أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين علي حياوي المؤذن - الأكسجين | روح الاحتراق ونبض الحياة - من ثورة لافوازييه إلى أزمة الأوزون















المزيد.....



الأكسجين | روح الاحتراق ونبض الحياة - من ثورة لافوازييه إلى أزمة الأوزون


حسين علي حياوي المؤذن
كاتب روائي باحث سياسي

(Hussein Ali Hayawi Al-mu’adhin)


الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 08:48
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


يأتي الأكسجين، الذي يحمل الرمز O والعدد الذري 8، ثامن العناصر في الجدول الدوري، وهو العنصر الأكثر وفرة في القشرة الأرضية من حيث الكتلة، إذ يشكل حوالي 46٪ من كتلة القشرة الصلبة، وأيضاً العنصر الأكثر وفرة في جسم الإنسان (حوالي 65٪ من كتلة الجسم)، وثاني أكثر الغازات وفرة في الغلاف الجوي بعد النيتروجين، حيث يشكل 20.95٪ من حجم الهواء الجاف. الأكسجين هو عنصر لا فلزي، ثنائي الذرة في الظروف القياسية O₂، غاز عديم اللون والطعم والرائحة، وضروري للحياة كما نعرفها، لأنه العامل المؤكسد النهائي في التنفس الخلوي الذي ينتج الطاقة (ATP) في الميتوكوندريا. الكتلة الذرية للأكسجين هي 15.999 غراماً لكل مول، وكثافته 1.429 غراماً لكل لتر عند STP، أي أنه أثقل قليلاً من الهواء (1.293). درجة غليانه منخفضة جداً: 183 درجة مئوية تحت الصفر (90.15 كلفن)، ودرجة انصهاره 218.8 درجة مئوية تحت الصفر (54.36 كلفن). للأكسجين تآصلان رئيسيان: الأكسجين ثنائي الذرة O₂ الذي نتنفسه، والأوزون ثلاثي الذرة O₃، وهو غاز أزرق شاحب سام ذو رائحة نفاذة، يوجد في طبقات الجو العليا ويحمي الأرض من الأشعة فوق البنفسجية الضارة، لكنه عند مستوى الأرض يعتبر ملوثاً هوائياً خطيراً. الأكسجين هو ثالث أكثر العناصر وفرة في الكون بعد الهيدروجين والهيليوم، ويتشكل في قلوب النجوم الضخمة من اندماج الكربون والهيليوم في مراحل لاحقة من عمر النجم. بدون الأكسجين، لا توجد نار، ولا حياة هوائية (باستثناء بعض الكائنات اللاهوائية التي تكره الأكسجين أو تموت بوجوده)، ولا طبقة أوزون تحمي اليابسة من الأشعة فوق البنفسجية، ولا أكاسيد معدنية تشكل جزءاً كبيراً من قشرة الأرض. لكن الأكسجين أيضاً هو سبب الصدأ، وتلف الأغذية، وحرائق الغابات، ومرض الإجهاد التأكسدي المرتبط بالشيخوخة والسرطان والالتهابات. مرة أخرى، نرى العنصر ذا الوجهين: شريان الحياة وعامل الموت، بلسم المدن الكبرى وسم المناطق الملوثة، وقود الصواريخ ومسبب التآكل.

قصة اكتشاف الأكسجين هي واحدة من أشهر القصص وأكثرها جدلاً في تاريخ الكيمياء، حيث تنافس عليها ثلاثة كيميائيين بارزين في أواخر القرن الثامن عشر، وتداخلت فيها السياسة والصداقات والعداوات. في عام 1772، قام الكيميائي السويدي كارل فلهلم شيله (وهو أحد أعظم الكيميائيين التجريبيين، مكتشف الكلور والمنغنيز والباريت وحمض الهيدروفلوريك وغيرها) بتسخين أكسيد الزئبق (HgO)، ونترات البوتاسيوم (KNO₃)، وكربونات الفضة (Ag₂CO₃) وغيرها، ولاحظ تصاعد غاز يدعم الاحتراق بقوة أكبر من الهواء العادي. أطلق شيله على هذا الغاز اسم "هواء النار" (fire air)، ووصف خواصه بالتفصيل في مخطوطة أرسلها إلى الناشر في عام 1775، لكن الناشر أخر نشر الكتاب حتى عام 1777، مما جعل شيله يفقد أولوية الاكتشاف. في عام 1774، قام الكيميائي الإنجليزي جوزيف بريستلي (وهو رجل دين وفيلسوف طبيعة، معروف باكتشافه للعديد من الغازات مثل الأمونيا وكلوريد الهيدروجين وأكسيد النيتروز) بتسخين أكسيد الزئبق باستخدام عدسة لامركزة لتجميع أشعة الشمس، ولاحظ تصاعد غاز يجعل الشمعة تحترق بلهب أكثر إشراقاً ويجعل فأراً يعيش لفترة أطول في وعاء مغلق. أطلق بريستلي على هذا الغاز اسم "الهواء المنزوع الفلوجستون" (dephlogisticated air)، وفقاً لنظرية الفلوجستون السائدة آنذاك (التي تفترض أن المواد القابلة للاحتراق تحتوي على مادة تسمى فلوجستون تتحرر عند الاحتراق). التقى بريستلي مع لافوازييه في باريس في أكتوبر 1774، وأخبره عن اكتشافه. عند عودته إلى إنجلترا، أرسل بريستلي عينة من الغاز إلى لافوازييه. وهنا يأتي دور أنطوان لافوازييه، الذي أجرى تجارب دقيقة على هذا الغاز، وأظهر أن وزنه يزداد عند احتراق الفسفور والكبريت والمعادن فيه، مما يناقض نظرية الفلوجستون التي كانت تقول إن الفلوجستون يتحرر ويقل الوزن. أدرك لافوازييه أن هذا الغاز هو عنصر جديد، وأطلق عليه اسم "oxygène" من الكلمة اليونانية "oxys" (حمضي) و "gennao" (أولد)، لأنه اعتقد (خطأً) أن هذا الغاز هو المكون الأساسي لجميع الأحماض (في الواقع الأحماض الخالية من الأكسجين مثل HCl و HBr و HI معروفة الآن، لكن معظم الأحماض الشائعة تحتوي على الأكسجين). في عام 1777، نشر لافوازييه نظريته عن الاحتراق والأكسدة، وقلب نظرية الفلوجستون رأساً على عقب، وأسس الكيمياء الحديثة. وقع نزاع مرير بين بريستلي ولافوازييه حول أولوية الاكتشاف، حيث اتهم بريستلي لافوازييه بالاستيلاء على فكرته. أما شيله فمات في عام 1786 قبل أن تنتشر شهرته. يكرم التاريخ اليوم جميع الثلاثة كرواد، لكن لافوازييه هو من وضع الأكسجين في مكانه الصحيح في الجدول الدوري. بعد الثورة الفرنسية، أعدم لافوازييه بالمقصلة في عام 1794 بتهمة جمع الضرائب، قيل إنه طلب تأخير الإعدام بضعة أيام لإكمال تجاربه، فرد رئيس المحكمة: "الجمهورية لا تحتاج إلى علماء". مات لافوازييه، ولكن الأكسجين بقي. في عام 1801، اكتشف الكيميائي الإنجليزي سميثسون تينانت (مكتشف الإيريديوم والأوزميوم) أن الماس يحترق في الأكسجين منتجاً ثاني أكسيد الكربون، مما أثبت أن الماس كربون نقي. في عام 1877، قام الكيميائيان الفرنسي لويس بول كايتيه والبولندي زيجمونت فروبلوسكي بتسييل الأكسجين لأول مرة باستخدام التبريد المتتالي وتأثير جول-طومسون. وفي عام 1891، اكتشف جيمس ديوار (مخترع وعاء ديوار العازل) الأكسجين السائل بكميات كبيرة، وبدأ استخدامه في الصناعة والطب والأبحاث.

