|
|
النيتروجين | العنصر الخامل الذي يغذي الحضارة ويهدد النظم البيئية - من ثلاجة المختبرات إلى أزمة النترات
حسين علي حياوي المؤذن
كاتب روائي باحث سياسي
(Hussein Ali Hayawi Al-mu’adhin)
الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 08:49
المحور:
التربية والتعليم والبحث العلمي
يأتي النيتروجين، الذي يحمل الرمز N والعدد الذري 7، سابع العناصر في الجدول الدوري، وهو العنصر الأكثر وفرة في الغلاف الجوي للأرض، حيث يشكل حوالي 78.1 بالمئة من حجم الهواء الذي نتنفسه، لكنه في الوقت نفسه أحد أكثر العناصر خمولاً في صورته الجزيئية N₂، لدرجة أنه لا يتفاعل مع أي شيء تقريباً في الظروف العادية. النيتروجين هو عنصر لا فلزي، ثنائي الذرة في الظروف القياسية، غاز عديم اللون والطعم والرائحة، غير سام في ذاته، لكنه يسبب الاختناق إذا حل محل الأكسجين في هواء التنفس. الكتلة الذرية للنيتروجين هي 14.007 غراماً لكل مول، وكثافته 1.251 غراماً لكل لتر عند STP، أي أنه أخف قليلاً من الهواء (1.293 غرام لكل لتر). درجة غليانه منخفضة جداً: 195.8 درجة مئوية تحت الصفر، أي 77.35 كلفن، ودرجة انصهاره 210 درجة مئوية تحت الصفر (63.15 كلفن). النيتروجين هو العنصر الأساسي في البروتينات والأحماض النووية والجزيئات الحيوية الأخرى، وبدونه لا توجد حياة كما نعرفها، لكن المشكلة أن معظم النيتروجين على الأرض موجود في الغلاف الجوي بصورة غير متاحة للكائنات الحية، إلا عبر عمليات "تثبيت النيتروجين" التي تقوم بها بعض البكتيريا والطحالب، وبعض العمليات الفيزيائية (البرق) والآن صناعياً (عملية هابر-بوش). إن قدرة البشرية على تحويل النيتروجين الجوي إلى أمونيا ونترات بكميات هائلة هي التي جعلت الحضارة الحديثة ممكنة، وضاعفت عدد سكان الأرض بأكثر من أربعة أضعاف خلال القرن العشرين، لكنها أيضاً خلقت أزمة بيئية كبرى: تلوث المياه الجوفية بالنترات، التخثث في البحيرات والأنهار، تحمض التربة، وتكون مناطق ميتة في مصبات الأنهار والبحار الساحلية. النيتروجين إذن هو عنصر التناقضات: خامل في جوهره، لكنه في مركباته النشطة يغذي المجاعات أو يسبب الكوارث البيئية. وهو أيضاً أساس صناعة المتفجرات (الديناميت، TNT، النتروسليلوز، RDX)، مما يجعله شاهداً على طبيعة البشر المزدوجة في استخدام العلم للتدمير أو الإنشاء.
قصة اكتشاف النيتروجين تبدأ في أواخر القرن الثامن عشر، عندما بدأ الكيميائيون يتساءلون عن تكوين الهواء. كان الهواء يعتبر عنصراً بسيطاً في الفلسفة اليونانية، لكن تجارب الحرق والتنفس في القرن السابع عشر أظهرت أن جزءاً فقط من الهواء يدعم الاحتراق والتنفس (وهو الأكسجين الذي اكتشفه بريستلي وشيله ولافوازييه في سبعينيات القرن الثامن عشر). في عام 1772، قام الكيميائي الاسكتلندي دانيال رذرفورد (وهو تلميذ جوزيف بلاك) بتجربة بسيطة لكنها حاسمة: وضع فأراً في وعاء زجاجي مغلق حتى مات الفأر اختناقاً، ثم أحرق شمعة في نفس الوعاء حتى انطفأت، ثم مرر الهواء المتبقي على محلول قلوي لامتصاص ثاني أكسيد الكربون المتكون، وكان الباقي غازاً لا يدعم الاحتراق ولا التنفس. أطلق رذرفورد على هذا الغاز اسم "الهواء الفاسد" أو "الهواء المضر" (noxious air). وبشكل مستقل تقريباً، أجرى الكيميائي الإنجليزي هنري كافنديش (الذي عزل الهيدروجين من قبل) تجارب مماثلة، وأظهر أن هذا الغاز يشكل حوالي أربعة أخماس الهواء، وأطلق عليه "الهواء المختنق" (phlogisticated air). لكن كافنديش لم يذهب أبعد في تمييزه كعنصر. في عام 1777، أثبت أنطوان لافوازييه، الذي كان في خضم ثورته الكيميائية، أن الهواء يتكون بشكل أساسي من "غازين" أحدهما يدعم الاحتراق والتنفس (أكسجين) والآخر لا يدعمهما. أطلق لافوازييه على هذا الغاز الخامل اسم "azote" من الكلمة اليونانية "azotos" التي تعني "بدون حياة"، لأنه لا يدعم الحياة. هذا الاسم لا يزال مستخدماً في الفرنسية والإيطالية والإسبانية (الآزوت). أما الاسم الإنجليزي "nitrogen" فصاغه الكيميائي الفرنسي جان أنطوان كلود شابتال في عام 1790 من الكلمة اليونانية "nitron" (نتر، وهو البوتاس أو الصوديوم المستخدم في صنع البارود) وكلمة "gennao" (أولد)، أي "مولد النتر". وقد لاحظ الكيميائيون أن هذا الغاز يدخل في تركيب حمض النتريك (HNO₃) وأملاح النترات (مثل نترات البوتاسيوم KNO₃، نترات الصوديوم NaNO₃)، التي كانت معروفة منذ قرون في صناعة البارود. عزل النيتروجين في صورته النقية نسبياً تم على يد هنري كافنديش أيضاً، الذي مرر شرارات كهربائية على خليط من النيتروجين والأكسجين ليتكون أكسيد النيتروجين، ثم أحله في الماء، وهكذا حصل على نيتروجين نقي. بقيت كيمياء النيتروجين قليلة التطور حتى أواخر القرن التاسع عشر، عندما بدأ الاهتمام بالأمونيا وحمض النتريك كمواد خام للأسمدة والمتفجرات، مما دفع فريتز هابر وكارل بوش إلى تطوير عملية هابر-بوش (1908-1913) لتحويل النيتروجين الجوي والهيدروجين إلى أمونيا تحت ضغط عالٍ وحرارة ومحفز حديدي، وهي العملية التي غيرت العالم وغيرت وجه الزراعة والحرب والسكان.
