|
|
الهيليوم | غاز الكون العزيز - من أطياف الشمس إلى موارد الأرض الناضبة
حسين علي حياوي المؤذن
كاتب روائي باحث سياسي
(Hussein Ali Hayawi Al-mu’adhin)
الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 06:03
المحور:
التربية والتعليم والبحث العلمي
يأتي الهيليوم، الذي يحمل الرمز He والعدد الذري 2، كثاني أبسط عنصر في الجدول الدوري بعد الهيدروجين، لكنه في الوقت نفسه أكثر العناصر تناقضاً وصعوبة في الفهم. فبينما يُعتبر الهيليوم غازاً خاملاً، بل وأكثر الغازات الخاملة خمولاً على الإطلاق، فإنه لا يخضع لأي تفاعل كيميائي تقليدي في الظروف القياسية، ولا يشكل مركبات مستقرة مع أي عنصر آخر. هذا الخمول التام يجعله فريداً بين كل العناصر. تتألف نواة نظيره الأكثر شيوعاً، هيليوم-4، من بروتونين ونيوترونين، وهو نفس الجسيم الذي نعرفه باسم جسيم ألفا، وهي حقيقة ستكون محورية لفهم تاريخ اكتشافه وخواصه النووية. يبلغ الوزن الذري للهيليوم 4.002602 غراماً لكل مول، وهو ثاني أخف غاز بعد الهيدروجين، وكثافته تبلغ 0.1786 غراماً لكل لتر عند درجة حرارة الصفر المئوي وضغط جوي واحد، أي أنه أخف بنحو سبع مرات من الهواء ولكن أثقل بمقدار الضعف من الهيدروجين تقريباً. الهيليوم غاز عديم اللون والطعم والرائحة، وغير سام بالطبع، لكن الفرق الجوهري بينه وبين الهيدروجين أنه خامل تماماً وغير قابل للاشتعال، مما يجعله بديلاً آمناً للمناطيد والبالونات منذ أن توقف استخدام الهيدروجين بعد كارثة هيندنبورغ.
القصة الأكثر دراماتيكية في تاريخ الكيمياء ربما تكون قصة اكتشاف الهيليوم، لأنه العنصر الوحيد الذي اكتشف أولاً في الفضاء قبل أن يعثر له على أثر على الأرض. في عام 1868، وتحديداً في الثامن عشر من أغسطس، سافر عالم الفلك الفرنسي بيير جانسن إلى مدينة غونتور الساحلية في الهند لرصد كسوف كلي للشمس. استخدم جانسن مطيافاً لتحليل ضوء الهالة الشمسية، الغلاف الخارجي للشمس الذي يصبح مرئياً بوضوح أثناء الكسوف الكلي، ولاحظ خطاً طيفياً أصفر ساطعاً عند طول موجي 587.49 نانومتر، وهو خط لم يسبق له رؤيته في أطياف أي عنصر معروف على الأرض. بعد حوالي شهرين، وفي إنجلترا، كان عالم الفلك نورمان لوكير يُجري تجارب مشابهة بشكل مستقل، حيث كان قد طور مطيافاً قوياً بشكل خاص لدراسة ضوء الشمس بدون كسوف، ورصد هو الآخر الخط الأصفر نفسه عند 587.49 نانومتر. أدرك لوكير أن هذا الخط لا يمكن أن ينتمي إلى أي عنصر معروف مثل الصوديوم الذي يعطي خطين أصفرين قريبين منه، فاقترح أن مصدره عنصر جديد، وأطلق عليه اسم "هيليوم" مشتقاً من الكلمة اليونانية "هيليوس" التي تعني الشمس. لكن السؤال ظل مفتوحاً: هل هذا العنصر موجود فقط في الشمس أم يمكن العثور عليه على الأرض أيضاً؟ استمر الجدال ثلاثة وعشرين عاماً، حتى عام 1891، حين أعلن الكيميائي الاسكتلندي السير وليام رامزاي أنه عثر على الهيليوم في معدن اليورانينيت، وهو خام يحتوي على اليورانيوم، الذي عثر عليه في وادي كليفيلاند في ولاية كارولاينا الشمالية الأمريكية. أثناء معالجة العينة بالأحماض، لاحظ رامزاي غازاً خاملاً لا يتفاعل مع أي شيء، وعند تحليل طيفه، وجد نفس الخط الأصفر الذي رصده جانسن ولوكير قبل عقدين. كان ذلك أحد أروع الأمثلة على تقدم العلم: عنصر يُرى لأول مرة على بعد 150 مليون كيلومتر في الشمس، ثم يُعثر عليه بعد سنوات في صخرة عادية على الأرض. اكتشف رامزاي لاحقاً أن الهيليوم يتشكل باستمرار في الخامات التي تحتوي على اليورانيوم والثوريوم من خلال اضمحلال ألفا، حيث تنبعث نواة هيليوم-4 (جسيم ألفا) من نواة اليورانيوم وتلتقط إلكترونين لتصبح ذرة هيليوم محايدة. هذا الاكتشاف أسس فرعاً كاملاً من الفيزياء النووية والكيمياء الإشعاعية، وأكسب رامزاي جائزة نوبل في الكيمياء عام 1904.