من ناحية الوفرة الطبيعية والتوزيع، الأكسجين هو العنصر الأكثر وفرة في القشرة الأرضية (46.1٪ من الكتلة)، يليه السيليكون (28.2٪)، الألومنيوم (8.2٪)، الحديد (5.6٪)، الكالسيوم (4.2٪)، الصوديوم (2.5٪)، المغنيسيوم (2.4٪)، البوتاسيوم (2.0٪)، والتيتانيوم (0.6٪). يتواجد الأكسجين في القشرة في صورة سيليكات (معادن الصخور النارية مثل الكوارتز SiO₂، الفلسبار، الميكا، الأمفيبول)، وأكاسيد (هيماتيت Fe₂O₃، مغنتيت Fe₃O₄، البوكسيت Al₂O₃·nH₂O، والكوارتز نفسه)، وكربونات (الحجر الجيري CaCO₃، الدولوميت CaMg(CO₃)₂، المغنسيت MgCO₃)، وكبريتات (الجبس CaSO₄·2H₂O، الباريت BaSO₄)، ونترات (نترات الصوديوم NaNO₃ في صحراء أتاكاما)، وفوسفات (أباتيت Ca₅(PO₄)₃(OH,F,Cl)). الغلاف الجوي يحتوي على حوالي 1.2 × 10¹⁵ طن من الأكسجين (20.95٪ حجمياً، أو 23.2٪ كتلة). المحيطات تحتوي على كميات هائلة من الأكسجين المذاب (حوالي 6 ملغ لكل لتر في الماء البارد، وأقل في الماء الدافئ)، لكن معظم الأكسجين في الماء موجود في جزيء H₂O نفسه (حوالي 89٪ من كتلة الماء أوكسجين). الكتلة الحيوية (النباتات، الحيوانات، الكائنات الدقيقة) تحتوي على حوالي 0.01٪ من الأكسجين الأرضي، لكنها تلعب دوراً حيوياً في دورة الأكسجين: النباتات تطلق الأكسجين عبر البناء الضوئي (6CO₂ + 6H₂O + ضوء شمس → C₆H₁₂O₆ + 6O₂)، والكائنات الهوائية تستهلك الأكسجين في التنفس الخلوي (C₆H₁₂O₆ + 6O₂ → 6CO₂ + 6H₂O + ATP). دورة الأكسجين مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بدورة الكربون ودورة الماء. التوازن بين إنتاج الأكسجين بالبناء الضوئي واستهلاكه بالتنفس والتحلل والاحتراق كان مستقراً لملايين السنين، مما حافظ على تركيز الأكسجين الجوي حول 21٪. لكن حرق الوقود الأحفوري (الفحم، النفط، الغاز) يستهلك الأكسجين بمعدل 10-20 مليار طن سنوياً، وهو أقل بكثير من إجمالي الأكسجين الجوي (1.2 × 10¹⁵ طن)، لكنه يؤثر على التوازن الدقيق ويساهم في زيادة ثاني أكسيد الكربون. في المقابل، إزالة الغابات (خاصة الغابات المدارية المطيرة) تقلل من إنتاج الأكسجين، لكن التأثير على تركيز الأكسجين صغير جداً (لا يُلاحظ) لأن الغلاف الجوي ضخم. الأكسجين الحر (O₂) لم يكن موجوداً في الغلاف الجوي البدائي للأرض قبل 2.4 مليار سنة، بل كانت الأرض تحتوي على غازات اختزالية مثل الميثان والأمونيا وثاني أكسيد الكربون وبخار الماء. ظهر الأكسجين لأول مرة بكميات صغيرة نتيجة البناء الضوئي للسيانوبكتيريا (الطحالب الخضراء المزرقة) منذ حوالي 2.7 مليار سنة، مما تسبب في "كارثة الأكسجين" أو "حدث التكسير العظيم" (Great Oxygenation Event)، حيث قتل الأكسجين معظم الكائنات اللاهوائية التي كانت تهيمن على الأرض، وأدى إلى ترسب كميات هائلة من الحديد المؤكسد (تكوينات الحديد النطاقية Banded Iron Formations) في قاع المحيطات، وغير كيمياء المحيطات والتربة، ومهد الطريق لتطور الكائنات الهوائية، بما فيها البشر. منذ ذلك الحين، تراوحت مستويات الأكسجين بين 15٪ و 35٪، وبلغت ذروتها في العصر الكربوني (قبل 300 مليون سنة) عندما كانت الحشرات العملاقة (يعسوب بطول جناحي 70 سم) تعيش بسبب كثرة الأكسجين. انخفض الأكسجين إلى 21٪ حالياً، وهو ما نعتبره معياراً.