من حيث الوفرة الطبيعية، النيتروجين هو العنصر السابع من حيث الوفرة في الكون، لكن نسبته في الكون أقل بكثير من الهيدروجين والهيليوم والأكسجين والكربون، حيث يشكل حوالي 0.1 بالمئة من عدد الذرات في الكون. في القشرة الأرضية، النيتروجين نادر جداً (حوالي 20 جزءاً في المليون)، لأنه لا يدخل في تركيب الصخور النارية أو المتحولة بسهولة، إلا في بعض المعادن النادرة مثل نترات الصوديوم (النتراتيل) في صحراء أتاكاما في تشيلي. لكن الخزان الرئيسي للنيتروجين على الأرض هو الغلاف الجوي، حيث تبلغ الكتلة الكلية للنيتروجين الجزيئي N₂ حوالي 4 × 10¹⁸ كيلوغرام، أي حوالي 78٪ من كتلة الغلاف الجوي الجاف. المصادر الطبيعية للنيتروجين المرتبط (الأمونيا والنترات) تشمل: عمليات البرق (حوالي 5-10 ملايين طن سنوياً، حيث يكسر البرق الرابطة الثلاثية القوية في N₂، ويتحد النيتروجين مع الأكسجين لتكوين أكاسيد النيتروجين NO و NO₂، التي تذوب في مياه الأمطار لتكوين حمض النتريك والنترات). أيضاً النشاط البركاني يطلق كميات صغيرة من النيتروجين الحر والأمونيا. النشاط البيولوجي لتثبيت النيتروجين: تقوم البكتيريا الحرة (مثال: Azotobacter، Clostridium) والبكتيريا المتكافلة مع جذور النباتات البقولية (Rhizobium) ومع بعض السراخس (أنابينا) بتحويل N₂ إلى أمونيا (NH₃) باستخدام إنزيم النيتروجيناز، وهي عملية تستهلك الكثير من الطاقة (16 جزيء ATP لكل جزيء N₂ مثبت)، وتنتج حوالي 100-200 مليون طن من النيتروجين الثابت سنوياً. أيضاً الطحالب الخضراء المزرقة (السيانوبكتيريا) تقوم بتثبيت النيتروجين في المحيطات والمياه العذبة. أما أهم مصدر بشري لتثبيت النيتروجين فهو عملية هابر-بوش، التي تنتج حوالي 150 مليون طن من الأمونيا سنوياً (أكثر من إجمالي التثبيت البيولوجي الطبيعي)، وتستخدم هذه الأمونيا أساساً لصنع الأسمدة النيتروجينية (اليوريا، نترات الأمونيوم، كبريتات الأمونيوم، نترات الكالسيوم)، التي غذت النمو السكاني المتسارع في القرن العشرين. لكن الجانب المظلم هو أن البشر أضعفوا دورة النيتروجين الطبيعية: فحوالي 50٪ من النيتروجين المطبق في الأسمدة لا تمتصه النباتات، بل يتسرب إلى المياه الجوفية (كميات هائلة من النترات تلوث آبار الشرب وتسبب متلازمة الطفل الأزرق)، أو يتحلل إلى أكاسيد النيتروجين (N₂O، NO، NO₂) التي تلوث الهواء، أو ينطلق إلى الغلاف الجوي كأمونيا أو N₂. أكسيد النيتروز (N₂O) هو غاز دفيء قوي جداً (أقوى بـ 298 مرة من CO₂ على مدى 100 عام)، وهو أيضاً مسؤول عن تآكل طبقة الأوزون الستراتوسفيرية. النيتروجين إذن هو عنصر أخرج البشرية من فقر التربة إلى وفرة الغذاء، لكنه الآن يهدد النظم البيئية المائية والهواء والمناخ.
بالانتقال إلى الخواص الفيزيائية والذرية للنيتروجين، نجد عنصراً فريداً في أبسط صوره. ترتيبه الإلكتروني هو 1s² 2s² 2p³، أي أن لديه خمسة إلكترونات في غلاف التكافؤ (اثنان في 2s وثلاثة في 2p). نصف القطر الذري للنيتروجين صغير جداً (حوالي 75 بيكومتر). طاقة التأين الأولى للنيتروجين عالية نسبياً (1402.3 كيلوجول لكل مول)، وهي أعلى من الأكسجين (1314) والكربون (1086) والبورون (800)، وذلك بسبب استقرار نصف ملء المدارات p (ثلاثة إلكترونات غير مزدوجة في المدارات 2px، 2py، 2pz). طاقة التأين الثانية عالية جداً (2856 كيلوجول لكل مول)، والثالثة (4578 كيلوجول لكل مول)، والرابعة (7475 كيلوجول لكل مول)، والخامسة (9445 كيلوجول لكل مول)، أي أن نزع إلكترون من النيتروجين صعب للغاية، وتكوين أيون N⁵⁺ شبه مستحيل في الظروف العادية. السالبية الكهربية للنيتروجين على مقياس بولنغ هي 3.04، وهي عالية جداً، ثالث أعلى قيمة بعد الفلور (3.98) والأكسجين (3.44)، مما يعني أن النيتروجين في مركباته يسحب الإلكترونات بقوة نحو نفسه، مكوناً روابط قطبية مع الكربون والهيدروجين والمعادن.
