية عالية، فقد بدأ وهو في الخامسة من عمره بتعلم القرآن الكريم، ثم دخل مدرسة دار العلم لدراسة المقدمات والعلوم العربية والأدبية، وأظهر نبوغًا مبكرًا جعله محط أنظار أساتذته وأقرانه. لم يكن طفلًا عاديًا ، بل كان سليل أسرة علمية تتنفس العلم والفقه والاجتهاد، مما أكسبه منذ نعومة أظفاره الرغبة في طلب العلم والمعرفة.

3. الهجرة إلى قم والنجف

في عام 1949م، وبعد أن أتم دراسته الأولية في مشهد، انتقل السيد السيستاني إلى مدينة قم المقدسة، التي كانت آنذاك تشهد نهضة علمية كبرى بزعامة المرجع الكبير السيد حسين البروجردي. في قم، حضر بحوث كبار العلماء والأساتذة، وانغمس في دراسة الفقه والأصول والفلسفة والمنطق، وبدأت شخصيته العلمية تنضج.
لكن طموحه العلمي لم يتوقف عند حدود قم، فهاجر بعد ذلك بعامين، أي في عام 1951َ، إلى النجف الأشرف، الحاضرة العلمية العظمى، حيث كان يدرّس على منابرها كبار فقهاء عصره. في النجف، حضر بحوث المرجع الكبير آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره) والفقيه الكبير آية الله العظمى السيد حسين الحلي. لقد كان السيد الخوئي يشكل آنذاك ظاهرة استثنائية في تاريخ الحوزة، فقد أمّ منبره العلمي لأكثر من نصف قرن، وتخرج على يديه مئات العلماء والفضلاء الذين اخذوا على عاتقهم مواصلة مسيرته الفكرية. وبسرعة لافتة، استطاع السيد السيستاني أن يبرز بين تلامذة الخوئي نبوغًا وعلمًا وفضلًا وأهليةً ، فأصبح من أبرزهم وأكثرهم تفوقًا . وقد حصل على إجازة بالاجتهاد من كبار أساتذته، مما أهلّه ليكون أحدًا من أعلام الحوزة العلمية في النجف.

4. الإقامة الجبرية وزعامة الحوزة

عاش السيد السيستاني في النجف عقودًا تحت حكم النظام البعثي الذي كان يسعى بكل وسيلة للقضاء على الحوزة العلمية في النجف الأشرف والحد من نفوذها. ومع تصاعد التوتر بين النظام العراقي وإيران في ثمانينيات القرن العشرين، اشتدت حملات التضييق على الحوزة ورجال الدين من أصل إيراني. يقول المقربون من السيد السيستاني إنه رفض الانخراط في أي عمل سياسي في عهد الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، مما أثار حفيظة الأخير. وقد أنهكته حرب إيران، ففرض الإقامة الجبرية على السيد السيستاني بمنزله الواقع في النجف.
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتعرض فيها رجال الدين في النجف للإقامة الجبرية أو الاضطهاد، لكن السيد السيستاني صبر وتحمل، وفي صمته كانت الحكمة. كان يدرك أن الوقت لم يحن بعد لمواجهة الطاغية.
في السنوات الأخيرة من حياة السيد الخوئي، كان البحث عمن سيخلفه هاجسًا لدى رموز شيعية في النجف وغيرها. في إشارة دالة على ثقته الكبيرة بمن قدراته، اختار السيد الخوئي السيستاني للصلاة في محرابه في جامع الخضراء، فبدأ ينتشر صيته في أوساط العامة بعد أن كان محصورًا في الأوساط العلمية والحوزوية.وبعد وفاة السيد الخوئي عام 1992م، تصدى آية الله السيستاني لشؤون المرجعية وزعامة الحوزة العلمية، بإرسال الإجازات وتوزيع الحقوق الشرعية والتدريس على منبر الإمام الخوئي في مسجد الخضراء. وهكذا بدأت مرحلة جديدة، ليس فقط في حياة السيد السيستاني، بل في تاريخ العراق والمرجعية الدينية.