بالانتقال إلى الخواص الفيزيائية والذرية للأكسجين، نجد عنصراً شديد السالبية الكهربية، ثاني أعلى قيمة بعد الفلور. ترتيبه الإلكتروني هو 1s² 2s² 2p⁴، أي أن لديه ستة إلكترونات في غلاف التكافؤ (اثنان في 2s وأربعة في 2p). نصف القطر الذري حوالي 73 بيكومتر. طاقة التأين الأولى للأكسجين هي 1313.9 كيلوجول لكل مول (أقل من النيتروجين 1402.3، بسبب التنافر بين الإلكترونات المزدوجة في مدار 2p⁴). طاقة التأين الثانية 3388 كيلوجول لكل مول، الثالثة 5300، الرابعة 7469، الخامسة 10989، السادسة 13326، السابعة 71334، أي أن نزع الإلكترون السابع (من الغلاف الداخلي 1s) يحتاج طاقة هائلة. السالبية الكهربية للأكسجين على مقياس بولنغ هي 3.44 (ثاني أعلى بعد الفلور 3.98)، وعلى مقياس ألريد-روكو 3.5. هذه السالبية العالية تعني أن الأكسجين في مركباته يسحب الإلكترونات بقوة من العناصر الأخرى، مما يجعله مؤكسداً قوياً. جزيء الأكسجين O₂ له بنية إلكترونية فريدة: تربطه رابطة مزدوجة تساهمية (O=O) مع إلكترونين غير مزدوجين في مدارين π* مضادين للترابط (▂px و ▂py)، مما يجعله جزيئاً ثنائياً ذا حالة قاعية ثلاثية (triplet ground state)، أي أنه يحتوي على إلكترونين غير مزدوجين، وبالتالي فهو مغناطيسي مساير (paramagnetic). يمكن ملاحظة هذه الخاصية بوضوح: الأكسجين السائل ينصب بين قطبي مغناطيس قوي، بينما النيتروجين السائل لا يتأثر. طول رابطة O–O في O₂ هو 120.7 بيكومتر، وهو أقصر من رابطة O–O المفردة في بيروكسيد الهيدروجين H₂O₂ (149 بيكومتر) وأطول من الرابطة الثلاثية في أيون الأكسونيوم (O₂⁺) (112 بيكومتر). طاقة تفكك الرابطة في O₂ هي 498 كيلوجول لكل مول، وهي أقل بكثير من طاقة N≡N (941 كيلوجول لكل مول)، مما يفسر لماذا O₂ أكثر تفاعلاً من N₂، ولماذا يمكن كسر الرابطة O=O بسهولة عند التسخين (2000-3000 درجة مئوية) أو بوجود محفز (البلاتين، البلاديوم). الأكسجين السائل هو سائل أزرق شاحب جميل، كثافته 1.141 غرام لكل مليلتر عند نقطة غليانه (90.15 كلفن)، ولزوجته منخفضة. الأكسجين الصلب يكون بلورات مكعبة أو سداسية بلون أزرق فاتح أيضاً، ويوجد له ستة أطوار مختلفة تحت ضغوط ودرجات حرارة مختلفة، بما في ذلك الطور γ (مكعب) وطور β (سداسي) وطور α (أحادي الميل). عند ضغوط عالية جداً (أكثر من 10 جيجاباسكال)، يتحول الأكسجين الصلب إلى طور أحمر أو أسود، وقد يصبح فائق الناقلية عند درجات حرارة منخفضة (لم تؤكد بعد). التآصل الثاني للأكسجين هو الأوزون O₃، وهو جزيء زاوي (112.8 درجة)، غير متماثل، له رائحة نفاذة يشبه رائحة الهواء بعد العاصفة الرعدية (عندما يكسر البرق O₂ إلى O ذرات تتحد مع O₂ لتكوين O₃). الأوزون غاز أزرق باهت، سام، أكسدة أقوى من O₂، ويستخدم في تعقيم المياه وفي الصناعات الكيميائية. كثافة الأوزون 2.14 غرام لكل لتر عند STP، وله نقطة غليان 112 درجة مئوية تحت الصفر (161.3 كلفن). الأوزون غير مستقر حرارياً ويتحلل إلى O₂ فوق 100 درجة مئوية. في طبقة الستراتوسفير (على ارتفاع 20-30 كم)، يتركز الأوزون الطبيعي بتركيز 10-15 جزء في المليون، مكوناً "طبقة الأوزون" التي تمتص 97-99٪ من الأشعة فوق البنفسجية الضارة UV-B و UV-C، مما يحمي الحياة على الأرض. تدمير طبقة الأوزون بواسطة مركبات الكلوروفلوروكربون (CFCs) المستخدمة في الثلاجات ومكيفات الهواء وعلب الأيروسول، وكذلك بواسطة مركبات الهالون (طفايات الحريق) والميثيل بروميد (مبيد حشري)، أدى إلى ظهور "ثقب الأوزون" في أنتاركتيكا منذ الثمانينات. بروتوكول مونتريال (1987) وقعته 197 دولة لحظر إنتاج واستخدام المواد المستنفدة للأوزون، وقد نجح بشكل كبير: طبقة الأوزون تتعافى تدريجياً، ومن المتوقع عودتها إلى حالتها قبل عام 1980 بحلول 2050-2060. الأوزون على مستوى الأرض (الأوزون السطحي) هو ملوث ثانوي يتكون من تفاعل أكاسيد النيتروجين (NOx) والمركبات العضوية المتطايرة (VOCs) في وجود أشعة الشمس (الضباب الدخاني الكيميائي الضوئي). الأوزون السطحي يهيج الجهاز التنفسي، يقلل وظائف الرئة، يسبب نوبات الربو، ويساهم في تلف المحاصيل والغابات.