أما جزيء النيتروجين N₂، فهو أكثر الجزيئات استقراراً وكيميائياً بين جميع الجزيئات ثنائية الذرة (باستثناء الغازات النبيلة). الرابطة بين ذرتي النيتروجين هي رابطة ثلاثية تساهمية قوية جداً (N≡N)، طول الرابطة 109.8 بيكومتر، وطاقة تفكك الرابطة هائلة: 941 كيلوجول لكل مول (أو 225 كيلو كالوري لكل مول). هذا أعلى طاقة تفكك لأي رابطة ثنائية الذرة المعروفة، وهو ما يفسر خمول النيتروجين الجزيئي. لتكسير هذه الرابطة، تحتاج إلى طاقة هائلة جداً، إما كهربائياً (البرق أو شرارة كهربائية)، أو حرارياً (درجات حرارة تزيد عن 2000 درجة مئوية)، أو تحفيزياً (باستخدام محفزات الحديد في عملية هابر-بوش عند 400-500 درجة مئوية وضغط 200-300 ضغط جوي). عزم ثنائي القطب للـ N₂ هو صفر (جزيء متماثل)، لذا فهو لا يذوب في المذيبات القطبية (الذائبية في الماء 20 ملغ لكل لتر فقط). كثافة N₂ عند STP 1.251 غرام لكل لتر. سرعة الصوت في N₂ عند 20 درجة مئوية هي 349 متراً في الثانية، قريبة من سرعة الصوت في الهواء (343) لأن 78٪ من الهواء هو ن₂. النيتروجين السائل هو سائل عديم اللون شفاف، كثافته 0.808 غرام لكل مليلتر عند 77 كلفن، وله لزوجة منخفضة. لقد أصبح النيتروجين السائل مادة تبريد شائعة في المختبرات (لتبريد العينات البيولوجية، والموصلات الفائقة، وفي التجميد السريع للمواد الغذائية، وفي إزالة الثآول الجلدية (العلاج بالتبريد)، وفي صناعة الآيس كريم السريع. نقطة غليان N₂ (77.35 كلفن) هي ثاني أدنى نقطة غليان بين العناصر بعد الهيليوم (4.2 كلفن) والهيدروجين (20.3 كلفن). نقطة انصهاره 63.15 كلفن (210 درجة مئوية تحت الصفر). هناك حالة صلبة متعددة الأشكال للنيتروجين تحت ضغوط عالية جداً (فوق 100 جيجاباسكال)، حيث تتحول بلورات N₂ إلى بوليمرات ثلاثية الأبعاد مع روابط أحادية (N–N) ورابطة مزدوجة، تشكل مواد شديدة الكثافة ومتفجرة (تسمى بوليمرات النيتروجين)، وقد تكون هذه المواد شكلاً جديداً من "النيتروجين المعدني" أو "النيتروجين الفائق"، وهي قيد البحث في مختبرات الأبحاث. في ظروف درجات الحرارة المنخفضة جداً (أقل من 20 كلفن)، يتشكل النيتروجين السائل والصلب بشكل معقد، مع وجود تفاعلات ضعيفة من نوع فان دير فالس.
الخواص الكيميائية للنيتروجين في صورته الجزيئية N₂ هي "لا شيء تقريباً" في الظروف العادية. لا يتفاعل مع الماء، ولا مع الأحماض، ولا مع القواعد، ولا مع الأكسجين (إلا عند درجات حرارة عالية جداً أو في وجود شرارة كهربائية). يمكن لبعض المعادن النشطة جداً مثل الليثيوم والمغنيسيوم أن تتفاعل مع N₂ عند التسخين لتشكل نيتريدات: 6Li + N₂ → 2Li₃N، 3Mg + N₂ → Mg₃N₂. لكن التفاعل مع الصوديوم والبوتاسيوم لا يحدث (لأنهم ليسوا نشيطين بما يكفي لكسر الرابطة الثلاثية). النيتريدات الأيونية (مثل Li₃N، Mg₃N₂) تتفاعل مع الماء لتطلق الأمونيا: Mg₃N₂ + 6H₂O → 3Mg(OH)₂ + 2NH₃. توجد نيتريدات تساهمية، مثل نيتريد البورون BN (الذي يشبه الجرافيت، أو الماس في شكله المكعب)، ونيتريد السيليكون Si₃N₄ (مادة خزفية صلبة للحرارة). النيتريدات الفلزية للمعادن الانتقالية (مثل TiN، ZrN، VN) هي مواد صلبة لها مظهر ذهبي، مقاومة للتآكل، وموصلة كهربائياً، وتستخدم كطلاءات واقية لأدوات القطع والمجوهرات الرخيصة (طلاء TiN ذهبي اللون يستخدم على أدوات القطع والمثاقب، وأيضاً على بعض ساعات اليد والزخارف). كيمياء النيتروجين الحقيقية تبدأ في مركباته مع الهيدروجين والأكسجين والعناصر الأخرى. أبسط مركب هو الأمونيا NH₃، وهو غاز عديم اللون ذو رائحة نفاذة مميزة. الأمونيا قطبية، قابلة للذوبان في الماء بدرجة عالية (31٪ وزناً عند 25 درجة مئوية)، ومحلولها المائي قاعدي (NH₃ + H₂O ⇌ NH₄⁺ + OH⁻، ثابت القاعدية pKb = 4.75). الأمونيا هي المركب الوسيط الرئيسي لمعظم النيتروجين الصناعي: من الأمونيا تنتج الأسمدة (يوريا، نترات الأمونيوم، كبريتات الأمونيوم، فوسفات الأمونيوم)، وحمض النتريك (عن طريق أكسدة الأمونيا إلى NO ثم إلى NO₂ ثم امتصاصها في الماء)، والهيدرازين (N₂H₄، وقود الصواريخ السام)، والسيانيدات (من الأمونيا والفحم). تستخدم الأمونيا السائلة كمذيب أيوني (قاعدي) في الكيمياء