أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين علي حياوي المؤذن - النيون | ضوء المدينة الخالد والغاز النبيل الأكثر تمرداً على التفاعل - من شرارات المختبر إلى وهج لاس فيغاس وأزمة الرقائق الإلكترونية















المزيد.....



النيون | ضوء المدينة الخالد والغاز النبيل الأكثر تمرداً على التفاعل - من شرارات المختبر إلى وهج لاس فيغاس وأزمة الرقائق الإلكترونية


حسين علي حياوي المؤذن
كاتب روائي باحث سياسي

(Hussein Ali Hayawi Al-mu’adhin)


الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 08:12
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


يأتي النيون، الذي يحمل الرمز Ne والعدد الذري 10، عاشر العناصر في الجدول الدوري، وهو ثاني الغازات النبيلة بعد الهيليوم، وأكثرها شهرة في الثقافة الشعبية بفضل توهجه البرتقالي الأحمر الساطع الذي يزين شوارع المدن الكبرى منذ أكثر من قرن. النيون هو عنصر لا فلزي، غاز في الظروف القياسية، أحادي الذرة، عديم اللون والرائحة والطعم، وخامل كيميائياً إلى درجة أنه يكاد يكون العنصر الوحيد الذي رفض بعناد تكوين أي مركب كيميائي مستقر مع أي عنصر آخر، حتى في أقسى الظروف المختبرية. الكتلة الذرية للنيون هي 20.1797 غراماً لكل مول، وهو خامس أكثر العناصر وفرة في الكون من حيث الكتلة، بعد الهيدروجين والهيليوم والأكسجين والكربون، لكنه نادر بشكل مذهل على كوكب الأرض، حيث لا يشكل سوى 18.2 جزءاً في المليون من الغلاف الجوي، أي أقل بعشر مرات من الأرغون وأقل بأربعة آلاف مرة من النيتروجين. كثافة النيون عند STP هي 0.9002 غرام لكل لتر، أي أنه أخف من الهواء (1.293) بنحو 30٪، لكنه أثقل من الهيليوم بخمس مرات تقريباً. درجة غليان النيون منخفضة جداً: 246.08 درجة مئوية تحت الصفر (27.07 كلفن)، ودرجة انصهاره 248.59 درجة مئوية تحت الصفر (24.56 كلفن)، مما يجعله واحداً من أبرد المواد السائلة المتاحة تجارياً، بعد الهيليوم والهيدروجين. النيون هو الغاز النبيل الوحيد الذي لا يشكل أي مركب كيميائي معروف حتى اليوم، على عكس الأرغون والكريبتون والزينون والرادون التي شكلت مركبات مع الفلور والأكسجين في ظروف قاسية. هذا الخمول المطلق، إلى جانب طيفه الانبعاثي الفريد، جعل النيون أيقونة ثقافية وعلمية في آن واحد: هو ضوء المدن الكبرى، وهو مبرد فائق للتقنيات الفضائية، وهو الآن في قلب أزمة جيوسياسية تهدد صناعة الرقائق الإلكترونية العالمية.