الخواص الكيميائية للأكسجين تجعله ثاني أكثر العناصر تفاعلية بعد الفلور. في درجات حرارة الغرفة، يتفاعل الأكسجين ببطء مع معظم الفلزات (الصدأ)، وبسرعة مع بعض اللافلزات (الفسفور الأبيض يشتعل تلقائياً في الهواء، الكبريت يتأكسد ببطء) ومع المواد العضوية (تزنخ الزيوت والدهون). عند التسخين، يتحد الأكسجين مع معظم العناصر (عدا الغازات النبيلة والذهب والبلاتين وبعض المعادن الأخرى) لتكوين أكاسيد. التفاعل مع الهيدروجين: 2H₂ + O₂ → 2H₂O، طارد للحرارة بشدة (ΔH = -286 كيلوجول لكل مول من H₂O)، ويستخدم في خلايا الوقود لتوليد الكهرباء والماء النقي، كما يستخدم في محركات الصواريخ (الأكسجين السائل مع الهيدروجين السائل). التفاعل مع الكربون: C + O₂ → CO₂ (احتراق كامل) أو 2C + O₂ → 2CO (احتراق غير كامل في نقص الأكسجين). التفاعل مع الكبريت: S + O₂ → SO₂ (ثاني أكسيد الكبريت، أحد ملوثات الهواء والسبب الرئيسي للأمطار الحمضية). التفاعل مع الحديد: 4Fe + 3O₂ → 2Fe₂O₃ (الصدأ)، عملية كهروكيميائية تحتاج إلى ماء وأكسجين، مسببة تلفاً هائلاً في الهياكل المعدنية (الجسور، السفن، خطوط الأنابيب، السيارات). التفاعل مع الألومنيوم: 4Al + 3O₂ → 2Al₂O₃ (طبقة أكسيد كثيفة تحمي الألومنيوم من مزيد من التآكل، ولهذا لا يصدأ الألومنيوم مثل الحديد). الأكاسيد الفلزية يمكن أن تكون أساسية (تتفاعل مع الأحماض لتكوين أملاح وماء)، أو حمضية (تتفاعل مع القلويات لتكوين أملاح وماء)، أو مذبذبة (تتفاعل مع كليهما). أكسيد الحديد III Fe₂O₃ أساسي (يتفاعل مع حمض الهيدروكلوريك)، أكسيد الكروم III Cr₂O₃ مذبذب، أكسيد المنغنيز VII Mn₂O򟿩 حمضي شديد (ينفجر عند ملامسته المواد العضوية). الأكسجين يتفاعل مع معظم المركبات العضوية في الاحتراق (الحرائق) وفي التمثيل الغذائي (التنفس). الاحتراق يتطلب وقودًا (مركب عضوي أو هيدروجين)، مؤكسدًا (عادة O₂)، وطاقة تفعيل (شرارة أو حرارة). التفاعل المتسلسل الجذري (جذور OH، HO₂، O) هو الذي يحافظ على اللهب. تقوم مثبطات اللهب (المواد المهلجنة مثل بروموكلورو ميثان) باصطياد الجذور وإطفاء النار. الأكسجين هو أقوى مؤكسد عملياً (بعد الفلور)، ويستخدم في العديد من العمليات الصناعية المؤكسدة: تحويل الإيثيلين إلى أكسيد الإيثيلين (مادة أولية للبولي إيثيلين جلايكول والمضاد للتجمد)، تحويل البروبيلين إلى أكريلونيتريل (للألياف الصناعية)، تحويل الميثانول إلى فورمالدهيد، تحويل الأمونيا إلى حمض النتريك (عملية أوستفالد)، تحويل الكبريت إلى حمض الكبريتيك (عملية الاتصال). أكسيد الهيدروجين H₂O (الماء) هو المركب الأكثر أهمية للأكسجين، وسوف نخصص له فقرات كثيرة عند الحديث عن الأوكسجين في الماء، ولكن نذكره هنا: الماء هو مذيب عالمي، وسيط التفاعلات الكيميائية الحيوية، ناقل للحرارة، مادة تبريد، ونعمة للحياة. بدون الماء، لا توجد حياة كما نعرفها. الماء له خواص شاذة: كثافته القصوى عند 4 درجات مئوية (لذلك تتجمد البحيرات من السطح إلى الأسفل، مما يسمح للحياة بالبقاء تحت الجليد)، وارتفاع درجة غليانه (100 درجة مئوية) بسبب الروابط الهيدروجينية، وسعته الحرارية العالية (4.18 جول لكل غرام لكل كلفن)، مما يجعله منظم حرارة ممتازاً. الماء يمتص الأكسجين من الهواء، وهذه الأكسجين المذاب هي التي تتنفسها الأسماك والكائنات المائية الأخرى. تلوث المياه (بالصرف الصحي، الأسمدة، المواد الكيميائية) يقلل الأكسجين المذاب، مما يؤدي إلى موت الأسماك (المناطق الميتة).

من ناحية النظائر، الأكسجين الطبيعي يتكون من ثلاثة نظائر مستقرة: أكسجين-16 (¹⁶O) بنسبة 99.757٪، أكسجين-17 (¹⁷O) بنسبة 0.038٪، وأكسجين-18 (¹⁸O) بنسبة 0.205٪. هذه النسب ليست ثابتة بشكل مطلق، فهي تختلف باختلاف المصدر (مياه المحيطات، مياه الأمطار، بخار الماء الجوي، الجليد القطبي، الصخور الرسوبية، الكائنات الحية). التغيرات الصغيرة في نسبة ¹⁸O/¹⁶O (معبراً عنها بـ δ¹⁸O) تستخدم في علم المناخ القديم (paleoclimatology) لتحديد درجات الحرارة في الماضي الجيولوجي: عندما يكون المناخ بارداً (عصور جليدية)، يتبخر الماء الخفيف ¹⁶O بسهولة أكبر من الماء الثقيل ¹⁸O، ويترسب في الثلوج القطبية، بينما يبقى ¹⁸O في المحيطات، فتكون نسبة δ¹⁸O في المحيطات مرتفعة (قيمة موجبة) وفي الجليد منخفضة (قيمة سالبة). من تحليل لب الجليد في أنتاركتيكا وغرينلاند (آلاف الأمتار من الجليد المتجمع على مدى 800,000 سنة)، يمكن إعادة بناء درجة حرارة الأرض عبر العصور. تستخدم نظائر الأكسجين أيضاً في علم المياه لتتبع مصادر المياه الجوفية (مياه الأمطار مقابل المياه الجوفية القديمة)، وفي علم الأحياء لتتبع التمثيل الغذائي، وفي علوم الغذاء لتحديد أصل المنتجات (العسل، النبيذ، العصائر)، وفي الطب الشرعي. النظائر المشعة: أكسجين-15 (¹⁵O) عمر نصف 122 ثانية، ينتج في السيكلوترونات من تفاعل ¹⁴N(d,n)¹⁵O أو ¹⁵N(p,n)¹⁵O، ويستخدم في التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET) لتصوير تدفق الدم واستهلاك الأكسجين في القلب والدماغ والرئتين. نظير أكسجين-14 (¹⁴O) عمر نصف 70.6 ثانية، وأكسجين-13 (¹³O) عمر نصف 8.58 ميلي ثانية، وليس لهما تطبيقات تذكر.