أما من ناحية الوفرة الكونية والأرضية، فالهيليوم يظهر التناقض الأكبر بين موقعه في الكون ووجوده على كوكبنا. في الكون ككل، يعتبر الهيليوم ثاني أكثر العناصر وفرة بعد الهيدروجين، حيث يشكل حوالي 24 بالمئة من الكتلة الباريونية للكون. هذا الهيليوم البدائي، كما يسميه علماء الكونيات، تكوّن في الدقائق الثلاث الأولى بعد الانفجار العظيم من خلال عملية الاندماج النووي البدائي التي جمعت البروتونات والنيوترونات لتشكيل أنوية الهيليوم. كل الهيليوم الموجود في الكون تقريباً هو من هذا العصر، باستثناء كميات صغيرة جداً تتولد في قلوب النجوم عبر دورة بروتون-بروتون أو دورة كربون-نيتروجين-أكسجين، حيث يندمج الهيدروجين ليتحول إلى هيليوم. الشمس تحول حوالي 600 مليون طن من الهيدروجين إلى هيليوم كل ثانية، لكن هذه الكمية الضئيلة نسبياً مقارنة بالكتلة الشمسية لا تغير كثيراً من وفرة الهيليوم الكونية. لكن على الأرض، القصة مختلفة جذرياً. الهيليوم نادر للغاية في الغلاف الجوي، حيث يبلغ تركيزه حوالي 5.2 جزء في المليون حجمياً فقط، وهو أقل بعشر مرات من تركيز النيون وأقل بألف مرة من تركيز الأرغون. لماذا هذا الندرة؟ السبب مزدوج: أولاً، لأن الهيليوم أخف الغازات بعد الهيدروجين، والجاذبية الأرضية أضعف من أن تحتجز كميات كبيرة منه في الغلاف الجوي العلوي، فجميع ذرات الهيليوم التي تصعد إلى طبقات الجو العليا تكتسب طاقة كافية من الأشعة الكونية لتهرب إلى الفضاء الخارجي نهائياً. ثانياً، الهيليوم لا يتكون في الطبيعة بكميات كبيرة إلا من خلال الاضمحلال الإشعاعي لليورانيوم والثوريوم في القشرة الأرضية، وهذه العملية بطيئة جداً وتحتاج إلى ملايين السنين لتجميع كميات تجارية. يقدر العلماء أن كل طن من الغرانيت يحتوي على حوالي 0.3 غرام من اليورانيوم، وهذا اليورانيوم ينتج خلال مليون سنة حوالي 0.1 ملليلتر من الهيليوم. لذلك، فكل الهيليوم المستخرج تجارياً على الأرض هو من مخزون جيولوجي قديم، محتجز تحت الأرض في قباب ملحية أو حقول غاز طبيعي، حيث يتجمع مع غاز الميثان على مدى مئات الملايين من السنين. بعض حقول الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة (خاصة في تكساس وكانساس وأوكلاهوما) وفي قطر والجزائر وروسيا تحتوي على تركيزات من الهيليوم تتراوح بين 0.3 و 7 بالمئة من حيث الحجم، وهي المصادر الوحيدة القابلة للاستخراج اقتصادياً. يتسرب الهيليوم من هذه المكامن باستمرار عبر الصخور، وتقدر معدلات تسربه العالمية بحوالي 50 مليون متر مكعب سنوياً، وهو ما يعادل تقريباً الاستهلاك العالمي الحالي. بعبارة أخرى، الهيليوم مورد غير متجدد على الأرض: بمجرد أن نطلقه في الغلاف الجوي، فإنه يهرب إلى الفضاء ولا يمكن استعادته أبداً. هذه الحقيقة الجيوفيزيائية تجعل الهيليوم أحد أكثر الموارد الطبيعية قيمة واستنزافاً على كوكبنا.