قصة اكتشاف النيون هي واحدة من أكثر القصص دراماتيكية وإثارة في تاريخ الكيمياء، لأنها لم تكن مجرد اكتشاف عنصر جديد، بل كانت تتويجاً لسعي دام أكثر من قرن لفهم ما تبقى في الهواء بعد إزالة جميع الغازات المعروفة. في عام 1894، كان الفيزيائي الإنجليزي جون ويليام ريليه والكيميائي السير وليام رامزي قد اكتشفا الأرغون، أول غاز نبيل، بعد أن لاحظ ريليه أن كثافة النيتروجين المحضر كيميائياً تختلف عن كثافة النيتروجين المستخلص من الهواء، مما يشير إلى وجود غاز أثقل مختلط به. بعد اكتشاف الأرغون، أدرك رامزي أن هناك فجوة في الجدول الدوري بين الهيليوم (الذي اكتشف في الشمس عام 1868) والأرغون، وأنه يجب أن يوجد غاز نبيل آخر بوزن ذري بينهما. في مايو 1898، شرع رامزي ومساعده الشاب موريس ترافيرز في مهمة شاقة: تبريد كمية كبيرة من الهواء السائل، ثم تركها تتبخر ببطء، وجمع الغازات التي تتصاعد في مراحل مختلفة. كانا يبحثان عن غاز خفيف يملأ الفراغ بين الهيليوم والأرغون. في تجربة أولى، قاما بتبخير 15 لتراً من الأرغون السائل ببطء، وجمعا الأجزاء الأولى من الغاز المتصاعد (الأكثر تطايراً)، ثم أدخلا العينة إلى مطياف ذري. وما أن أضاءا الأنبوب، حتى انبهرا بوهج أحمر برتقالي ساطع لم يسبق لهما رؤيته من قبل. كتب ترافيرز لاحقاً: "لم يكن هناك شك في أن الغاز كان جديداً. كان الطيف الأحمر للغاز الجديد، مع خطوطه الخضراء والزرقاء العديدة، أجمل مشهد طيفي رأيته في حياتي". أطلق رامزي على العنصر الجديد اسم "نيون" من الكلمة اليونانية "نيوس" التي تعني "جديد"، تكريماً لاكتشافه الجديد. كان النيون ثاني غاز نبيل يتم اكتشافه بعد الأرغون، وسرعان ما تبعه الكريبتون في نفس العام، ثم الزينون بعد أسابيع قليلة. لكن النيون لم يكن مجرد عنصر جديد في الجدول الدوري؛ لقد كان مفاجأة حقيقية للكيميائيين، لأنه أظهر أن هناك عائلة كاملة من الغازات الخاملة تنتظر الاكتشاف. حصل رامزي على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1904 تقديراً لاكتشافاته للغازات النبيلة، بما فيها النيون، ووضعها في مكانها الصحيح في الجدول الدوري.

لكن اكتشاف النيون لم يكن سوى البداية. استغرق الأمر أكثر من عقد من الزمان حتى يجد النيون طريقه إلى التطبيقات العملية، وكان الفضل في ذلك للمهندس والمخترع الفرنسي جورج كلود. في عام 1902، كان كلود يعمل على تطوير عمليات صناعية لتسييل الهواء بكميات كبيرة، باستخدام تأثير جول-طومسون، ونجح في إنتاج كميات تجارية من النيتروجين والأكسجين السائلين. لكن المنتج الثانوي لهذه العملية كان خليطاً من الغازات النبيلة، بما فيها النيون. أدرك كلود أن النيون، بتوهجه البرتقالي الأحمر الفريد عند تمرير تيار كهربائي من خلاله، يمكن أن يكون مادة مثالية للإضاءة. في عام 1910، عرض كلود أول مصباح نيون تجاري في معرض باريس للسيارات، وكان أنبوباً زجاجياً طويلاً مملوءاً بالنيون، يبعث وهجاً أحمر ساطعاً جذب أنظار الجميع. في عام 1912، بدأ كلود في تسويق لافتات النيون التجارية، وسرعان ما انتشرت في شوارع باريس ولندن ونيويورك. كانت أول لافتة نيون في الولايات المتحدة قد اشتراها صاحب متجر سيارات في لوس أنجلوس عام 1923، وكتبت عليها عبارة "Packard" باللون الأحمر البرتقالي، وجذبت الزبائن من على بعد ميلين. منذ ذلك الحين، أصبح النيون مرادفاً للإعلانات المضيئة والليل الحضري، رغم أن معظم لافتات "النيون" اليوم لا تحتوي على النيون فعلياً، بل على الأرغون والزئبق والفسفور لإنتاج ألوان مختلفة. لكن الاسم بقي. كلود لم يتوقف عند الإضاءة؛ فقد استخدم أيضاً عمليات التسييل لإنتاج الطاقة من فروق درجات الحرارة في المحيطات (طاقة المحيطات الحرارية)، وطور عملية كلود لإنتاج الأمونيا، لكن إرثه الأكبر يبقى تحويل النيون من فضول معملي إلى صناعة عالمية.