طرق تحضير الأكسجين النقي تعتمد على الاستخدام النهائي. في المختبرات الصغيرة، الطريقة التقليدية هي تسخين كلورات البوتاسيوم (KClO₃) مع ثاني أكسيد المنغنيز (MnO₂) كمحفز عند 200-300 درجة مئوية: 2KClO₃ → 2KCl + 3O₂. هذه الطريقة بسيطة وتعطي أكسجين نقاء 99٪. لكن لا تستخدم على نطاق واسع لأن كلورات البوتاسيوم مادة مؤكسدة قوية وخطيرة، وقد تنفجر إذا تم تسخينها بسرعة كبيرة. بديل آخر هو تسخين برمنغنات البوتاسيوم (KMnO₄): 2KMnO₄ → K₂MnO₄ + MnO₂ + O₂، لكن الإنتاجية أقل. الطريقة المختبرية الأنظف هي التحليل الكهربائي للماء مع كبريتات الصوديوم ككهارل: 2H₂O → 2H₂ + O₂ (عند أقطاب البلاتين أو النيكل). أكسجين عالي النقاوة (99.999٪) يستخدم في الطب والصناعات الإلكترونية. صناعياً، يتم إنتاج الأكسجين بكميات ضخمة (أكثر من 200 مليون طن سنوياً) بطريقتين رئيسيتين: التقطير التجزيئي للهواء المسال (cryogenic distillation)، وفصل الغازات بالامتزاز المتأرجح بالضغط (Pressure Swing Adsorption, PSA). في التقطير المبرد، يتم تبريد الهواء إلى -200 درجة مئوية، فيتسيل، ثم يُقطر في أعمدة طويلة. بسبب اختلاف نقاط الغليان (N₂: -196°C، Ar: -186°C، O₂: -183°C)، يمكن فصل الأكسجين النقي (99.5-99.9٪) والأرغون والنيتروجين. هذه الطريقة تستهلك طاقة كبيرة (حوالي 400 كيلوواط ساعة لكل طن أكسجين)، لكنها تنتج كميات ضخمة. تستخدم مصانع الفولاذ ومصانع الكيماويات ومحطات الطاقة ومستشفيات كبيرة. في PSA، يتم ضغط الهواء وتمريره على غربال جزيئي (زيوليت) يمتص النيتروجين والأرغون بشكل تفضيلي، بينما يمر الأكسجين (نقاوة 90-95٪). هذه الطريقة أقل تكلفة للطاقة، لكن نقاوة أقل، وتستخدم في التطبيقات الطبية (مكثفات الأكسجين للمرضى)، وفي الأوزون، وفي عمليات صغيرة. الأكسجين السائل يتم تخزينه في صهاريج مبردة (حوالي -183 درجة مئوية) وضغط منخفض، بينما الأكسجين الغازي يخزن في أسطوانات فولاذية عند ضغط 150-200 ضغط جوي. أسطوانة الأكسجين المعيارية (الحجم 50 لتراً) تحتوي على 10 أمتار مكعبة من الغاز عند الضغط الجوي (حوالي 14 كيلوغراماً من الأكسجين السائل المكافئ). النقل بالشاحنات المبردة شائع للأكسجين السائل بكميات كبيرة (10-30 طناً لكل شاحنة).

الدور البيولوجي للأكسجين هو الأهم على الإطلاق للحياة الهوائية. في التنفس الخلوي، تستقبل الميتوكوندريا (عضيات داخل الخلايا حقيقية النواة) الجلوكوز والأكسجين، وتنتج ثاني أكسيد الكربون والماء وATP (أدينوسين ثلاثي الفوسفات)، وهو جزيء الطاقة الذي يشغل كل العمليات الخلوية: الانقسام، تخليق البروتين، النقل النشط، التقلص العضلي، النبضات العصبية. المعادلة الإجمالية: C₆H₁₂O₆ + 6O₂ → 6CO₂ + 6H₂O + 32-38 ATP. تحدث العملية في سلسلة نقل الإلكترون (السلسلة التنفسية) داخل الغشاء الداخلي للميتوكوندريا، حيث يتم اختزال الأكسجين إلى ماء عبر أربعة إلكترونات: O₂ + 4e⁻ + 4H⁺ → 2H₂O. إنزيم السيتوكروم سي أوكسيديز (Complex IV) هو المسؤول عن هذه الخطوة، وهو معقد حديدي-نحاسي. إذا توقف تدفق الإلكترونات لسبب ما، يتراكم جزيء الأكسجين الجزئي المختزل (أيون الأكسيد الفائق O₂⁻⁻، بيروكسيد الهيدروجين H₂O₂، جذر الهيدروكسيل OH•)، وهي أنواع أكسجين تفاعلية (Reactive Oxygen Species, ROS) تسبب إجهاداً تأكسدياً، وتلحق الضرر بالحمض النووي والبروتينات والدهون، وتساهم في الشيخوخة، والسرطان، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والتهاب المفاصل، ومرض الزهايمر، وباركنسون، والتصلب المتعدد، والسكري، وغيرها من الأمراض التنكسية المزمنة. تحارب الخلايا هذه الجذور الحرة بواسطة مضادات الأكسدة (الجلوتاثيون، فيتامين C، فيتامين E، والسوبر أكسيد ديسموتاز SOD، الكاتالاز، البيروكسيداز). نقص الأكسجين (نقص التأكسج hypoxia) يحدث في المرتفعات العالية، أمراض الرئة (COPD، الربو، الالتهاب الرئوي)، فقر الدم، انسداد الشريان، أو عند الغرق. نقص الأكسجين الحاد يسبب الدوخة، الارتباك، فقدان الوعي، تلف الدماغ، والموت في غضون دقائق. العلاج بالأكسجين (استنشاق O₂ بنسبة 40-100٪) يستخدم في المستشفيات لمرضى القلب والرئة، وأثناء العمليات الجراحية، وفي غرف الضغط العالي (Hyperbaric Oxygen Therapy) لعلاج التسمم بأول أكسيد الكربون، الغرغرينا الغازية، الجروح غير القابلة للشفاء، ومرض تخفيف الضغط (المرض الغواصي). الأكسجين ضروري أيضاً لوظيفة الجهاز المناعي: خلايا الدم البيضاء (العدلات، الضامة) تستخدم الأكسجين لإنتاج ROS لقتل البكتيريا والفطريات والفيروسات (الانفجار التأكسدي). بعض البكتيريا اللاهوائية (مثل الكلوستريديوم) تموت في وجود الأكسجين، وهي تسبب أمراضاً مثل التيتانوس والغرغرينا والتسمم الغذائي. على النقيض، البكتيريا الهوائية والكائنات متعددة الخلايا تعتمد على الأكسجين. النباتات تنتج الأكسجين نهاراً (البناء الضوئي) وتستهلكه ليلاً (التنفس)، وهي مصدر كل الأكسجين الجوي تقريباً (باستثناء كميات ضئيلة من التحلل الضوئي لبخار الماء في الغلاف الجوي العلوي). حوالي 50-80٪ من الأكسجين الأرضي ينتج في المحيطات بواسطة العوالق النباتية (الدياتومات، السيانوبكتيريا). هذا الأكسجين هو الذي نتنفسه. لذلك، عندما نتحدث عن صحة المحيطات (التحمض، الاحترار، التلوث)، فإننا نتحدث عن مصدر الأكسجين الذي نعتمد عليه كل نفس.