بالانتقال إلى الخواص الفيزيائية والذرية للهيليوم، نجد أنفسنا أمام عالم من الظواهر الكمومية الفريدة. الهيليوم هو العنصر الأكثر خمولاً كيميائياً، وهذا الخمول ناتج من البنية الإلكترونية المغلقة تماماً، حيث أن ذرة الهيليوم لها توزيع إلكتروني 1s²، أي أن غلافها الإلكتروني الوحيد ممتلئ بالكامل بإلكترونين. طاقة التأين الأولى للهيليوم هي الأعلى بين جميع العناصر، حيث تبلغ 2372.3 كيلوجول لكل مول، أي ما يقارب ضعف طاقة تأين الهيدروجين، وهذا يعني نزع إلكترون من الهيليوم صعب للغاية ولا يحدث إلا في ظروف قاسية مثل البلازما أو التعرض لأشعة جاما القوية. أما الميل الإلكتروني للهيليوم فهو قريب من الصفر عملياً، بل إن إضافة إلكترون إضافي لتشكيل He⁻ لا يحدث في الظروف العادية على الإطلاق، وإذا حدث تحت ظروف خاصة فإنه يكون أيوناً غير مستقر بعمر قصير جداً. السالبية الكهربية للهيليوم لا تُقاس عملياً بمقاييس بولنغ التقليدية لأنه لا يشكل روابط، لكن بعض التقديرات النظرية تضعها أعلى قليلاً من النيون. المقياس الحقيقي لخمول الهيليوم هو أن أول مركب كيميائي مستقر للهيليوم تم اكتشافه فقط في عام 2017، عندما تمكن فريق من الباحثين من جامعة نانت بفرنسا من تصنيع Na₂He تحت ضغط هائل يصل إلى 113 جيجاباسكال، أي ما يعادل مليون ضعف الضغط الجوي، في عينة من الصوديوم والهيليوم داخل سندان ماسي. في هذا المركب النادر، لا يرتبط الهيليوم برابط كيميائي حقيقي، بل هو محصور في فراغات الشبكة البلورية لمركب الصوديوم، وتحدث تفاعلات ضعيفة جداً من نوع فان دير فالس. هذه الاكتشافات الحديثة تبين أنه حتى أهدأ العناصر يمكن أن يصبح تفاعلياً تحت ضغوط هائلة.
أما جزيء He₂، فهو غير موجود في الظروف العادية، لأن ذرتي الهيليوم لا تشكلان رابطة ثنائية مستقرة أبداً. يمكن ملاحظة جزيء He₂ في حالة مثارة لفترة قصيرة جداً في البلازما، لكنه يتحلل فور عودته إلى الحالة القاعية. هذا يعني أن الهيليوم، على عكس كل العناصر الأخرى، لا يتواجد في الطبيعة كجزيئات ثنائية الذرة حتى في حالته الغازية، بل هو دائماً غاز أحادي الذرة He.