من ناحية الوفرة الطبيعية والتوزيع، النيون هو غاز كوني بامتياز. في الكون، يحتل النيون المرتبة الخامسة من حيث الوفرة بعد الهيدروجين والهيليوم والأكسجين والكربون، حيث يشكل حوالي 0.13٪ من الكتلة الكونية. يتكون النيون في قلوب النجوم الضخمة من خلال عملية احتراق الكربون، حيث تندمج نواتا الكربون-12 لتشكل نيون-20، ثم يتحول النيون لاحقاً إلى أكسجين ومغنيسيوم في مراحل لاحقة من حياة النجم. في المستعرات الأعظمية، يُقذف النيون إلى الفضاء بين النجمي، حيث يندمج في سحب الغاز والغبار التي تشكل أنظمة شمسية جديدة. لكن على الأرض، النيون نادر بشكل مدهش. لا يتواجد في القشرة الأرضية بكميات تذكر (حوالي 0.005 جزء في المليون)، ولا يشكل معادن مستقلة، ولا يدخل في تركيب الصخور. مصدره الوحيد على الأرض هو الغلاف الجوي، حيث يوجد بتركيز 18.2 جزءاً في المليون حجمياً، أي أن كل متر مكعب من الهواء يحتوي على حوالي 18 ملليلتراً من النيون. هذا يعني أنه لاستخراج كيلوغرام واحد من النيون النقي، يجب معالجة حوالي 55,000 متر مكعب من الهواء، وهي عملية شاقة ومكلفة. بالمقارنة، الأرغون يوجد في الهواء بتركيز 0.93٪، أي 9,300 جزء في المليون، أي أكثر بـ 500 ضعف من النيون. لذلك، النيون هو أغلى الغازات النبيلة بعد الزينون والرادون، ويباع بسعر يتراوح بين 100 و 500 دولار للتر الواحد في الظروف القياسية، حسب النقاوة والطلب. بعض المصادر الجيولوجية النادرة، مثل الغازات البركانية وبعض الآبار العميقة، قد تحتوي على تركيزات مرتفعة من النيون قليلاً، لكنها لا تشكل مصادر تجارية. النيون الموجود في الغلاف الجوي هو مزيج من النظائر الثلاثة المستقرة، لكن نسبها ليست ثابتة تماماً، كما سنرى. النيون الذي يتسرب من الغلاف الجوي إلى الفضاء بكميات ضئيلة بسبب خفته، لكن الجاذبية الأرضية كافية لاحتجاز معظمه، على عكس الهيليوم الذي يهرب بسهولة.

بالانتقال إلى الخواص الفيزيائية والذرية للنيون، نجد غازاً نبيلاً مثالياً في كل شيء تقريباً. ترتيبه الإلكتروني هو 1s² 2s² 2p⁶، أي أن غلافه الخارجي مكتمل تماماً بثمانية إلكترونات، مما يمنحه استقراراً استثنائياً وخمولاً كيميائياً مطلقاً. نصف القطر الذري للنيون صغير (حوالي 58 بيكومتر في نصف القطر التساهمي، و154 بيكومتر في نصف قطر فان دير فالس). طاقة التأين الأولى للنيون هي 2080.7 كيلوجول لكل مول، وهي ثاني أعلى قيمة بعد الهيليوم (2372 كيلوجول لكل مول)، مما يعني أن نزع إلكترون من النيون يتطلب طاقة هائلة جداً، ولا يحدث إلا في ظروف البلازما أو التعرض لأشعة جاما. طاقة التأين الثانية هي 3952.3 كيلوجول لكل مول، والثالثة 6122 كيلوجول لكل مول، مما يجعل تأين النيون أكثر صعوبة من أي عنصر آخر تقريباً. الميل الإلكتروني للنيون قريب من الصفر (أقل من 0 كيلوجول لكل مول، أي أنه لا يميل إلى اكتساب إلكترون). السالبية الكهربية للنيون على مقياس بولنغ هي الأعلى بين الغازات النبيلة (4.79 على مقياس باولنغ المعدل، لكنها لا تُقاس عادة لأن النيون لا يشكل روابط). هذا الخمول الإلكتروني يعني أن النيون لا يتفاعل مع أي شيء، ولا يشكل أي مركب كيميائي مستقر، حتى مع الفلور الذي يهاجم جميع العناصر الأخرى. في عام 2016، ادعى فريق من الباحثين في جامعة هلسنكي أنهم تمكنوا من تحضير مركب نيون-صوديوم (Na₂Ne) تحت ضغط 100 جيجاباسكال، لكن هذا المركب كان غير مستقر في الظروف العادية، ولا يعتبر مركباً كيميائياً حقيقياً بالمعنى التقليدي، بل هو مجرد احتجاز لذرات النيون في فراغات الشبكة البلورية للصوديوم. حتى الآن، لا يوجد أي مركب معترف به للنيون في أي ظرف من الظروف. هذا يجعل النيون العنصر الوحيد الذي لم يشكل أي مركب كيميائي على الإطلاق، وهو تفرد مطلق بين 118 عنصراً.