ثالثًا | التحول الكبير، المرجعية والعراق ما بعد 2003م

1. لحظة الصفر - سقوط النظام وبداية التحدي

في التاسع من أبريل عام 2003م، سقط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس ببغداد، إيذانًا بنهاية حقبة دامت ثلاثة عقود ونيف من الديكتاتورية الدموية. لكن العراق الذي أعقب هذا السقوط لم يكن أرضًا يبابًا صالحة للزرع من جديد، بل كان أرضًا محروقة، مزقتها الحروب والعقوبات، ومزقها الاستبداد والعنف الطائفي المكبوت. لقد كان العراق في لحظة تاريخية فريدة، لكنها كانت أيضًا من أخطر اللحظات التي مرت بها البلاد.
في هذا الفراغ الهائل الذي أعقب انهيار النظام، برز السيد السيستاني كصوت للحكمة والعقل والاعتدال. في حين اندفع بعض الفاعلين السياسيين والعسكريين نحو خيارات متطرفة، من الثأر والانتقام إلى تسييس الدين وتوظيفه لخدمة أجندات ضيقة، رسم السيد السيستاني مسارًا مختلفًا تمامًا .
لم يخرج السيد السيستاني ليعلن الثأر لمقتل أبنائه الشيعة على يد النظام السابق، رغم مرارة الماضي وألمه. بل اختار الدعوة إلى ضبط النفس والحفاظ على الأمن والنظام. لقد ركز في المرحلة الحرجة ما بعد سقوط النظام عام 2003م على هدفين استراتيجيين هماالحفاظ على أرواح العراقيين ومنع الفوضى والانتقام .

2. الفتوى الأولى ، أصل الدستور والانتخابات

في يونيو 2003م، وبعد أقل من ثلاثة أشهر على سقوط النظام، أصدر السيد السيستاني فتواه التاريخية الأولى، التي ستغير مسار العراق بشكل جذري ، فقد أوجب على العراقيين المشاركة في كتابة الدستور وإقامة انتخابات عامة. كانت هذه الفتوى بمثابة انقلاب على مخططات الاحتلال التي كانت تسعى إلى فرض دستور ودولة بعيدة كل البعد عن التمثيل الشعبي الحقيقي.

لم تكن الدعوة إلى الانتخابات مجرد خيار تفضيلي لدى السيد السيستاني، بل كانت قناعة راسخة لديه ، إن أي مستقبل للعراق لا يمكن أن يُبنى على ديكتاتورية جديدة أو على نموذج يُستورد من الخارج، بل يجب أن ينبثق من إرادة الشعب نفسه. لقد آمن السيد السيستاني بأن الدستور العراقي يجب أن يكتب من قبل ممثلي الشعب العراقي الذين يتم اختيارهم عن طريق الانتخابات العامة، وأن أي دستور يكتب خارج هذا الإطار لن يكون شرعيًا ولن يحظى بثقة الشعب و هنا يجب التأكيد ان السيد علي السيستاني لم يدعم اي قائمة انتخابية أو شخص و إنما دعى إلى الانتخابات العامة فقط .
وقد وصف المحللون هذه الفتوى بأنها أول فتوى سياسية كبرى للسيد السيستاني، وأسماها البعض - أصل الانتخابات الدستور - في العراق الجديد. لقد وضعت هذه الفتوى العراق على سكة التحول الديمقراطي، وأجبرت سلطات الاحتلال والأطراف السياسية المختلفة على التسليم بأن مستقبل العراق لا يمكن أن يقرره سوى العراقيين أنفسهم.
لكن السيد السيستاني كان واقعيًا فهو لم يكن غافلًا عن ثغرات العملية الانتخابية ومنعطفاتها الخطرة. ومع ذلك، آمن بأن أفضل المر عبر الانتخابات، رغم ما فيها من هنات كثيرة.