الهيليوم السائل هو مادة تذهل الفيزيائيين منذ اكتشافه. نقطة غليان الهيليوم هي الأدنى بين جميع المواد المعروفة، حيث تبلغ 4.22 كلفن تحت الضغط الجوي العادي، أي 268.93 درجة مئوية تحت الصفر. ولتسييل الهيليوم، لابد من تبريده إلى ما يقارب أقل من أربع درجات فوق الصفر المطلق. لكن ما يميز الهيليوم السائل حقاً هو سلوكه الكمومي الغريب عند درجات حرارة أقل من 2.17 كلفن، حيث يتحول إلى ما يعرف باسم "هيليوم-2" أو سائل فائق الموائع. عند هذه النقطة الحرجة، تختفي لزوجة الهيليوم السائل تماماً، ويتدفق بدون أي احتكاك داخلي. يمكن لهذا السائل أن يتسلق جدران الوعاء الذي يحتويه، ويتسرب عبر مسام لا تتسع لأي سائل عادي، ويشكل طبقة رقيقة جداً على الأسطح تتجه نحو أي مكان أبرد. هذه الظاهرة، التي تُعرف باسم ظاهرة الزيارة الحارقة نسبة إلى اسم مكتشفها بيوتر كابيتسا، تعني أن سائل الهيليوم-4 تحت درجة حرارة لامدا يتصرف كسائل كمومي عظيم، حيث تدخل جميع الذرات في نفس الحالة الكمومية المتماسكة وتتصرف كجسم واحد عملاق بدلاً من مجموعة من الجسيمات المنفردة. هذا السلوك هو أقرب شيء إلى "مادة مثالية" يمكن تخيلها، وقد منح اكتشاف هذه الظاهرة ودراستها جوائز نوبل لكل من بيوتر كابيتسا عام 1978، وريتشاردسون ولي وأوشيروف عام 1996. بالتوازي مع ذلك، فإن النظير الهيليوم-3 يتصرف بشكل مختلف تماماً: فهو لا يصبح فائق الميوعة إلا عند درجة حرارة منخفضة جداً تصل إلى 0.0025 كلفن، وحتى عندها تكون خواص الموائع الفائقة له مختلفة وأكثر تعقيداً بسبب أن هيليوم-3 هو فرميون (عدد فردي من الفرميونات الأساسية)، بينما هيليوم-4 هو بوزون (عدد زوجي)، وهذا يخضع لإحصاءات كمومية مختلفة تماماً.
الهيليوم الصلب له أيضاً خصائص فريدة. لا يمكن تجميد الهيليوم تحت ضغط جوي عادي مهما خفضنا درجة حرارته، فهو يظل سائلاً حتى الصفر المطلق تقريباً. لتجميد الهيليوم، نحتاج إلى تطبيق ضغط خارجي لا يقل عن 25 ضغطاً جويّاً عند درجة حرارة حوالي 1 كلفن. عند الضغوط العالية جداً (أكثر من 100 جيجاباسكال)، يتخذ الهيليوم الصلب أطواراً بلورية متعددة، بعضها قد يكون موصلاً فائقاً في درجات حرارة عالية نسبياً، لكن هذه المنطقة لا تزال قيد البحث النشط.
فيما يخص الخواص الكيميائية، يمكن تلخيصها في كلمة واحدة: لا شيء. لا يتفاعل الهيليوم مع أي عنصر أو مركب في الظروف القياسية، ولا يشكل أكاسيد أو هيدريدات أو هاليدات أو أي شيء آخر. لا يتفاعل مع الأحماض أو القواعد، ولا يشتعل ولا يدعم الاحتراق، ولا يذوب في أي مذيب بكميات تذكر (ذائبيته في الماء عند 20 درجة مئوية حوالي 8.6 ملليغرام لكل لتر). يمكن القول إن الهيليوم هو العنصر الوحيد الذي يمكن اعتباره "خاملاً تماماً" حتى بالنسبة للغازات النبيلة الأخرى، فالكريبتون والزينون على سبيل المثال يشكلان مركبات مع الفلور والأكسجين تحت ظروف معينة، وحتى الأرغون شكل مركباً واحداً غير مستقر مع الفلوروهيدريد. لكن الهيليوم والنيون هما العنصران الوحيدان اللذان لم يريا مركباً كيميائياً حقيقياً في الظروف العادية. هذا الخمول المطلق يمنح الهيليوم دوره الفريد كغاز حامل في الكيمياء التحليلية، ولحماية المعادن الحساسة أثناء اللحام والصب، وكغاز دافع في الصواريخ، وكغاز تبريد في المفاعلات النووية والمغناطيسات فائقة التوصيل.