جزيء النيون هو أحادي الذرة، أي أن كل ذرة نيون تتصرف كجزيء منفرد، ولا ترتبط مع ذرة نيون أخرى لتشكل جزيء Ne₂. القوى بين ذرات النيون هي قوى فان دير فالس الضعيفة جداً، ولهذا فإن درجة غليانه منخفضة جداً (27.07 كلفن)، ونقطة انصهاره أقل (24.56 كلفن). النيون السائل هو سائل عديم اللون شفاف، كثافته 1.207 غرام لكل مليلتر عند نقطة غليانه، وهو أقل كثافة من الماء ولكن أثقل من النيتروجين السائل (0.808) والهيدروجين السائل (0.071) والهيليوم السائل (0.125). النيون السائل له حرارة تبخر منخفضة (1.71 كيلوجول لكل مول) وحرارة انصهار منخفضة (0.335 كيلوجول لكل مول)، مما يجعله مبرداً فعالاً جداً عند درجات حرارة منخفضة، لكنه ليس فعالاً مثل الهيليوم السائل في التبريد إلى أقل من 4 كلفن. النيون الصلب يتبلور في النظام البلوري المكعب مركزي الوجه (FCC)، وله لون أبيض أو شفاف. تحت ضغوط عالية جداً (أكثر من 100 جيجاباسكال)، يمكن للنيون الصلب أن يتحول إلى أطوار بلورية مختلفة، لكن هذه الأطوار ليست ذات أهمية عملية. النيون له سرعة صوت عالية في الحالة الغازية (435 متراً في الثانية عند 0 درجة مئوية)، وهي أعلى من سرعة الصوت في الهواء (343)، مما يعني أن الصوت ينتقل فيه بشكل أسرع، وهي خاصية تستخدم في بعض التطبيقات الصوتية. النيون له موصلية حرارية منخفضة (49.1 ملي واط لكل متر لكل كلفن)، مما يجعله عازلاً حرارياً جيداً نسبياً للغازات، لكنه أقل من الأرغون (17.7 ملي واط) في العزل. النيون مغناطيسي معاكس (diamagnetic)، أي أنه يضعف المجال المغناطيسي المطبق عليه، لكن تأثيره ضعيف جداً.

الخواص الكيميائية للنيون، كما أشرنا، هي "لا شيء". لا يتفاعل مع أي عنصر أو مركب في أي ظرف من الظروف القياسية. لا يتفاعل مع الأحماض أو القواعد، ولا مع الأكسجين أو الهيدروجين أو النيتروجين أو الكربون أو الكلور أو الفلور، ولا مع أي مادة مؤكسدة أو مختزلة. لا يذوب في الماء بكميات تذكر (ذائبيته في الماء عند 20 درجة مئوية حوالي 10.5 ملليغرام لكل لتر، أي أقل من ذائبية الهيليوم). لا يشتعل ولا يدعم الاحتراق. لا يشكل أي أكاسيد، هيدريدات، هاليدات، أو أي مركبات أخرى. يمكن القول إن النيون هو العنصر الوحيد الذي يحقق فعلياً مفهوم "الخمول المطلق" في الكيمياء، حتى مقارنة بالهيليوم الذي يمكن أن يشكل بعض المركبات تحت ضغوط عالية جداً. النيون هو أيضاً العنصر الوحيد الذي لا يظهر أي حالة أكسدة، لأنه ببساطة لا يشكل روابط. في الكيمياء التنسيقية، لا يمكن للنيون أن يكون ربيطة (ligand) لأي معدن، لأنه لا يمتلك زوجاً إلكترونياً حراً يمكن أن يتبرع به لتكوين رابطة تناسقية (على عكس الأمونيا أو الماء أو أول أكسيد الكربون). حتى في حالة البلازما، حيث تتأين ذرات النيون لتشكل أيونات Ne⁺ و Ne²⁺، فإن هذه الأيونات لا تشكل مركبات مستقرة، بل تتحد مع الإلكترونات لتشكل ذرات نيون محايدة مرة أخرى.