اللاعضوية، فهي تذوب الفلزات القلوية (مثل الصوديوم) لتكوين محاليل زرقاء لامعة تحتوي على إلكترونات مذابة. تفاعل الأمونيا مع الأحماض يعطي أملاح الأمونيوم: NH₄Cl (كلوريد الأمونيوم)، (NH₄)₂SO₄ (كبريتات الأمونيوم)، NH₄NO₃ (نترات الأمونيوم)، وهو الملح الذي يشكل أساس العديد من المتفجرات (ANFO). المركب الثاني المهم هو حمض النتريك HNO₃، وهو حمض قوي ومؤكسد، سائل عديم اللون (لكن القديم يتحول للأصفر بسبب تحلله إلى NO₂). يستخدم حمض النتريك في إنتاج الأسمدة (نترات الأمونيوم، نترات البوتاسيوم، نترات الكالسيوم)، وفي تصنيع المتفجرات (TNT، النتروجليسرين، نيتروسليلوز)، وفي التخليل (تنقية المعادن، مثل إذابة الذهب والبلاتين في ماء الأكوا ريجيا (3 أجزاء HCl : 1 جزء HNO₃) لتشكيل كلوريدات قابلة للذوبان). حمض النتريك المركز (أكثر من 68٪ HNO₃) هو مؤكسد قوي، يتفاعل مع معظم الفلزات (عدا الذهب والبلاتين والروديوم) ليعطي أكاسيد النيتروجين والنترات المعدنية. مع النحاس: 3Cu + 8HNO₃ → 3Cu(NO₃)₂ + 2NO + 4H₂O. مع الحديد: الحديد الخامل لحمض النتريك المركز البارد بسبب تشكل طبقة أكسيد كثيفة (تسمى التخميل). المركب الثالث هو هيدرازين N₂H₄، وهو سائل عديم اللون سام وقابل للاشتعال، يستخدم كوقود للصواريخ (مع أكسيد النيتروجين كعامل مؤكسد)، وكمادة رغوية في صناعة البلاستيك، وفي خلايا الوقود، وفي المختبرات كعامل مختزل قوي. مشتقات الهيدرازين مثل ميثيل هيدرازين (CH₃NHNH₂) والدايميثيل هيدرازين غير المتماثل (UDMH) تستخدم وقوداً للصواريخ الفضائية (مثل صاروخ ساتورن 5 والصاروخ بروتون). أكاسيد النيتروجين (NO، NO₂، N₂O، N₂O₃، N₂O₅) هي عائلة واسعة: أكسيد النيتريك (NO) هو غاز سام يتكون داخل المحركات (من N₂ وO₂ في درجات حرارة عالية) وفي الجسم البشري كناقل عصبي مهم (يوسع الأوعية الدموية ويحافظ على ضغط الدم). ثنائي أكسيد النيتروجين (NO₂) هو غاز بني سام، مسؤول عن الضباب الدخاني البني في المدن الكبرى. N₂O (أكسيد النيتروز) هو غاز عديم اللون ذو طعم حلو، يعرف بـ "غاز الضحك"، يستخدم كمسكن للألم في طب الأسنان، وهو غاز دفيء قوي ومؤذٍ للأوزون. N₂O₅ هو صلب أبيض (أو سائل)، أنهيدريد حمض النتريك، يتفاعل مع الماء لإنتاج حمض النتريك. أكاسيد النيتروجين هي ملوثات هواء رئيسية، تساهم في تشكل المطر الحمضي، وتؤذي الجهاز التنفسي، وتؤدي إلى تكون الأوزون السطحي (الضباب الدخاني) وتآكل المباني.
من ناحية النظائر، النيتروجين الطبيعي يتكون من نظيرين مستقرين: نيتروجين-14 (¹⁴N) بنسبة 99.636 بالمئة، ونيتروجين-15 (¹⁵N) بنسبة 0.364 بالمئة. الفرق في الكتلة بين النظيرين هو 7.4٪، مما يسمح بحدوث تجزئة نظائرية كبيرة في العمليات الطبيعية (التثبيت البيولوجي، النترجة، نزع النتروجين، والتبخر والترسيب). يُستخدم تحليل نسبة ¹⁵N/¹⁴N (التعبير بـ δ¹⁵N) على نطاق واسع في البيئة والكيمياء الحيوية والعلوم الزراعية لتتبع أصل النيتروجين: هل هو من الأسمدة الاصطناعية (قيمة δ¹⁵N قريبة من الصفر)، أم من السماد العضوي (قيم δ¹⁵N موجبة أعلى)، أم من التثبيت البيولوجي (قيم δ¹⁵N سلبية قليلاً). يستخدم أيضاً في علم البيئة لتحديد المستوى الغذائي للكائنات الحية: كلما ارتفع المستوى الغذائي (مفترس قمة)، زادت قيمة δ¹⁵N بحوالي 3-5 أجزاء في الألف لكل مستوى. في الجيولوجيا، يستخدم ¹⁵N لتتبع مصادر النيتروجين في الصخور الرسوبية والنيازك. النظير المشع الوحيد ذو العمر نصف الطويل نسبياً هو نيتروجين-14، لكن عمره قصير جداً. النظير نيتروجين-13 (¹³N) عمر نصف 9.965 دقيقة، ينتج في السيكلوترونات من تفاعل ¹³C(p,n)¹³N أو ¹⁶O(p,α)¹³N، ويستخدم كمتتبع في التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET) في الطب النووي، خاصة في تدفق الدم في القلب (أمونيا ¹³N) وفي تصوير الكبد والكلى. نيتروجين-16 (¹⁶N) له عمر نصف 7.13 ثانية، وينتج في مفاعلات الطاقة النووية من تفاعل ¹⁶O(n,p)¹⁶N، ويمثل خطراً إشعاعياً كبيراً على عمال المفاعل، لأنه يصدر أشعة غاما عالية الطاقة ويمكن نقله بواسطة ماء التبريد. لا توجد تطبيقات صناعية لنظائر النيتروجين المشعة القصيرة العمر بخلاف تلك الطبية النادرة.