الهيليوم في الطبيعة له نظيران مستقران فقط. النظير الأكثر وفرة هو هيليوم-4، الذي يشكل حوالي 99.999863 بالمئة من الهيليوم الطبيعي، وتنتجه عمليات اضمحلال ألفا لليورانيوم والثوريوم كما ذكرنا. النظير الآخر هو هيليوم-3، وهو نادر جداً على الأرض، حيث تشكل نسبته حوالي 0.000137 بالمئة فقط، أي جزءاً واحداً من كل مليون جزء من الهيليوم-4 تقريباً. هيليوم-3 هو نظير غير مشع، نواته تتكون من بروتونين ونيوترون واحد فقط. مصدر هيليوم-3 على الأرض هو اضمحلال التريتيوم (نظير الهيدروجين المشع)، حيث يتحول التريتيوم T (³H) إلى هيليوم-3 بانبعاث إلكترون بيتا وعمر نصف 12.32 سنة. لذلك، كل التريتيوم الذي أنتجته التجارب النووية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين تحول الآن إلى هيليوم-3، وكل التريتيوم الموجود في المفاعلات النووية أو المختبرات يتحول ببطء إلى هيليوم-3. على سطح القمر، الوضع مختلف تماماً، لأن القمر لا يملك غلافاً جوياً ولا مجالاً مغناطيسياً يحميه من الرياح الشمسية، والرياح الشمسية تحمل معها كميات كبيرة من هيليوم-3 قادمة من الشمس وتقذف بها إلى تربة القمر. لقد تراكم هيليوم-3 في تربة القمر على مدى مليارات السنين، وتقدر كميته بحوالي مليون طن. هذا الهيليوم-3 القمري هو موضع طمع كبير لمشاريع الاندماج النووي المستقبلية، لأن اندماج الديوتيريوم مع هيليوم-3 ينتج هيليوم-4 وبروتوناً، وهو تفاعل اندماجي لا ينتج نيوترونات (أي أنه لا يسبب تلوثاً إشعاعياً)، وبالتالي فهو الوقود المثالي لمفاعلات الاندماج النووي النظيفة. التفاعل هو D + He-3 → He-4 + p، والبروتون الناتج هو جسيم مشحون يمكن احتجازه مباشرة لتوليد الكهرباء دون الحاجة إلى دورات حرارية معقدة. لكن حتى الآن، لا تزال تقنية استخراج هيليوم-3 من تربة القمر وتنقيته ونقله إلى الأرض أحلاماً بعيدة المنال، رغم أن بعض الدول مثل الصين والهند والولايات المتحدة أعلنت عن برامج فضائية تستهدف القمر بجزء من هذا الدافع.
التطبيقات العملية للهيليوم متنوعة ومدهشة، وتستفيد كلها من واحدة أو أكثر من خصائصه الفريدة: الخمول الكيميائي، نقطة الغليان المنخفضة جداً، الكثافة المنخفضة، أو الناقلية الحرارية العالية. التطبيق الأكثر شهرة واستهلاكاً للهيليوم هو استخدامه كغاز رفع في البالونات والمناطيد. فكثافته المنخفضة (أقل سبع مرات من الهواء) تجعله يرتفع بقوة، وخموله الكيميائي يجعله آمناً تماماً مقارنة بالهيدروجين القابل للاشتعال. كانت المناطيد التجسسية والبحثية والترفيهية تملأ بالهيليوم منذ عشرينيات القرن العشرين، وأصبحت بالونات الاحتفالات والمناسبات تستخدم الهيليوم على نطاق واسع. لكن هذا التطبيق، رغم كونه الأكثر بريقاً، ليس الأهم اقتصادياً ولا علمياً. التطبيق الأكبر والأكثر حساسية للهيليوم هو في مجال التبريد فائق البرودة، وتحديداً في تبريد مغناطيسات التصوير بالرنين المغناطيسي الطبية. تعمل مغناطيسات التصوير بالرنين المغناطيسي فائقة التوصيل عند درجات حرارة قريبة من الصفر المطلق، وتحديداً عند 4.2 كلفن، وهي درجة حرارة غليان الهيليوم السائل تحت الضغط الجوي العادي. تستخدم أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي في كل مستشفى كبير حول العالم ما بين 1500 إلى 2000 لتر من الهيليوم السائل لتبريد ملفاتها الفائقة التوصيل المصنوعة من سبائك النيوبيوم-تيتانيوم. بدون هذا التبريد، لا يمكن للمغناطيسات العمل، وبالتالي لا يمكن إجراء الفحوصات الطبية المنقذة للحياة. كل جهاز من هذه الأجهزة يفقد حوالي 30 إلى 50 لتراً من الهيليوم السائل سنوياً بالتبخر الطبيعي، ويحتاج إلى إعادة تعبئة منتظمة. هذا وحده يمثل حوالي 30 بالمئة من استهلاك الهيليوم العالمي. تطبيق آخر حيوي بنفس القدر هو في تبريد المغناطيسات فائقة التوصيل في مسرعات الجسيمات، مثل المصادم الهدروني الكبير في سيرن بسويسرا، الذي يحتوي على أكثر من 130 طناً من الهيليوم السائل موزعة على 27 كيلومتراً من الأنابيب والمغناطيسات. بدون الهيليوم، كان هذا المسرع وغيرها من أدوات فيزياء الجسيمات المتطورة مجرد أنابيب نحاسية فارغة.