3. مشروع الوفاق الوطني

لم يقف دور السيد السيستاني عند حدود الدعوة إلى الانتخابات، بل امتد إلى بذل جهود مضنية من أجل تحقيق الوفاق الوطني. ففي ديسمبر 2004م أعد مكتب السيستاني مبادرة لمحاورة كيانات سياسية وشخصيات من الجانب السني من أجل وفاق وطني موحد حول الانتخابات العراقية.
وكان السيد السيستاني يدرك عمق الأزمة ، حكومة لا تمثل كل العراقيين لن تكون لها أي شرعية، ولن تستطيع المطالبة بخروج قوات الاحتلال. لهذا شدد دائمًا على أن أي حكومة مقبلة لا تمثل كل العراقيين لن يكون باستطاعتها الطلب من الأميركيين الخروج من العراق إلا إذا انبثقت عن صوت عراقي موحد في صيغة وفاق وطني يجمع الشعب كله بمختلف أطرافه.
في هذا السياق، قام نجل السيد السيستاني ومدير مكتبه، السيد محمد رضا السيستاني، بتأكيد أن لجنة المتابعة والتنسيق التي شكلتها المرجعية نجحت بنسبة 85% في مهمة تقريب وجهات النظر لخلق حال الوفاق المطلوب.
وكان السيد السيستاني واضحًا ، فتواه حول وجوب المشاركة في الانتخابات لم تذكر الشيعة فقط، بل شملت كل عراقي مؤهل للمشاركة في الانتخابات. بذلك كان يوجه رسالة واضحة - المرجعية تعمل من أجل كل العراقيين، وليس من أجل فئة أو طائفة بعينها -.

4. الدستور والمؤسسات

اهتمت المرجعية الدينية بقيادة السيد السيستاني بضرورة تأسيس نظام سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي في الدولة، بعيدًا عن حاكمية الفرد المطلقة، تلك الحاكمية التي كفلت للعراق عقودًا من المعاناة والظلم. فالعبرة لم تكن يومًا بالأشخاص، بل بالمؤسسات والقوانين.
وبناءً على فتوى السيد السيستاني الأساسية حول وجوب كتابة الدستور عن طريق ممثلي الشعب، تم إجراء أول انتخابات في يناير 2005م ، وتم اختيار جمعية وطنية لكتابة الدستور. لقد كانت لحظة فارقة، فبعد عقود من غياب أي تمثيل حقيقي للشعب العراقي، بدأت دولة المؤسسات تظهر إلى النور.
لكن السيد السيستاني لم يكن حريصًا فقط على بناء مؤسسات سياسية، بل كان حريصًا أيضًا على حماية استقلالية هذه المؤسسات. ففي انتخابات ديسمبر 2005م، قرر السيد السيستاني ألا يقدم الدعم لأي تحالف سياسي بعينه، حتى التحالف الشيعي الذي حظي بدعمه للانتخابات في انتخابات يناير السابقة ، وذلك بسبب استيائه من أداء الحكومة الانتقالية.
وعندما دفع بعض الأطراف دعمًا كبيرًا لقائمة - الائتلاف العراقي الموحد - التي كانت القوة الأساسية فيها للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وحلفائه، لم يعلن السيد السيستاني دعمه لها. كان يريد أن يرسخ مبدأ الاستقلالية الكاملة للمرجعية عن أية قوى سياسية، وأن يمنع تسييس المؤسسة الدينية، لأنه كان يدرك أن أي انحياز مرجعي لطرف سياسي معين سيقوض مصداقية المرجعية ويجرها إلى الصراعات السياسية اليومية التي لا تليق بمقامها.

رابعًا | حين تحدث الفتنة ، دور المرجعية في إنقاذ العراق من الحرب الأهلية

1. تفجير سامراء ، لحظة الاختبار

في 22 فبراير (شباط) 2006م ، وقعت فاجعة تفجير قبة مسجد العسكريين " عليهم السلام" في سامراء، وهو من أقدس المزارات الشيعية، حيث يضم مرقد الإمامين العاشر والحادي عشر (عليهما السلام). كان هذا التفجير بمثابة قنبلة موقوتة انفجرت في وجه المشروع الوطني العراقي بأسره.
لقد تفاقمت الانشقاقات الطائفية داخل المجتمع العراقي بشكل كبير بعد هذا التفجير، وأصبحت البلاد على شفا حرب أهلية طائفية شاملة لا تبقي ولا تذر. شوارع بغداد تحولت إلى ساحات حرب، والميليشيات الطائفية من الجانبين نهبت دماء الأبرياء، ومئات العائلات أُجبرت على النزوح من منازلها. لقد كان العراق أمام واحدة من أصعب اختبارات التاريخ.