التطبيقات الصناعية للأكسجين واسعة جداً، وتشمل تقريباً كل قطاع صناعي، وتستهلك حوالي 200 مليون طن سنوياً. التطبيق الأكبر هو في صناعة الصلب: في الفرن العالي، ينفخ الأكسجين النقي (بدلاً من الهواء) لتسريع احتراق فحم الكوك ورفع درجة الحرارة، ولتخفيض نسبة النيتروجين في الغاز المنتج (النيتروجين يتحد مع الحديد ليشكل نيتريدات تجعل الفولاذ هشاً). عملية الأكسجين الأساسية (Basic Oxygen Process, BOP) تنتج أكثر من 70٪ من الفولاذ العالمي. التطبيق الثاني هو في الصناعة الكيميائية: إنتاج أكسيد الإيثيلين، أكسيد البروبيلين، فورمالدهيد، حمض النتريك، حمض الكبريتيك، كلوريد الفاينيل، والأكريلونيتريل (لبوليمرات). التطبيق الثالث هو في معالجة المياه: حقن الأكسجين في أحواض المعالجة البيولوجية (للبكتيريا الهوائية التي تحلل النفايات العضوية)، وفي استعادة الأنهار والبحيرات (لزيادة الأكسجين المذاب ومنع الموت الجماعي للأسماك). التطبيق الرابع هو في الطب: أسطوانات الأكسجين للمستشفيات والطوارئ، مكثفات الأكسجين لمرضى الانسداد الرئوي المزمن (COPD)، العلاج بالأكسجين عالي الضغط، والتخدير (الغازات الطبية). التطبيق الخامس هو في صناعة الطيران والفضاء: الأكسجين السائل (LOX) يستخدم كمؤكسد مع وقود الهيدروجين السائل (LH2) أو الكيروسين (RP-1) في محركات الصواريخ، مثل محرك RS-25 في مكوك الفضاء، ومحرك RD-180 في الصاروخ أطلس، ومحرك 7 في الصاروخ سبيس إكس فالكون 9. أكسجين سائل مع هيدروجين سائل يعطى أعلى دفعة نوعية (ISP) بين الوقود الكيميائي (حوالي 450 ثانية). التطبيق السادس هو في اللحام والقطع: الأكسجين مع الأسيتيلين أو غاز البترول المسال (LPG) ينتج لهباً بدرجة حرارة 3000-3500 درجة مئوية لقطع المعادن (الصلب، الألومنيوم)، ولحام الأنابيب، ولحام الفولاذ المقاوم للصدأ. التطبيق السابع هو في صناعة الورق واللب (pulp and paper): يستخدم الأكسجين في عملية تبييض اللب بدلاً من الكلور، مما يقلل من التلوث العضوي المكلور (الديوكسينات). التطبيق الثامن هو في معالجة النفايات: حرق النفايات (الحرق في وجود أكسجين زائد) لتقليل الحجم وتوليد الطاقة. التطبيق التاسع هو في صناعة الزجاج: الأكسجين يستخدم في أفران الزجاج لتعزيز الاحتراق وتقليل أكاسيد النيتروجين. التطبيق العاشر هو في صناعة الإلكترونيات: الأكسجين عالي النقاوة يستخدم في ترسيب الأغشية الرقيقة لأشباه الموصلات (الأكسدة الحرارية للسيليكون لتشكيل SiO₂ كهازل)، وفي التنظيف (البلازما المؤكسدة). الأوزون (O₃) له تطبيقات خاصة به: تعقيم مياه الشرب ومياه حمامات السباحة (بدون الكلور، ولا يترك بقايا سامة)، تعقيم المعدات الطبية، إزالة الروائح والطعم من مياه الشرب، تبييض الأقمشة، وفي الصناعات الكيميائية (تكسير جزيئات المطاط، أكسدة المركبات العضوية). الأوزون في طبقة الستراتوسفير يحمي الأرض من الأشعة فوق البنفسجية، ولولاها لم تكن الحياة البرية ممكنة، لأن الأشعة فوق البنفسجية تسبب سرطان الجلد، وإعتام عدسة العين، وتثبيط جهاز المناعة، وتلف الحمض النووي، وموت العوالق النباتية. لذلك، فإن حماية طبقة الأوزون هي إحدى أهم قضايا البيئة العالمية، وقد نجح بروتوكول مونتريال في تقليل إنتاج المواد المستنفدة للأوزون بنسبة 98٪، ومن المتوقع أن تتعافى طبقة الأوزون بالكامل بحلول 2060-2070.