طرق تحضير النيتروجين النقي تعتمد على مصدره (من الهواء الجوي). الطريقة الأكثر شيوعاً في المختبرات هي تمرير الهواء فوق نحاس ساخن (حوالي 300 درجة مئوية) لإزالة الأكسجين (يتحد النحاس مع O₂ مكوناً CuO)، ثم يمرر الغاز الناتج على محلول قلوي لإزالة ثاني أكسيد الكربون، ثم على حمض الكبريتيك المركز لإزالة بخار الماء، فيتبقى غاز النيتروجين مع آثار من الغازات النبيلة (الأرغون أساساً، حوالي 1٪ من حجم الهواء). للحصول على نيتروجين عالي النقاوة (99.999٪)، تستخدم أعمدة الامتزاز المتأرجح بالضغط (PSA) التي تفصل N₂ عن O₂ و Ar و CO₂ باستخدام غربال جزيئي (زيوليت) أو باستخدام تقنيات التقطير المبرد (للهواء المسال: يُسيل الهواء ثم يُقطر لفصل النيتروجين (نقطة غليانه 77 كلفن) عن الأكسجين (نقطة غليانه 90 كلفن) والأرغون (87 كلفن). التقطير التجزيئي للهواء المسال هو الطريقة الصناعية لإنتاج النيتروجين والأكسجين والأرغون بكميات كبيرة (مليارات الأمتار المكعبة سنوياً). النيتروجين الناتج يستخدم كغاز خامل في العمليات الكيميائية (كروماتوغرافيا الغاز، كحامل للعينات الحساسة للهواء)، وفي لحام الأغذية (لإزالة الأكسجين وزيادة عمر التخزين)، وفي تغليف المواد القابلة للأكسدة، وفي صناعة الإلكترونيات (في عمليات الترسيب والتنظيف)، وفي التبريد (نيتروجين سائل). الإنتاج العالمي من النيتروجين الجزيئي (كناتج ثانوي من إنتاج الأكسجين) يبلغ حوالي 100 مليون طن سنوياً من النيتروجين الغازي، وآلاف الأطنان من النيتروجين السائل. لكن الكميات الأكبر بكثير هي من مركبات النيتروجين: الأمونيا (حوالي 180 مليون طن سنوياً، معظمها للأسمدة)، حمض النتريك (حوالي 60 مليون طن سنوياً)، نترات الأمونيوم (حوالي 40 مليون طن سنوياً)، اليوريا (حوالي 200 مليون طن سنوياً، وهي المادة الكيميائية النيتروجينية الأكثر إنتاجاً). يتم تحضير الأمونيا صناعياً حصرياً (99٪) عبر عملية هابر-بوش، باستخدام الهيدروجين (من الغاز الطبيعي عبر إعادة التشكيل بالبخار) والنيتروجين (من الهواء). الحفاز هو الحديد المسعر بأكاسيد الألومنيوم والبوتاسيوم والكالسيوم. التفاعل N₂ + 3H₂ ⇌ 2NH₃ طارد للحرارة (ΔH = -92.4 كيلوجول لكل مول)، وتستخدم ظروف الضغط المرتفع (200-300 ضغط جوي) ودرجة الحرارة المعتدلة (400-500 درجة مئوية) لتحويل التوازن نحو اليمين مع معدل مقبول. التحويل لمرور واحد هو 15-25٪ فقط، لذا يتم إعادة تدوير الغازات غير المتفاعلة. الأمونيا الناتجة يتم تكثيفها (كغاز يتكثف عند -33 درجة مئوية تحت ضغط جوي، ولكن عند الضغط العالي تتكثف عند درجة حرارة أعلى). هذه العملية تستهلك حوالي 1-2٪ من الطاقة العالمية وتنتج حوالي 1.4٪ من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية (لإنتاج الهيدروجين من الميثان)، لذلك هناك جهود لتطوير طرق بديلة لإنتاج الأمونيا الخضراء باستخدام التحليل الكهربائي للماء لإنتاج هيدروجين أخضر (من طاقة متجددة) ثم هابر بوش، أو باستخدام عمليات كهروكيميائية مباشرة تختزل N₂ في الماء لتكوين NH₃.
الدور البيولوجي للنيتروجين هو أساس الحياة، ولكنه أيضاً مصدر لكثير من الأمراض البيئية. يدخل النيتروجين في تركيب الأحماض الأمينية، التي تبنى منها البروتينات. البروتينات هي سلاسل من 20 حمضاً أمينياً، لكل منها مجموعة أمينية (-NH₂) ومجموعة كربوكسيل (-COOH) وسلسلة جانبية. تشمل البروتينات: الإنزيمات (محفزات لجميع التفاعلات الكيميائية في الخلية)، البروتينات الهيكلية (الكولاجين في الجلد والعظام، الكيراتين في الشعر والأظافر)، الناقلات (الهيموغلوبين للأكسجين، الألبومين للدهون)، الهرمونات (الإنسولين، هرمون النمو)، الأجسام المضادة (للدفاع المناعي). الأحماض النووية DNA و RNA تحتوي على قواعد نيتروجينية: الأدينين (A)، الجوانين (G)، السيتوزين (C)، الثايمين (T) في DNA، واليوراسيل (U) بدلاً من T في RNA. هذه القواعد هي التي تحمل الشفرة الوراثية: ترتيب القواعد في جزيء DNA يحدد تسلسل الأحماض الأمينية في البروتين، وبالتالي يحدد كل صفات الكائن الحي. بدون النيتروجين، لا توجد بروتينات ولا DNA، ولا حياة. يحتوي جسم الإنسان على حوالي 3 كيلوغرامات من النيتروجين (حوالي 3٪ من الكتلة الجافة)، ويتم استبدال حوالي 1-2٪ منه يومياً عن طريق تناول البروتينات الغذائية (حوالي 70-100 غرام بروتين يومياً). النباتات تحصل على النيتروجين من التربة في صورة نترات (NO₃⁻) أو أمونيوم (NH₄⁺)، وتدمجه في الأحماض الأمينية. الحيوانات تحصل على النيتروجين عن طريق أكل النباتات أو غيرها من الحيوانات. دورة النيتروجين في الطبيعة هي معقدة وتتضمن عدة عمليات: التثبيت (fixation): تحويل N₂ إلى NH₃ بواسطة البكتيريا أو البرق. النترجة (nitrification): تحويل NH₃ إلى NO₂⁻ (بواسطة بكتيريا Nitrosomonas) ثم إلى NO₃⁻ (بواسطة بكتيرia Nitrobacter). الاستيعاب (assimilation): امتصاص NH₄⁺ أو NO₃⁻ من قبل النباتات. إعادة التمعدن (ammonification): تحويل النيتروجين العضوي (في الموتى والمخلفات) إلى NH₄⁺ بواسطة المحللات (البكتيريا والفطريات). نزع النتروجين (denitrification): تحويل NO₃⁻ إلى N₂ (أو N₂O) بواسطة بكتيريا لاهوائية (Pseudomonas وغيرها)، وهي العملية التي تعيد النيتروجين إلى الغلاف الجوي وتغلق الدورة. بسبب النشاط البشري (الأسمدة، حرق الوقود الأحفوري، معالجة مياه الصرف)، أصبحت دورة النيتروجين مضطربة بشكل خطير. يتم إدخال حوالي 200 مليون طن من النيتروجين النشط (أي في صورة NH₃، NO₃⁻، NOx) إلى النظام البيئي سنوياً من الأنشطة البشرية، أي أكثر من معدلات التثبيت الطبيعية بنحو 2-3 مرات. هذا الفائض من النيتروجين يتسبب في: تلوث المياه الجوفية بالنترات (ما فوق 10 ملغ N/L يسبب "متلازمة الطفل