2. نبذ الفتنة ، بيان المرجعية العليا

في هذه اللحظة الحرجة، خرج مكتب المرجعية العليا ببيان تاريخي في 2 فبراير 2007م حامل عنوان - حول الوحدة الإسلامية ونبذ الفتنة الطائفية - ، كان بمثابة طوق نجاة للعراق.
بدأ البيان بقوله تعالى: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا»، ثم أكد أن الأمة الإسلامية تمر بظروف عصيبة وتواجه أزمات كبرى وتحديات هائلة تمس حاضرها وتهدد مستقبلها، وأكد على مدى الحاجة إلى رص الصفوف ونبذ الفرقة والابتعاد عن النعرات الطائفية والتجنب عن إثارة الخلافات المذهبية.
رسالة السيد السيستاني كانت واضحة وحاسمة، الخلافات المذهبية مضى عليها قرون طويلة ولا سبيل إلى حلها بما يكون مرضيًا ومقبولًا لدى الجميع، فلا ينبغي إذاً إثارة الجدل حولها خارج إطار البحث العلمي الرصين. وركز السيد السيستاني على المشتركات الإسلامية الأساسية التي تجمع المسلمين جميعا، الإيمان بالله الواحد الأحد، وبرسالة النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، وبالميعاد ، وبالقرآن الكريم الذي صانه الله تعالى من التحريف، وبالسنة النبوية الشريفة مصدرًا للأحكام الشرعية، وبمودة أهل البيت عليهم السلام.
لقد دعا السيد السيستاني كل حريص على رفعة الإسلام ورقي المسلمين إلى بذل ما في وسعه في سبيل التقريب بينهم والتقليل من حجم التوترات الناجمة عن بعض التجاذبات السياسية، كي لا تؤدي إلى مزيد من التفرق والتبعثر، وتفسح المجال لتحقيق مآرب الأعداء الطامعين في الهيمنة على البلاد الإسلامية والاستيلاء على ثرواتها.
بل إن البيان ذهب إلى حد كشف المخططات التي كانت تعمل لتكريس الفرقة والانقسام، وأشار إلى أن بعض الأشخاص والجهات يسعون لتكريس الفرقة والانقسام وتعميق هوة الخلافات الطائفية بين المسلمين، وقد زادوا من جهودهم بعد تصاعد الصراعات السياسية في المنطقة. بل وأشار إلى أن بعض وسائل الإعلام كانت تنشر فتاوى غريبة تسيء إلى بعض الفرق والمذاهب الإسلامية وتنسبها إلى سماحة السيد في محاولة واضحة للإساءة إلى موقع المرجعية الدينية وبغرض زيادة الاحتقان الطائفي.

3. الرفض المطلق للانجرار إلى الصراع

لم تكن مواقف السيد السيستاني مجرد تصريحات عابرة، بل كانت سياسة متكاملة ومستدامة. فقد رفض السيد السيستاني رفضًا قاطعًا الرد بالمثل على خطاب الكراهية الطائفية، ورفض استخدام المرجعية الدينية كأداة لمضاعفة العنف أو توسيع رقعة الصراع. ركزت المرجعية على مشروع وطني شامل، رافضة الانجرار إلى الصراعات الطائفية، كما في عامي 2006-2007م. إذ رفض السيد السيستاني الرد بالمثل على خطاب الكراهية الطائفية الذي كان يروج له بعض الأطراف المتطرفة. وفي رسالة منفصلة للشعب العراقي حول الفتنة الطائفية، أكد السيد السيستاني على ضرورة التمسك بالوحدة ونبذ الفرقة.وقد ناشد السيد السيستاني "المخلصين الحريصين على وحدة البلد" والقادة السياسيين، داعياً الأطراف السياسية والدينية لوقف العنف الذي كان يعصف بالبلاد. لقد كان صوته الصامت العالي في وجه عاصفة الطائفية الهوجاء، وهو الصوت الذي أنقذ العراق من الانزلاق إلى هاوية لا قرار لها.
خامسًا | فتوى الجهاد ، درع العراق في وجه الإرهاب