في صناعة الإلكترونيات وأشباه الموصلات، يستخدم الهيليوم كغاز حامل وخامل أثناء ترسيب السيليكون والجرمانيوم وزرنيخيد الغاليوم. كل شريحة معالجة دقيقة أو ذاكرة أو مستشعر ضوئي تتعرض لمراحل متعددة من التصنيع تتطلب جواً خالياً تماماً من الأكسجين والرطوبة، والهيليوم هو الغاز المثالي لهذا الغرض لأنه لا يتفاعل مع أي شيء ويسهل إزالته لاحقاً. كما يستخدم الهيليوم في عمليات لحام المعادن الحساسة مثل الألومنيوم والتيتانيوم والفولاذ المقاوم للصدأ، حيث ينفث حول منطقة اللحام لحماية المعدن المنصهر من التفاعل مع الأكسجين والنيتروجين الجويين. في الغوص العميق، تضاف كميات صغيرة من الهيليوم إلى خليط الغازات التي يتنفسها الغواصون بدلاً من النيتروجين، لتجنب ظاهرة تخدر الأعماق التي يسببها النيتروجين تحت الضغط العالي. خليط تريميكس (أكسجين-هيليوم-نيتروجين) أو خليط هيليوكس (أكسجين-هيليوم) يسمح للغواصين بالنزول إلى أعماق تصل إلى 300 متر مع الحفاظ على وعيهم الكامل. في علم الفضاء، يستخدم الهيليوم كغاز ضاغط لخزانات الوقود الدافعة، لأنه لا يتجمد في درجات الحرارة المنخفضة للفضاء، ولا يتفاعل مع الوقود شديد التفاعل مثل الهيدروجين السائل والأكسجين السائل. كما يستخدم الهيليوم في تبريد أجهزة الاستشعار فائقة التوصيل في التلسكوبات الفضائية مثل تلسكوب هابل وتلسكوب جيمس ويب الفضائي.
في المختبرات الكيميائية، يعتبر الهيليوم الغاز الحامل المثالي في أجهزة كروماتوغرافيا الغاز، لأنه لا يتداخل مع العينة ولا يتفاعل مع الأطوار الثابتة. كما يستخدم مطيافياً كغاز رذاذ في أجهزة مطيافية الكتلة ذات البلازما المقترنة حثياً ICP-MS، لأنه لا يشكل أي أيونات متداخلة. وحتى في الاستخدامات الترفيهية، للهيليوم دور غريب: استنشاق الهيليوم يغير صوت الإنسان إلى نبرة عالية مضحكة، لأن سرعة الصوت في الهيليوم أعلى بثلاث مرات من سرعتها في الهواء، مما يزيد من تردد اهتزازات الحبال الصوتية ويجعل الصوت يبدو كصوت شخصية كرتونية. لكن التحذير الطبي هنا واضح: استنشاق الهيليوم النقي يمكن أن يسبب الاختناق لأنه يحل محل الأكسجين في الرئتين، وقد تؤدي كميات كبيرة منه إلى فقدان الوعي أو الوفاة، وبعض الحوادث المأساوية حدثت بسبب استنشاق الهيليوم من بالونات الضغط العالي. لذا يوصى بشدة بعدم استنشاق الهيليوم مطلقاً.