من ناحية كيمياء التنسيق وحالات الأكسدة، يظهر الأكسجين حالات أكسدة تتراوح من -2 (في معظم المركبات، مثل H₂O، CO₂، SiO₂، Fe₂O₃) إلى 0 (في O₂ و O₃) إلى +2 (في فلوريد الأكسجين OF₂، وهو مركب نادر شديد التفاعل، حيث الأكسجين مؤكسد، لكن الفلور أكثر سالبية، فيظهر الأكسجين حالة +2). هناك أيضاً بيروكسيدات (حالة أكسدة -1)، مثل بيروكسيد الهيدروجين H₂O₂، وبيروكسيد الصوديوم Na₂O₂، وبيروكسيد الباريوم BaO₂، وبيروكسيدات عضوية (R-O-O-R ) تستخدم في البلمرة والمتفجرات. الأكسيد الفائق (Superoxide) له حالة أكسدة -1/2 (أيون O₂⁻)، مثال KO₂ (فائق أكسيد البوتاسيوم)، يستخدم في أجهزة التنفس (مثل غواصات وأقنعة الغاز) لامتصاص CO₂ وإطلاق O₂: 4KO₂ + 2CO₂ → 2K₂CO₃ + 3O₂. الأوزونيد (Ozonide) له حالة أكسدة -1/3 تقريباً (أيون O₃⁻). في معقدات التنسيق، يمكن لجزيء O₂ أن يرتبط بالمعادن الانتقالية بطرق مختلفة: ارتباط جانبي (side-on) من خلال كلا ذرتي الأكسجين في σ و π (على غرار معقد الهيم في الهيموغلوبين والميوجلوبين، حيث O₂ يرتبط بالحديد الثنائي). ارتباط طرفي (end-on) من خلال ذرة أكسجين واحدة، إما خطي (M-O-O) أو منحني (M-O-O بزاوية). معقدات الأكسجين (oxo complexes) للأكسجين مع معادن في حالات أكسدة عالية (مثل Mn=O، Fe=O، Cr=O) تلعب دوراً رئيسياً في عمليات الأكسدة الحفزية (إنزيمات السيتوكروم P450، الكاتالاز، البيروكسيداز). مركبات الأكسجين مع الهالوجينات (باستثناء الفلور) غير مستقرة أو غير موجودة (Cl₂O، ClO₂، Cl₂O₇) وهي عوامل مؤكسدة قوية. مركبات الأكسجين مع النيتروجين (NO، NO₂، N₂O، N₂O₃، N₂O₅) مهمة في دورة النيتروجين وتلوث الهواء. الأكسجين هو العنصر الأكثر شيوعاً في الروابط في الجيوكيمياء (السيليكات، الكربونات، الفوسفات، الكبريتات، الأكاسيد البسيطة). بدون الأكسجين، معظم الصخور التي نعرفها لن توجد (الجرانيت، البازلت، الحجر الجيري، الرخام)، وستكون القشرة الأرضية طبقة من السيليكون غير المؤكسد والحديد النقي والألومنيوم النقي، وهو أمر لا يتوافق مع الحياة.

من ناحية التحديات والاتجاهات المستقبلية، يواجه الأكسجين تحديات متعددة ومتناقضة. أولاً، تلوث الهواء بأكاسيد النيتروجين والكبريت والمواد العضوية المتطايرة والأوزون السطحي والجسيمات الدقيقة يسبب ملايين الوفيات المبكرة سنوياً (حوالي 7 ملايين وفاة مرتبطة بتلوث الهواء حسب منظمة الصحة العالمية). تقليل انبعاثات NOx من السيارات والمصانع هو أولوية قصوى، ويتطلب محولات حفازة ثلاثية الاتجاه (تحول NOx إلى N₂)، ومحولات SCR (اختزال انتقائي حفاز باستخدام الأمونيا)، واستبدال محركات الاحتراق الداخلي بالسيارات الكهربائية في المناطق الحضرية. ثانياً، الاحترار العالمي: زيادة CO₂ في الغلاف الجوي تسبب تغير المناخ، لكن الأكسجين نفسه ليس غازاً دفيئاً (جزيء O₂ متماثل، لا يمتص الأشعة تحت الحمراء). لكن حرق الوقود الأحفوري يستهلك الأكسجين وينتج CO₂، والنباتات تنتج الأكسجين وتمتص CO₂. التغيرات في استخدام الأراضي (إزالة الغابات) تقلل من إنتاج الأكسجين، لكن الأكسجين الجوي وفير جداً (حوالي 21٪)، والتغيرات صغيرة جداً ولا تشكل خطراً مباشراً. ثالثاً، تحمض المحيطات: CO₂ الزائد يذوب في المحيطات مكوناً حمض الكربونيك، ويقلل pH المحيطات (زادت الحموضة بنسبة 30٪ منذ الثورة الصناعية). هذا يذبل أصداف الكائنات الجيرية (العوالق، المرجان، المحاريات)، ويؤثر على السلسلة الغذائية البحرية، وبالتالي على إنتاج الأكسجين بواسطة العوالق النباتية. رابعاً، تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه (CCS) تتطلب كميات كبيرة من الأكسجين: في عملية الاحتراق المؤكسد (Oxy-fuel combustion)، يتم حرق الوقود في جو من الأكسجين النقي بدلاً من الهواء، مما ينتج غاز عادم يتكون أساساً من CO₂ وبخار الماء، ويمكن بسهولة فصل CO₂ وتخزينه. هذه العملية تستهلك كهرباء لإنتاج الأكسجين (بتقطير الهواء)، مما يقلل الكفاءة الإجمالية للمحطة، لكنها طريقة واعدة لتقليل الانبعاثات من محطات الطاقة الحالية. خامساً، هناك بحوث متقدمة حول "الأكسجين الفائق" تحت ظروف الضغوط العالية جداً (ملايين الضغوط الجوية)، حيث قد يتحول الأكسجين الصلب إلى فلز، بل ويصبح فائق الناقلية عند درجات حرارة 100-200 كلفن، مما قد يفتح آفاقاً جديدة في فيزياء المواد وفي نقل الطاقة بلا خسائر. سادساً، العلاج بالأكسجين عالي الضغط (HBOT) يتوسع في تطبيقاته: علاج السكتات الدماغية، إصابات الدماغ الرضحية، الحروق، التصلب المتعدد، التوحد، وحتى مكافحة الشيخوخة. لكن الأدلة العلمية على فعالية HBOT في بعض هذه الحالات محدودة، وتستمر الدراسات. سابعاً، تطوير خلايا الوقود (Fuel Cells) التي تعمل بالهيدروجين والأكسجين (من الهواء) لإنتاج الكهرباء والماء النقي، وهي تقنية نظيفة وفعالة، لكنها لا تزال مكلفة بسبب أسعار البلاتين (كمحفز) ومشاكل تخزين الهيدروجين. خلايا الوقود ذات غشاء تبادل البروتونات (PEMFC) تستخدم الأكسجين من الهواء، وتنتج ما يصل إلى 60-70٪ كفاءة كهربائية، وتستخدم في السيارات الكهربائية (تويوتا ميراي، هوندا كلاريتي) والحافلات والقطارات، وفي توليد الطاقة الثابتة للمباني. تحدياتها: متانة الغشاء، تكلفة المحفز، وسمية البلاتين. ثامناً، استكشاف الفضاء: الأكسجين السائل والهيدروجين السائل هما الوقود المفضل للمرحلة الأولى للصواريخ الثقيلة (ساتورن 5، مكوك الفضاء، SLS، ستارشيب). لكن إنتاج الأكسجين على القمر والمريخ من الموارد المحلية (تكسير أكسيد الحديد أو سيليكات الألومنيوم) سيكون حيوياً للمستعمرات المستقبلية. المريخ له غلاف جوي رقيق يتكون أساساً من CO₂ (95٪)، ويمكن تحويل CO₂ إلى O₂ عبر عملية "مارس أوكسجين إسا" (MOXIE) التي طُبقت بنجاح على مركبة بيرسفيرانس. هذه التقنية تعتمد على التحليل الكهربائي لـ CO₂ في درجات حرارة عالية (800 درجة مئوية) لفصل الأكسجين عن الكربون.