1. سقوط الموصل - صدمة وجودية

في العاشر من يونيو (حزيران) 2014م ، سقطت مدينة الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، بيد عصابات تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابية - داعش - . كانت الصدمة هائلة، فقد انهار جيش يعد بمئات الآلاف في ساعات معدودة، وفر القادة العسكريون والسياسيون، وتركوا المدنيين نهبًا للإرهاب الأسود. امتدت سيطرة التنظيم بسرعة مذهلة إلى غرب وشمال العراق، وأصبحت بغداد مهددة بالاجتياح.
لم يكن العراق أمام مجرد هزيمة عسكرية، بل كان أمام تهديد وجودي حقيقي. التنظيم الإرهابي الذي أعلن عن نيته اجتياح المدن الشيعية ومحاولة هدم وتدمير العتبات المقدسة كان يهدد بقلب المعادلة الجيوسياسية في الشرق الأوسط بأكمله. لقد كانت اللحظة الأكثر خطورة في تاريخ العراق الحديث منذ سقوط النظام.

2. الفتوى التاريخية

بعد ثلاثة أيام فقط من سقوط الموصل، وفي الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2014م، أصدر المرجع الأعلى للشيعة السيد علي السيستاني فتواه التاريخية بـ - الجهاد الكفائي - . هذه الفتوى، التي وصفت بأنها - الوجوب الكفائي - ، أوجبت على العراقيين جميعًا التصدي لتنظيم داعش ومحاربته.
ما إن صدرت الفتوى حتى لبى مئات الآلاف من العراقيين نداء المرجعية، تدفعهم عقيدتهم الدينية وروحهم الوطنية. لم ينتظروا أوامر الحكومة، لم ينتظروا توفير الأسلحة أو التدريب، انطلقوا بأعداد هائلة تصل ملايين نحو جبهات القتال.لقد كانت فتوى السيد السيستاني فريدة من نوعها في تاريخ العراق الحديث. ففي وقت كانت فيه الدولة العراقية منهزمة والجيش منهار، كان صوت المرجعية الدينية هو الصوت الوحيد القادر على تعبئة الجماهير واستنهاض هممهم للدفاع عن الوطن والمقدسات. وحولت الفتوى - الجهاد الكفائي- الصراع من مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش النظامي والإرهاب إلى حرب شعبية شاملة، تحول فيها المواطنون أنفسهم إلى خط الدفاع الأول عن مدنهم وقراهم وأحيائهم.
3. ولادة الحشد الشعبي، المشروع الوطني الجديد

تعتبر فتوى الجهاد الكفائي نقطة تحول فارقة في تاريخ العراق. فمن رحم هذه الفتوى وُلد - الحشد الشعبي - ذلك الكيان الذي أثبتت الأيام أنه الوليد الشرعي والوطني لفتوى الجهاد، والركيزة الأساسية لإنقاذ الوطن والمقدسات من براثن الإرهاب. لقد شكّل أبناء الحشد الشعبي عمودًا فقريًا في استعادة الأراضي من قبضة التنظيم الإرهابي، وقدموا بطولات رائعة، ابتداًء بتحرير حزام بغداد، الذي يعد الأخطر بعد سقوط الموصل، حيث كانت المعارك تجري على أسوار بغداد نفسها، وصولًا إلى تحرير مدن كبرى مثل تكريت والفلوجة والصمود في أصعب الجبهات.
ساهمت الفتوى بزيادة اندفاع الشباب العراقي، ورغبتهم نحو العمل الجهادي، ما أدى لارتفاع مستوى الخبرات العسكرية والأمنية لديهم. كما كشفت أسماء قيادات وطنية مخلصة برزت في الميدان العسكري، من لم تكن لها أي عناوين مميزة قبل يوم صدور الفتوى. ما يؤكد الدور الوطني الكبير للمرجعية في الدفاع عن العراق وشعبه ووحدة أراضيه، والحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي لدى أبنائه.
وما زالت فتوى الجهاد الكفائي منذ صدورها وأبعادها الوطنية ونتائجها الاستراتيجية تُدرس في مراكز الأبحاث والجامعات كواحدة من أكثر الظواهر تأثيرًا في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر، فهي لم تكن فتوى دينية بحتة، بل كانت مشروعًا سياسيًا واجتماعيًا ووطنيًا متكاملًا ، استطاع أن يحول الخطر الوجودي إلى فرصة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وإعادة تعريف المواطنة العراقية في سياقها الوطني الجامع.
سادسًا | المرجعية والإصلاح ، سياقات جديدة وأدوار متجددة