الأزرق" (methemoglobinemia) حيث يحول النترات الهيموغلوبين إلى ميثيموغلوبين لا يحمل الأكسجين، مهدداً حياة الرضع). التخثث (eutrophication) في البحيرات والأنهار والمناطق الساحلية، حيث يؤدي النيتروجين والفسفور الزائد إلى ازدهار الطحالب (algal blooms) التي تستهلك الأكسجين عندما تموت وتتحلل، مما يخلق مناطق ميتة خالية من الأكسجين تقتل الأسماك والكائنات البحرية. أكبر منطقة ميتة في العالم توجد في خليج المكسيك (عند مصب نهر المسيسيبي)، وتبلغ مساحتها حوالي 20,000 كيلومتر مربع. في البحر الأسود وبحر البلطيق وبحر الصين، مناطق ميتة مماثلة. تحمض التربة: النترات الزائدة تتسرب مع أيونات الكالسيوم والمغنيسيوم، مما يخفض pH التربة ويطلق أيونات الألومنيوم السامة، مما يضر بالنباتات. تلوث الهواء بأكاسيد النيتروجين (NOx) من عوادم السيارات ومحطات الطاقة، والتي تشكل الضباب الدخاني والأوزون السطحي والجسيمات الدقيقة (PM2.5) التي تسبب أمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية. انبعاث أكسيد النيتروز N₂O، وهو غاز دفيء قوي ومؤذٍ للأوزون. يتطلب حل أزمة النيتروجين العالمية إجراءات متعددة: تحسين كفاءة استخدام الأسمدة (الزراعة الدقيقة، التطبيق في الوقت المناسب، استخدام مثبطات النترجة واليوريز)، المعالجة البيولوجية لمياه الصرف الصحي والصناعية (نزع النتروجين والفوسفور)، تقليل انبعاثات NOx من عوادم السيارات (محفزات ثلاثية الاتجاه، محفزات SCR)، استعادة النيتروجين من النفايات (إنتاج السماد العضوي واستخراج النيتروجين كأسمدة)، وتشجيع النظم الزراعية المتجددة (تناوب المحاصيل، محاصيل التغطية، الحراجة الزراعية). الأسمدة النيتروجينية هي نعمة ونقمة في نفس الوقت: بدونها، سينخفض إنتاج الغذاء العالمي بنسبة 50٪ تقريباً، وسيعاني مليارات البشر من الجوع، لكن الإسراف في استخدامها يخلق كوارث بيئية. التوازن هو السر.
التطبيقات الصناعية للنيتروجين ومركباته واسعة ومتعددة بشكل لا يصدق، وهي تشمل تقريباً كل قطاع صناعي وزراعي وعسكري وطبي. التطبيق الأكبر (من حيث الحجم) هو الأسمدة النيتروجينية: اليوريا (CO(NH₂)₂)، نترات الأمونيوم (NH₄NO₃)، كبريتات الأمونيوم ((NH₄)₂SO₄)، نترات الكالسيوم (Ca(NO₃)₂)، وفوسفات الأمونيوم (MAP، DAP). بدون هذه الأسمدة، لا يمكن للزراعة الحديثة دعم 8 مليارات نسمة. الأسمدة النيتروجينية تزيد إنتاج المحاصيل بمقدار 3-5 أضعاف مقارنة بالتربة غير المخصبة، وتمتص حوالي 60-70٪ من إنتاج الأمونيا العالمي. التطبيق الثاني هو المتفجرات: نترات الأمونيوم هي المكون الرئيسي لـ ANFO (مزيج نترات الأمونيوم مع زيت الوقود)، وهو المتفجر الأكثر استخداماً في التعدين والبناء (حوالي 80٪ من المتفجرات الصناعية). كما تستخدم نترات الأمونيوم في إنتاج الديناميت (الديناميت يحتوي على النتروجليسرين الممتص في مادة مسامية مثل الدياتوميت)، وTNT (ثلاثي نيترو التولوين) يتم إنتاجه بنترة التولوين بحمض النتريك والكبريتيك، وRDX (ثلاثي نيترو ثلاثي أزاسيكلوهكسان) هو متفجر عالي القوة يستخدم في الذخائر العسكرية، وهما يحتويان على النيتروجين من حمض النتريك. النتروجليسرين (glyceryl trinitrate) هو متفجر شديد الحساسية، يستخدم في صناعة الديناميت، ويستخدم أيضاً في الطب كموسع للأوعية الدموية لعلاج الذبحة الصدرية (يخفف آلام الصدر). التطبيق الثالث هو غاز النيتروجين نفسه: كغاز خامل للحماية من الأكسدة (في تغليف الأغذية، حفظ الزيوت والدهون، تخزين المواد الكيميائية الحساسة للهواء)، كغاز حامل في كروماتوغرافيا الغاز (GC)، كغاز مضغوط لدفع السوائل (في الرشاشات)، كغاز تبريد (النيتروجين السائل في التجميد السريع للأغذية واللقاحات والعينات البيولوجية، في التبريد في المختبرات، في إزالة الثآول الجلدية، في إنتاج الآيس كريم السائل، وفي الصناعات الإلكترونية (تبريد الأجهزة). التطبيق الرابع هو صناعة البوليمرات: النايلون (polyamide) مصنوع من حمض الأديبيك (من النيتروجين) وهكساميثيلين ثنائي الأمين (من النيتروجين)، والبوليمرات الأخرى مثل البولي يوريثان (يحتوي على مجموعات يوريثان من الأمونيا وثاني أكسيد الكربون). التطبيق الخامس هو صناعة الإلكترونيات: يستخدم النيتروجين عالي النقاوة في الترسيب الكيميائي للبخار (CVD)، في تنظيف الرقاقات، وفي أجواء خاملة أثناء تصنيع أشباه الموصلات. يستخدم نيتريد السيليكون (Si₃N₄) كطبقة عازلة وكطبقة حماية في الدوائر المتكاملة. التطبيق السادس هو الطب: أكسيد النيتروز (غاز الضحك) يستخدم كمسكن للألم وكمخدر خفيف في طب الأسنان والعمليات الصغرى، والأمونيا تستخدم في بعض مستحضرات التنشيط (أملاح الإغماء). التطبيق السابع هو الصناعات العسكرية: وقود الصواريخ (الهيدرازين ومشتقاته)، ومكونات المتفجرات، ومكونات الأقنعة الواقية (مواد كيميائية لامتصاص غازات الحرب). التطبيق الثامن هو تكرير النفط: تستخدم الأمونيا في تحييد الأحماض في أجزاء التكرير، وتستخدم أكاسيد النيتروجين في بعض العمليات. التطبيق التاسع هو معالجة المياه: تستخدم الأمونيا في تنقية المياه (لتكوين الكلورامين مع الكلور، وهو مطهر أبطأ لكنه يبقى لفترة أطول في شبكات التوزيع). التطبيق العاشر هو الصناعات الغذائية: غاز N₂ يستخدم في تعبئة الأغذية "في جو معدل" (modified atmosphere packaging) لإطالة العمر الافتراضي للخبز واللحوم والجبن والسلطات والفواكه المجففة، كما يستخدم في إزالة الأكسجين من زجاجات النبيذ قبل السدادة. كما يستخدم النيتروجين السائل في "تجفيد" المنتجات الغذائية بشكل فوري (الآيس كريم الفوري، الفواكه المجمدة الفورية). هذا التنوع الهائل في التطبيقات يجعل النيتروجين واحداً من أهم العناصر الصناعية بعد الكربون والحديد والسيليكون.