من ناحية النظائر، النيون الطبيعي هو مزيج من ثلاثة نظائر مستقرة: نيون-20 (²⁰Ne) بنسبة 90.48٪، نيون-21 (²¹Ne) بنسبة 0.27٪، ونيون-22 (²²Ne) بنسبة 9.25٪. هذه النسب ليست ثابتة في جميع العينات، فهناك تباينات طبيعية ناتجة عن عمليات جيولوجية ونووية. النظيران ²¹Ne و ²²Ne هما نظيران "نوويو التكوين" (nucleogenic)، أي أنهما ينتجان من تفاعلات نووية طبيعية في القشرة الأرضية: يتكون ²¹Ne من تفاعل ¹⁸O(α,n)²¹Ne، حيث تلتقط نواة الأكسجين-18 جسيم ألفا وتطلق نيوتروناً، ويتكون ²²Ne من تفاعل ²⁵Mg(n,α)²²Ne، حيث تمتص نواة المغنيسيوم-25 نيوتروناً وتطلق جسيم ألفا. هذه التفاعلات تحدث في الصخور الغنية باليورانيوم والثوريوم، حيث تنتج جسيمات ألفا من اضمحلال هذه العناصر المشعة. أما النظير ²⁰Ne، فهو النظير الأكثر وفرة والأكثر غموضاً، لأنه لا ينتج عن تفاعلات نووية معروفة في الأرض، بل يعتقد أنه من أصل كوني بدائي، أي أنه محتجز في باطن الأرض منذ تكوين الكوكب. تختلف نسب النظائر في عينات مختلفة: في صخور الغرانيت الغنية باليورانيوم، تكون نسبة ²⁰Ne/²²Ne منخفضة ونسبة ²¹Ne/²²Ne مرتفعة بسبب الإنتاج النووي الإضافي لـ ²¹Ne و ²²Ne. في عينات الوشاح الأرضي (مثل بازلت قاع المحيط)، تكون نسبة ²⁰Ne مرتفعة نسبياً، مما يشير إلى وجود "نيون شمسي" محتجز في باطن الأرض منذ تكوينها. في الألماس، تم العثور على نسب نظائرية مماثلة للنيون الشمسي، مما يدعم فرضية أن بعض النيون في باطن الأرض هو من أصل شمسي بدائي. تستخدم هذه الاختلافات النظائرية في علم الجيولوجيا لتتبع مصادر الصهارة، وتحديد عمر الصخور، ودراسة تاريخ الغلاف الجوي للأرض. النظائر المشعة للنيون قصيرة العمر جداً ولا توجد في الطبيعة بكميات تذكر. النظير ¹⁹Ne له عمر نصف 17.2 ثانية، ويتحلل بإصدار بوزيترون (β⁺) إلى فلور-19. النظير ²³Ne له عمر نصف 37.2 ثانية، ويتحلل بإصدار إلكترون (β⁻) إلى صوديوم-23. هذه النظائر لا تستخدم في التطبيقات العملية بسبب قصر عمرها، لكنها تستخدم في بعض الأبحاث الفيزيائية النووية.