ختاماً، الأكسجين هو العنصر الأكثر حيوية وتنوعاً في الجدول الدوري بعد الكربون. هو الذي جعل الحياة الهوائية ممكنة، ومكن الثورة الصناعية، وهو الآن مفتاح التحول إلى الطاقة النظيفة (خلايا الوقود) واستعمار الفضاء. مع كل شهيق، تدخل حوالي 5 × 10²² ذرة أكسجين إلى رئتيك، وتنتقل إلى الميتوكوندريا في كل خلية، وتنتج الطاقة التي تبقيك حياً وتفكر وتشعر وتتحرك. مع كل زفير، تخرج ثاني أكسيد الكربون الذي يمتصه النبات ليطلق الأكسجين من جديد. هذه الدورة الأزلية بين الأكسجين والكربون هي دورة الحياة نفسها. لكن تدخل البشر في دورة الكربون (بحرق الوقود الأحفوري وإزالة الغابات) قد خل خللاً في هذه الدورة، وأدى إلى تراكم CO₂ في الغلاف الجوي، وهو ما يهدد بتغيير المناخ وتحضض المحيطات، مما قد يؤثر في النهاية على توازن الأكسجين نفسه. الأكسجين هو روح الأرض، وهو هش في نفس الوقت. حماية جودة الهواء، وحماية طبقة الأوزون، وحماية الغابات والمحيطات، هي حماية لمصدر الأكسجين، وحماية لأنفسنا. في النهاية، كما قال الفيلسوف وعالم البيئة الأمريكي ألدو ليوبولد: "نحن نحب الأرض لأننا جزء منها، ونحميها لأننا نعتمد عليها". والأكسجين هو أرقى تجليات هذا الاعتماد. كل نفس هو معجزة كيميائية وبيولوجية وكوكبية، تستحق التأمل والشكر.



#حسين_علي_حياوي_المؤذن (هاشتاغ)       Hussein_Ali_Hayawi_Al-mu’adhin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البورون | شبه الفلز المعجزة - من تبلور الجلاميد إلى تسطير ال ...
- الكربون | عمود الحياة الفقري - من رحم النجوم إلى ذروة التكنو ...
- البيريليوم | الفلز الغامض بين الخفة والقوة - من الزمرد إلى ا ...
- الليثيوم | الفلز الخفيف الذي شحن العالم - من معادن البغماتيت ...
- الهيليوم | غاز الكون العزيز - من أطياف الشمس إلى موارد الأرض ...
- الهيدروجين | البروتون الأول - رحلة موسوعية من نشأة الكون إلى ...
- السيد السيستاني آخر العظماء
- بين ركام التردد وإرادة الشباب : قصة قانون حماية المسعف التطو ...
- الضربة الإيرانية لمركز الاستمطار السري في الإمارات – الحرب ا ...
- هرمز : الممر الذي كاد أن يشعل العالم
- أدبيات حزب الله اللبناني القتالية وفق التطورات الدولية
- بين ملمحة خرمشهر الموسيقية وخرمشهر الصاروخية : سقطت أسطورة إ ...
- العقل والتاريخ في مواجهة الأسطرة اللاهوتية
- معجزة المسيح السياسية
- أنطولوجيا النجاة
- الوعي في الفكر الإسلامي ما بين المعرفة و تحولات العولمة
- الفلسفة الأخلاقية | من النص إلى الوعي
- الأَغتيال الذي تم داخل الجسد .
- دراسة نقدية حول بحث - العولمة الاجتماعية و المجتمع المدني - ...
- دراسة نقدية في - كتاب الشيخ عبد الحسين القرملي - حياته و شعر ...


المزيد.....




- مقتل 8 من أفراد طاقم قاذفة من طراز B-52 إثر تحطمها في كاليفو ...
- احتياطي النفط الأمريكي بين حربي أوكرانيا وإيران.. مقارنة تكش ...
- بطلب من ماكرون.. زيلينسكي يبحث عن دعم في قمة مجموعة السبع
- قادة دول السبع والعالم ينتظرون وضوحًا أكبر بشأن اتفاق أمريكا ...
- تداعيات حرب إيران على طاولة قمة مجموعة السبع.. ماذا سيدُور خ ...
- فيل يُرعب ركاب سيارة تعطلت خلال رحلة سفاري (فيديو)
- عون يهنئ مسلمي لبنان بمناسبة حلول السنة الهجرية
- ترامب يتعهد بإعادة فتح هرمز دون رسوم.. وبيروت تصبح -محظورة- ...
- نجم الأوروغواي يشيد بأداء حارس الأخضر محمد العويس
- فانس: الولايات المتحدة تنتظر إعادة فتح مضيق هرمز -بدون رسوم- ...


المزيد.....

- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين علي حياوي المؤذن - الأكسجين | روح الاحتراق ونبض الحياة - من ثورة لافوازييه إلى أزمة الأوزون