من ناحية كيمياء التنسيق وحالات الأكسدة، يظهر النيتروجين حالات أكسدة تتراوح من -3 (في الأمونيا NH₃) إلى +5 (في حمض النتريك HNO₃ والنترات). الحالات الوسيطة: -2 (في الهيدرازين N₂H₄)، -1 (في الهيدروكسيل أمين NH₂OH)، 0 (في الجزيء N₂)، +1 (في أكسيد النيتروز N₂O)، +2 (في أكسيد النيتريك NO)، +3 (في النيتروز HNO₂ والنيتريت NO₂⁻)، +4 (في ثنائي أكسيد النيتروجين NO₂). النيتروجين في معقدات التنسيق يمكن أن يكون ربيطة (ligand) بعدة طرق: جزيء N₂ نفسه يمكن أن يرتبط بالمعادن الانتقالية، مكوناً معقدات ثنائي النيتروجين (dinitrogen complexes)، وهي معقدات تحاكي عمل إنزيم النيتروجيناز. هذه المعقدات تعتبر نماذج للبحث عن محفزات صناعية لتثبيت النيتروجين في ظروف معتدلة. أشهر المعقدات هي [Ru(NH₃)₅(N₂)]²⁺ و [Fe(N₂)(dppe)₂] (dppe = diphenylphosphinoethane). الأمونيا نفسها ترتبط كربيطة من خلال زوج إلكترونها الحر، لتكوين معقدات أمين معدنية، مثل [Cu(NH₃)₄]²⁺ (أزرق اللون، يستخدم في اختبار الكشف عن النحاس). أكاسيد النيتروجين، وخاصة NO، هي ربيطات شائعة في الكيمياء العضوية الفلزية (nitrosyl complexes)، حيث يمكن لـ NO أن يرتبط كمادة ربيطة خطية أو منحنية، ويمكن أن ينقل إلكترونات بين المعدن و NO. معقدات النيتروزيل (مثل Na₂[Fe(CN)₅NO] المعروف باسم نتروبروسيد الصوديوم) تستخدم في الطب لعلاج ارتفاع ضغط الدم وفي تحليل الكيتونات. أيون النترات (NO₃⁻) يمكن أن يرتبط كمادة ربيطة أحادية السن أو ثنائية السن عبر ذرتي أكسجين. في كيمياء المتفجرات، معقدات النيترامين (مثل RDX و HMX) هي مركبات نيتروجينية عضوية عالية الطاقة.
من ناحية التحديات والاتجاهات المستقبلية، فإن النيتروجين يواجه أزمة مزدوجة: أزمة بيئية من جهة، وأزمة طاقة واستدامة من جهة أخرى. على المستوى البيئي، يجب تقليل "البصمة النيتروجينية" للبشرية بنسبة 50-75٪ بحلول 2050 للعودة إلى حدود الكوكب الآمنة. ذلك يتطلب سياسات طموحة: فرض ضرائب على الأسمدة في المناطق المفرطة في الاستخدام، تقديم دعم للأسمدة المبطئة الإطلاق (slow-release fertilizers) وأسمدة الهيدروجيل، وتطوير نظم زراعية متكاملة تستخدم البقوليات لتثبيت النيتروجين الحيوي، وإعادة تدوير النيتروجين من مياه الصرف الصحي والسماد الحيواني، وتطبيق تقنيات الزراعة الدقيقة (GPS، الاستشعار عن بعد، التطبيق متغير المعدل). في قطاع النقل، تطبيق معايير انبعاثات أكثر صرامة (يورو 6، EPA 2010)، واستبدال محركات الديزل القديمة، وتعزيز السيارات الكهربائية وتقليل احتراق الوقود الأحفوري. في قطاع الصناعة، تحويل عمليات هابر-بوش إلى استخدام الهيدروجين الأخضر (من التحليل الكهربائي للماء بالطاقة المتجددة)، وتطوير عمليات كهروكيميائية لتثبيت N₂ مباشرة (باستخدام محفزات الليثيوم أو الموليبدينوم). تطوير عمليات إزالة النتروجين الحيوية (denitrification) لمياه الصرف الصحي، واستعادة النيتروجين كسماد (باستخدام تقنيات الامتزاز أو الغشاء). هناك أيضاً إمكانية لاستخدام النيتروجين كحامل للهيدروجين: الأمونيا (NH₃) تحتوي على 17.6٪ هيدروجين وزناً، ويمكنها تخزين الهيدروجين بكثافة أعلى من الهيدروجين المضغوط، ويمكن نقلها عبر خطوط الأنابيب والسفن بسهولة أكبر، ثم تحويلها مرة أخرى إلى H₂ و N₂ بواسطة محفز أو تحللها في خلايا الوقود الأمونيا مباشرة. اليابان وألمانيا والصين تستثمر في "اقتصاد الأمونيا" كبديل للهيدروجين النقي. تحدٍ آخر هو أكسيد النيتروز (N₂O) المنبعث من التربة المخصبة بالأسمدة وعمليات إنتاج حمض الأديبيك (لإنتاج النايلون). هناك تقنيات لتكسير N₂O إلى N₂ و O₂ باستخدام محفزات عند 400-500 درجة مئوية، لكنها مكلفة. في الجانب الإيجابي، يمكن استخدام النيتروجين في احتجاز الكربون: الأمونيا تتفاعل مع CO₂ لتكوين كربونات الأمونيوم أو البيكربونات، والتي يمكن دفنها تحت الأرض. لكن الطلب على الأمونيا سيزداد مع تحول العالم إلى الطاقة النظيفة (لأن الأمونيا حامل هيدروجين)، مما يزيد الضغط على دورة النيتروجين. من المتوقع أن يرتفع إنتاج الأمونيا من 180 مليون طن حالياً إلى 300-400 مليون طن بحلول 2050، معظمها من الهيدروجين الأخضر، مما سيساهم في خفض انبعاثات الكربون (إذا تم استبدال الهيدروجين الرمادي)، لكنه سيزيد من إطلاق النيتروجين النشط في البيئة (ما لم يتم احتواء التسرب). التوازن بين الأمن الغذائي وحماية البيئة هو التحدي الأكبر للنيتروجين في القرن الحادي والعشرين. هناك مبادرة عالمية تسمى "إعلان كولكاتا للنيتروجين" و"أهداف النيتروجين" (Nitrogen Targets) التي تهدف إلى خفض نصف هدر النيتروجين بحلول 2030. كما أن الأمم المتحدة أطلقت "الموضوع حول النيتروجين" في عام 2018، وأنشأت "برنامج الإدارة المستدامة للنيتروجين" (INMS) لتقييم الوضع العالمي وتطوير الحلول.