1. النهضة الإصلاحية

بعد تحقيق النصر على الإرهاب، لم يغب دور المرجعية عن المسرح العراقي، بل انتقل إلى مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا - مرحلة الإصلاح ومحاربة الفساد - . في خطابات وبيانات متتالية، بدأ السيد السيستاني يركز على أولويات جديدة حيث ضرورة محاربة الفساد المستشري في مفاصل الدولة، وانتهاج النزاهة في إدارة الشأن العام.
لم يكتف السيد السيستاني بالدعوة إلى الإصلاح نظرًا ، بل تحولت هذه الدعوات إلى حراك اجتماعي وسياسي واسع. ففي احتجاجات تشرين (أكتوبر) 2019م التي هزت العراق، كان صوت المرجعية الدينية حاضرًا بقوة، إذ أكدت أن المشاركة في التظاهرات السلمية حق لجميع العراقيين. لقد وقف السيد السيستاني إلى جانب المتظاهرين السلميين، وأكد على ضرورة تحقيق مطالبهم العادلة في محاربة الفساد والبطالة وسوء الخدمات، لكنه في الوقت نفسه رفض العنف والتخريب، ودعا إلى التظاهر السلمي وضبط النفس.
هذا الموقف كان نموذجيًا حيث مرجعية وطنية تقف مع الشعب في مطالبه المشروعة، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على مؤسسة الدولة وترفض إسقاطها أو تدميرها. نموذج من الحكمة والتوازن نادر في عالم عربي وإسلامي تمزقه التناقضات.
2. على خطى ثابتة ، الخدمات والمرجعية

لم يقتصر دور المرجعية في السنوات الأخيرة على الإصلاح السياسي ومحاربة الفساد، بل امتد إلى مجالات حيوية أخرى أبرزها مجال تقديم الخدمات. ومنذ بدايات تصديه للعمل المرجعي، أجاز السيد السيستاني لعموم العراقيين من مقلديه أن يدفعوا حقوقهم الشرعية لتقديم المساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية، خاصة في المناطق المحرومة.
ومع تصاعد أزمة الجفاف وندرة المياه في جنوب العراق، تصدرت المرجعية الدينية حملات إغاثية واسعة. كما أن للسيد السيستاني مواقف واضحة فيما يتعلق بحقوق الأقليات والحفاظ على التنوع الثقافي والديني في العراق. هناك رعاية خاصة من قبل مكتب السيد السيستاني للكنائس والمسيحيين وللمكونات الأخرى، وذلك إيمانًا منه بأن العراق لكل أبنائه، مهما تنوعت معتقداتهم وأصولهم.

3. الموقف من التدخلات الخارجية ، سيادة وطنية خط أحمر

يُجمع المراقبون على أن الموقف الأكثر أهمية وثباتًا للسيد السيستاني يتمثل في تمسكه المطلق بالسيادة الوطنية للعراق ورفض أي تدخل خارجي في شؤونه الداخلية. يرى السيد السيستاني أن العراق يجب أن يكون سيد نفسه، ولا يقبل أن تكون المرجعية الدينية تابعة لأي قوة إقليمية أو دولية. هذا الموقف جعله على خلاف مع بعض التيارات السياسية والدينية داخل العراق وخارجه، لكنه التزم به رغم كل الضغوط. كما أن موقفه من طبيعة الدولة العراقية واضح، فهو لا يتبنى نظرية - ولاية الفقيه- في الحكم كما هو معمول به في إيران، بل يرى أن المرجعية الدينية هي مؤسسة دينية مستقلة تقدم الإرشاد والنصح والتوجيه، ولكنها لا تدير الدولة أو تدير تفاصيل الحكم اليومي. هذا النموذج، الذي يمكن تسميته - النموذج النجفي- ، يمثل حالة فريدة في تاريخ الفكر السياسي الشيعي، وهو ما أكسب السيد السيستاني قبولًا و احترامًا واسعين داخل العراق وخارجه.