من ناحية التحديات والاتجاهات المستقبلية، يواجه الهيليوم أزمة وجودية حادة. كمورد غير متجدد، فإن الاحتياطيات العالمية المؤكدة من الهيليوم تكفي فقط لعدة عقود بمعدلات الاستهلاك الحالية، وقد شهد العالم بالفعل نقصاً حاداً في الهيليوم بين عامي 2006 و 2013، عندما أوقفت الولايات المتحدة بيع الهيليوم من احتياطيها الاستراتيجي الوطني في تكساس بأسعار مدعومة، وانتقل السوق إلى نظام تسعير السوق الحر الذي رفع الأسعار بنسبة 300 بالمئة. هذا النقص كاد أن يغلق بعض مختبرات الأبحاث الطبية والفيزيائية التي تعتمد على الهيليوم بشكل يومي. الحلول المقترحة للأزمة تشمل: أولاً، إعادة تدوير الهيليوم من أنظمة التبريد فائقة التوصيل، وذلك باستخدام أنظمة استرجاع مغلقة تعيد تكثيف الهيليوم المتبخر وإعادته إلى الخزان. هذه التقنيات موجودة وتعمل بكفاءة تصل إلى 95 بالمئة، لكنها مكلفة وتحتاج إلى استثمار أولي مرتفع. كثير من المستشفيات والمختبرات لا تزال تطلق الهيليوم المتبخر مباشرة إلى الغلاف الجوي، وهو إهدار مروع للمورد الثمين. ثانياً، البحث عن بدائل للهيليوم في التطبيقات الأقل حساسية، مثل استخدام الهيدروجين أو النيتروجين في البالونات الترفيهية، رغم أن ذلك أقل أماناً أو أقل رفعاً. ثالثاً، التنقيب عن مصادر جديدة للهيليوم، خاصة في حقول الغاز الطبيعي غير المستغلة في شرق أفريقيا (وادي الصدع العظيم في تنزانيا) وفي روسيا وأستراليا. بعض الشركات بدأت فعلاً في بناء منشآت لاستخراج الهيليوم من الغاز الطبيعي بتركيزات منخفضة كانت تعتبر غير اقتصادية سابقاً. رابعاً، تطوير مغناطيسات فائقة التوصيل تعمل بدرجة حرارة أعلى، مثل مغناطيسات أكسيد النحاس والباريوم والإيتريوم (YBCO) التي يمكن أن تعمل عند 77 كلفن، أي درجة حرارة النيتروجين السائل، وهو متوفر بكثرة ورخيص. لكن هذه المغناطيسات ما زالت باهظة الثمن وأقل استقراراً من مغناطيسات النيوبيوم-تيتانيوم التقليدية.
من الناحية البيولوجية، الهيليوم ليس له أي دور معروف في الكيمياء الحيوية لأي كائن حي. إنه غاز خامل تماماً ولا يدخل في أي تفاعل مع البروتينات أو الأحماض النووية أو الدهون أو الكربوهيدرات. لا يحتاجه الجسم ولا ينتجه الجسم ولا يؤثر عليه الجسم. لكن هناك أبحاثاً حديثة تشير إلى أن استنشاق خليط من الهيليوم والأكسجين قد يكون له تأثيرات طبية مفيدة في علاج بعض حالات ضيق التنفس الحاد، مثل نوبات الربو الشديدة أو متلازمة الضائقة التنفسية الحادة. الهيليوم، بسبب لزوجته المنخفضة جداً، يقلل من مقاومة تدفق الغازات في المسالك الهوائية الضيقة والمتقيصة، مما يسهل دخول الأكسجين إلى الحويصلات الهوائية ويحسن التروية. وقد أظهرت بعض الدراسات السريرية الصغيرة تحسناً ملحوظاً لدى المرضى الذين يعانون من انسداد شديد في الشعب الهوائية بعد استنشاق هيليوكس (80 بالمئة هيليوم، 20 بالمئة أكسجين)، مقارنة بالأكسجين النقي أو خليط الأكسجين-النيتروجين التقليدي. لكن هذا الاستخدام لا يزال تجريبياً ولم يعتمد بعد كعلاج روتيني.