ختاماً، النيتروجين هو عنصر التناقضات الجميلة: هو خامل لدرجة أنه شكل 78٪ من هوائنا دون أن يتفاعل مع شيء، لكنه في مركباته مع الهيدروجين والأكسجين يصبح المصدر الوحيد للبروتينات والأحماض النووية التي تبني الحياة. هو مفتاح ثورة الغذاء التي رفعت مليارات البشر من الفقر والجوع، وهو أيضاً وقود المتفجرات التي دمرت مدناً وقتلت ملايين. هو هدية الطبيعة للزراعة، لكنه سلاح الدمار البيئي الجماعي عندما يسيء البشر استخدامه. النيتروجين في دورته يذكرنا بأن كل عنصر كيميائي هو جزء من نظام معقد، والتلاعب به بدون فهم عواقبه يؤدي إلى اختلالات قد تستغرق عقوداً لتصحيحها. من النيتروجين السائل في مطابخ الجزيئات، إلى أكاسيد النيتروجين في عوادم السيارات، إلى الأمونيا في الحقول، إلى غاز الضحك في عيادات الأسنان، إلى نترات الأمونيوم في مناجم الفحم، إلى الحمض النووي في نواة كل خلية حية، النيتروجين هو شاهد على عظمة الكيمياء وتواضعها، على قدرتها على خلق الحياة وإشعال الموت، على تغذية البشرية وتهديد بيئتها. المستقبل سيكون نيتروجينياً بلا شك: إما أن نتعلم إدارة دورة النيتروجين بحكمة، أو أن ندفع ثمن جشعنا وجهالتنا في صورة أنهار ميتة، وطبقات أوزون رقيقة، ومناخ مضطرب، ومياه شرب مسمومة. الخيار بين هذين السيناريوين هو خيارنا كعلماء وكمواطنين كيميائيين.
#حسين_علي_حياوي_المؤذن (هاشتاغ)
Hussein_Ali_Hayawi_Al-mu’adhin#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الأكسجين | روح الاحتراق ونبض الحياة - من ثورة لافوازييه إلى
...
-
البورون | شبه الفلز المعجزة - من تبلور الجلاميد إلى تسطير ال
...
-
الكربون | عمود الحياة الفقري - من رحم النجوم إلى ذروة التكنو
...
-
البيريليوم | الفلز الغامض بين الخفة والقوة - من الزمرد إلى ا
...
-
الليثيوم | الفلز الخفيف الذي شحن العالم - من معادن البغماتيت
...
-
الهيليوم | غاز الكون العزيز - من أطياف الشمس إلى موارد الأرض
...
-
الهيدروجين | البروتون الأول - رحلة موسوعية من نشأة الكون إلى
...
-
السيد السيستاني آخر العظماء
-
بين ركام التردد وإرادة الشباب : قصة قانون حماية المسعف التطو
...
-
الضربة الإيرانية لمركز الاستمطار السري في الإمارات – الحرب ا
...
-
هرمز : الممر الذي كاد أن يشعل العالم
-
أدبيات حزب الله اللبناني القتالية وفق التطورات الدولية
-
بين ملمحة خرمشهر الموسيقية وخرمشهر الصاروخية : سقطت أسطورة إ
...
-
العقل والتاريخ في مواجهة الأسطرة اللاهوتية
-
معجزة المسيح السياسية
-
أنطولوجيا النجاة
-
الوعي في الفكر الإسلامي ما بين المعرفة و تحولات العولمة
-
الفلسفة الأخلاقية | من النص إلى الوعي
-
الأَغتيال الذي تم داخل الجسد .
-
دراسة نقدية حول بحث - العولمة الاجتماعية و المجتمع المدني -
...
المزيد.....
-
-300 مليار دولار-.. كيف تحولتُ لمشكلة أمام ترامب في الاتفاق
...
-
-البحث عن مخرج-.. كيف تغلبت إدارة ترامب على شكوك إيران للتوص
...
-
غوتيريس يطلب الصفح من ضحايا العصابات في هايتي ويأسف لعجزه عن
...
-
مجلس الشيوخ يحبط المحاولة التاسعة لكبح صلاحيات ترمب الحربية
...
-
فانس في كتابه الجديد: الفجوة بين أوكرانيا وروسيا في القدرات
...
-
رشوان: الرفض المصري لتهجير الفلسطينيين أسس لموقف عربي وإقليم
...
-
موظف مسلح يطلق النار داخل مستشفى أمريكي ويصيب شخصين
-
مكوّنة من 14 نقطة.. وكالة -بلومبيرغ- تنشر مسودة مذكرة التفاه
...
-
صحيفة -يونغه فيلت-: المشاركون في قمة مجموعة السبع مستعدون لت
...
-
ترامب يكشف ملامح اتفاق مع إيران يمنعها من امتلاك سلاح نووي و
...
المزيد.....
-
فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا
/ رضا لاغة
-
العملية التربوية
/ ترجمة محمود الفرعوني
-
تكنولوجيا التدريس
/ ترجمة محمود الفرعوني
-
تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول]
...
/ ترجمة / أمل فؤاد عبيد
-
تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني]
...
/ ترجمة / أمل فؤاد عبيد
-
أساليب التعليم والتربية الحديثة
/ حسن صالح الشنكالي
-
اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با
...
/ علي أسعد وطفة
-
خطوات البحث العلمى
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا
...
/ سوسن شاكر مجيد
-
بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل
/ مالك ابوعليا
المزيد.....
|