ختامًا | هل سيكون السيد السيستاني آخر العظماء؟

في ختام هذه الرحلة الطويلة عبر تاريخ المرجعية الدينية في العراق وسيرة واحد من أبرز رجالها، يبرز سؤال جوهري ، لماذا يُنظر إلى السيد السيستاني باعتباره آخر العظماء ؟ وهل هذه المقولة مجرد مبالغة عاطفية أم تعبير عن حقيقة تاريخية عميقة؟ ، تكتسب مسألة خَلَفية السيد السيستاني أهمية استثنائية، ليس فقط على مستوى الساحة الشيعية ولكن على مستوى منطقة الشرق الأوسط بشكل عام. فهي ليست مجرد مسألة دينية حوزوية داخلية، بل هي مسألة سياسية جيوسياسية بامتياز.
فالمرجعية العليا في النجف لم تكن في أي عصر من العصور مجرد منصب ديني عادي، بل كانت مؤسسة وطنية وتاريخية ذات ثقل استراتيجي. وعندما يرحل السيد السيستاني، وهو اليوم يبلغ من العمر خمس و تسعين عامًا ، فإن الحوزة العلمية في النجف ستواجه تحديًا غير مسبوق في تاريخها الممتد لأكثر من ألف عام.
ما هي أسباب تفرد تجربة السيد السيستاني؟

أولًا : الظرف التاريخي الفريد الذي عاشه. تولى السيد السيستاني زعامة المرجعية في ظل أقسى الظروف، حيث تعرضت الحوزة للإقصاء والتهميش والإقامة الجبرية. ثم جاءت فرصة تاريخية نادرة بانهيار الطاغية وبدء مرحلة التحول الديمقراطي. كان السيد السيستاني في المكان الصحيح في الوقت الصحيح، وامتلك الحكمة والقدرة على اغتنام هذه الفرصة لخدمة وطنه وأمته.

ثانيًا : الشخصية الاستثنائية للسيد السيستاني نفسه. فهو عالم جليل وفقيه كبير لا يُشق له غبار، وفي الوقت نفسه هو سياسي بارع بامتياز، يقرأ الواقع بدقة متناهية، ويتخذ قراراته في الوقت المناسب، لا قبل أوانه ولا بعده. إنه يمثل فريد عصره في الجمع بين المرجعية العلمية الرصينة والمهارات السياسية الفذة.
ثالثًا : النموذج المرجعي الجديد الذي أسسه. إن النموذج النجفي الذي يمثله السيد السيستاني يختلف تمامًا عن نموذج ولاية الفقيه الإيراني. فالسيد السيستاني يقدم نموذجًا لمرجعية مستقلة، وطنية، إصلاحية، تتدخل بحكمة في الشأن العام دون أن تطمح إلى السلطة المباشرة، وتحافظ على الدولة والمؤسسات، وتقف مع الشعب دون أن تنحاز إلى أي فصيل سياسي بعينه. هذا النموذج فريد في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي المعاصر.
ولكن، وهنا يكمن جوهر المسألة، هل يمكن استدامة هذا النموذج بعد رحيل المرجع الأعلى ؟
تواجه الحوزة العلمية تحديات جمة في البحث عن خليفة للسيد السيستاني. فقد توفي أحد أبرز المرشحين المحتملين، وهو السيد سعيد الحكيم، وبقي مرشحون الآخران هما الشيخ بشير النجفي الفياض و باقر الايرواني ، لكن وضع هذه الشخصيات يظل محاطًا بالكثير من الغموض والتساؤلات. فشخصية بحجم وجاذبية السيد السيستاني لا تأتي كل يوم، وقد تخلق الفراغ بعده تحديات كبيرة، ليس فقط على مستوى الحوزة العلمية ولكن على مستوى العراق والمنطقة بأسرها.
ومع ذلك، يبقى الإرث الذي تركه السيد السيستاني كفيلًا بضمان استمرارية الحوزة العلمية ودورها في الحياة الوطنية العراقية. فقد أسس السيد السيستاني مدرسة متكاملة في كيفية إدارة العلاقة بين الدين والدولة، بين المرجعية والمجتمع، بين الإسلام والمواطنة. لقد أثبتت هذه المدرسة، عبر اختبارات نار متعاقبة، أنها تمثل أحد أنجح النماذج للوجود الديني في المجتمع المعاصر.
في خلاصة القول، ربما كان السيد علي السيستاني، حقًا ، آخر العظماء في تاريخ المرجعية الدينية، لكن إرثه العظيم سيظل منارة تهتدي بها الأجيال القادمة، ليس في العراق فقط، بل في جميع أنحاء العالم الإسلامي. ففي زمن تغلي فيه المجتمعات العربية والإسلامية بالصراعات والتطرف والعنف، يظل نموذج السيد السيستاني شاهدًا على أن الإسلام دين حكمة واعتدال ووسطية، وأن الفقيه يمكن أن يكون قائدًا و وطنيًا حكيمًا دون أن يتحول إلى ديكتاتور، وأن المصالح الوطنية يمكن أن تتوافق مع القيم الدينية دون تناقض أو تعارض.
إنه درس في القيادة المتواضعة، والحكمة الصامتة، والوطنية الصادقة، سيبقى خالدًا في ذاكرة التاريخ. ولعل هذا هو أعظم إرث يتركه هذا الرجل الفريد لأمته.