أخيراً، لا يمكن إنكار أن الهيليوم يحمل في طياته قصة كونية ملحمية، من الانفجار العظيم قبل 13.8 مليار سنة، حيث تشكلت أنويته الأولى في بحر من البلازما البدائية، إلى قلوب النجوم العملاقة حيث يندمج الهيدروجين ليشكل هيليوماً جديداً، وإلى أعماق الأرض حيث ينتظر في مكامنه الجيولوجية لآلاف السنين، وإلى المستشفيات ومختبرات الأبحاث حيث يساعد في تشخيص الأمراض وكشف أسرار المادة. هذا العنصر البسيط والهادئ، الذي لا يريد أن يرتبط بأي شيء ولا يريد أن يدخل في أي تفاعل، أصبح مع ذلك واحداً من أكثر الموارد قيمة وندرة في حضارتنا التكنولوجية. إن استنزاف مخزون الهيليوم الأرضي ليس مجرد مسألة اقتصادية، بل هو خسارة علمية وطبية هائلة، لأن كل ذرة هيليوم تطلق في الغلاف الجوي نهرب إلى الفضاء لا رجعة فيها. وكما قال السير وليام رامزاي مكتشف الهيليوم الأرضي: "إن أندر العناصر على الأرض ليس الراديوم ولا البولونيوم، بل الهيليوم، ذلك الغاز الذي ينزف من صخور الأرض ببطء ويهرب إلى الأبد". ربما يتعين علينا، كمجتمع علمي وصناعي، أن نتعامل مع الهيليوم ليس كغاز رخيص للبالونات والمناسبات، بل كجوهرة ثمينة يجب استخلاصها وإعادة تدويرها وتطبيقها فقط في التطبيقات التي لا يمكن الاستغناء عنها حقاً، مثل التصوير بالرنين المغناطيسي وفيزياء الجسيمات واستكشاف الفضاء. عندها فقط نضمن أن الأجيال القادمة ستظل قادرة على تسخير خواص هذا العنصر المعجز، الذي بدأ رحلته في الشمس وانتهى به المطاف في أجهزتنا الأكثر تقدماً.
أ. حسين علي حياوي المؤذن
#حسين_علي_حياوي_المؤذن (هاشتاغ)
Hussein_Ali_Hayawi_Al-mu’adhin#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الهيدروجين | البروتون الأول - رحلة موسوعية من نشأة الكون إلى
...
-
السيد السيستاني آخر العظماء
-
بين ركام التردد وإرادة الشباب : قصة قانون حماية المسعف التطو
...
-
الضربة الإيرانية لمركز الاستمطار السري في الإمارات – الحرب ا
...
-
هرمز : الممر الذي كاد أن يشعل العالم
-
أدبيات حزب الله اللبناني القتالية وفق التطورات الدولية
-
بين ملمحة خرمشهر الموسيقية وخرمشهر الصاروخية : سقطت أسطورة إ
...
-
العقل والتاريخ في مواجهة الأسطرة اللاهوتية
-
معجزة المسيح السياسية
-
أنطولوجيا النجاة
-
الوعي في الفكر الإسلامي ما بين المعرفة و تحولات العولمة
-
الفلسفة الأخلاقية | من النص إلى الوعي
-
الأَغتيال الذي تم داخل الجسد .
-
دراسة نقدية حول بحث - العولمة الاجتماعية و المجتمع المدني -
...
-
دراسة نقدية في - كتاب الشيخ عبد الحسين القرملي - حياته و شعر
...
-
الإطارات المعدنية العضوية: الجيل الجديد من المواد الذكية في
...
-
حياة علم الكيمياء | الصادق مؤسسها الأَول
المزيد.....
-
تصعيد -غير مسبوق- من إدارة ترامب.. -العدل- الأمريكية تتجه لس
...
-
وقف متبادل للهجمات بين إيران وإسرائيل بعد ليلة من القصف الصا
...
-
إنفاق الدول النووية على ترساناتها يسجل مستوى قياسيا عند 119
...
-
فانس: طهران جادة في المفاوضات ومصالحنا لا تتطابق تماما مع إس
...
-
ألمانيا تتحرك لضبط مخاطر -الذكاء الاصطناعي-
-
مصدر يوضح لـCNN ما فعلته أمريكا لـ-حماية إسرائيل من صواريخ إ
...
-
مصر توقف رجل الأعمال صبري نخنوخ بتهمة -البلطجة-
-
21 حالة وفاة و19 إصابة بحادثة حافلة في العراق
-
سعي أميركي لدفع إيران إلى الكشف عن مصير مواقعها النووية
-
مقتل 11 شخصا في الشطر الباكستاني من كشمير خلال تظاهرات
المزيد.....
-
فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا
/ رضا لاغة
-
العملية التربوية
/ ترجمة محمود الفرعوني
-
تكنولوجيا التدريس
/ ترجمة محمود الفرعوني
-
تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول]
...
/ ترجمة / أمل فؤاد عبيد
-
تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني]
...
/ ترجمة / أمل فؤاد عبيد
-
أساليب التعليم والتربية الحديثة
/ حسن صالح الشنكالي
-
اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با
...
/ علي أسعد وطفة
-
خطوات البحث العلمى
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا
...
/ سوسن شاكر مجيد
-
بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل
/ مالك ابوعليا
المزيد.....
|