أ. حسين علي حياوي المؤذن



#حسين_علي_حياوي_المؤذن (هاشتاغ)       Hussein_Ali_Hayawi_Al-mu’adhin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين ركام التردد وإرادة الشباب : قصة قانون حماية المسعف التطو ...
- الضربة الإيرانية لمركز الاستمطار السري في الإمارات – الحرب ا ...
- هرمز : الممر الذي كاد أن يشعل العالم
- أدبيات حزب الله اللبناني القتالية وفق التطورات الدولية
- بين ملمحة خرمشهر الموسيقية وخرمشهر الصاروخية : سقطت أسطورة إ ...
- العقل والتاريخ في مواجهة الأسطرة اللاهوتية
- معجزة المسيح السياسية
- أنطولوجيا النجاة
- الوعي في الفكر الإسلامي ما بين المعرفة و تحولات العولمة
- الفلسفة الأخلاقية | من النص إلى الوعي
- الأَغتيال الذي تم داخل الجسد .
- دراسة نقدية حول بحث - العولمة الاجتماعية و المجتمع المدني - ...
- دراسة نقدية في - كتاب الشيخ عبد الحسين القرملي - حياته و شعر ...
- الإطارات المعدنية العضوية: الجيل الجديد من المواد الذكية في ...
- حياة علم الكيمياء | الصادق مؤسسها الأَول


المزيد.....




- نجمات بإطلالات -رجالية- على السجادة الحمراء في مهرجان كان
- مشاهد تُظهر إعصارا مدمرا يضرب بلدة في نبراسكا بأمريكا
- بيلا حديد تخطف الأنظار برفقة شقيقها أنورعلى السجادة الحمراء ...
- الأردن.. تكية أم علي” تبدأ تنفيذ تعهّد لدعم تعليم 3 آلاف طفل ...
- وزير خارجية مصر يبحث مع مستشار ترامب قضية سد النهضة والأمن ا ...
- رمز فلسطيني عالمي تحت التصنيف الأمني.. كيف تحوّل البطيخ إلى ...
- البحرية الإسرائيلية تعتقل 100 ناشط وتستولي على أسطول الصمود ...
- -أمة تحت سلطة الله-.. ظهور ترامب في فعالية دينية يثير نقاشًا ...
- قطط متنكرة ومسابقات جمال تجذب الزوار في معرض للقطط
- حرائق ومبان متضررة بعد هجوم روسي كبير بطائرات مسيرة


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - حسين علي حياوي المؤذن - السيد السيستاني آخر العظماء