طرق تحضير النيون النقي تعتمد حصرياً على التقطير التجزيئي للهواء المسال، لأن النيون ليس له مصدر طبيعي آخر قابل للاستغلال تجارياً. العملية تبدأ بضغط الهواء الجوي وتبريده إلى ما دون -200 درجة مئوية، حيث يتسيل الهواء إلى سائل. ثم يُقطر الهواء السائل في أعمدة تقطير عالية، حيث تفصل الغازات حسب نقاط غليانها المختلفة: النيتروجين (-196 درجة مئوية) يتصاعد أولاً، يليه الأرغون (-186 درجة مئوية)، ثم الأكسجين (-183 درجة مئوية)، وأخيراً الكريبتون والزينون (-153 و -108 درجة مئوية على التوالي). لكن النيون والهيليوم، نظراً لنقاط غليانهما المنخفضة جداً (-246 درجة مئوية للنيون، و -269 درجة مئوية للهيليوم)، يبقان في الطور الغازي حتى في أبرد أجزاء عمود التقطير، ولا يتكثفان إلا عند درجات حرارة منخفضة جداً. لذلك، يتم سحب خليط غازي من أعلى عمود التقطير، يحتوي على النيتروجين والنيون والهيليوم بتركيزات منخفضة. هذا الخليط يُبرد أكثر إلى حوالي -250 درجة مئوية، حيث يتكثف النيتروجين والنيون (أما الهيليوم فيبقى غازياً)، ثم يُقطر الخليط مرة أخرى لفصل النيتروجين (الذي يتكثف عند -196 درجة مئوية) عن النيون (الذي يتكثف عند -246 درجة مئوية). للحصول على نيون عالي النقاوة (99.999٪ أو أكثر)، تُكرر عملية التقطير عدة مرات، وتُستخدم مواد مازة (مثل الكربون المنشط) لإزالة آثار النيتروجين والهيدروجين والأكسجين. تستخدم هذه العملية في مصانع فصل الهواء الكبيرة حول العالم، ولكن النيون ليس المنتج الرئيسي؛ إنه منتج ثانوي نادر، حيث أن كل 100,000 متر مكعب من الهواء المعالج ينتج فقط حوالي 1.8 متر مكعب من النيون النقي. لذلك، إنتاج النيون العالمي محدود للغاية، ويقدر بحوالي 200-300 طن سنوياً فقط (أي ما يعادل حوالي 200-300 مليون لتر في الظروف القياسية). أكبر منتجي النيون في العالم هم الولايات المتحدة (خاصة مصانع فصل الهواء في تكساس وكانساس)، وروسيا (التي كانت تنتج حوالي 30-40٪ من النيون العالمي قبل الحرب الروسية الأوكرانية)، وأوكرانيا (التي كانت تنتج حوالي 30-40٪ أيضاً، وخاصة النيون عالي النقاوة المستخدم في صناعة الرقائق الإلكترونية)، والصين (التي زادت إنتاجها في السنوات الأخيرة). كانت أوكرانيا، قبل عام 2022، المصدر الرئيسي للنيون عالي النقاوة لصناعة أشباه الموصلات، حيث كانت شركة "إنغاس" في ماريوبول تنتج أكثر من نصف النيون المستخدم في الرقائق الإلكترونية العالمية. لكن الحرب الروسية الأوكرانية دمرت هذه المنشآت، مما تسبب في أزمة نيون عالمية حادة في عام 2022، وارتفعت أسعار النيون بأكثر من 500٪ في غضون أسابيع، وأجبرت شركات أشباه الموصلات على البحث عن مصادر بديلة أو تقليل الإنتاج. هذه الأزمة كشفت عن هشاشة سلسلة توريد النيون العالمية، وأهمية هذا الغاز "الهامشي" في التكنولوجيا الحديثة.

الدور البيولوجي للنيون هو "لا شيء" تماماً. النيون ليس عنصراً أساسياً لأي شكل من أشكال الحياة المعروفة، ولا يحتاجه الإنسان ولا الحيوان ولا النبات. لا يدخل في أي تفاعل كيميائي حيوي، ولا يشارك في أي عملية استقلابية. النيون غير سام، لكنه يمكن أن يسبب الاختناق إذا حل محل الأكسجين في هواء التنفس، لأن استنشاق غاز خامل يقلل من الضغط الجزئي للأكسجين في الرئتين، مما يؤدي إلى نقص الأكسجة (hypoxia) وفقدان الوعي والموت في الحالات الشديدة. لكن النيون، بسبب ندرته وارتفاع سعره، لا يستخدم عادة في مخاليط التنفس، باستثناء بعض التطبيقات المتخصصة في الغوص العميق. في الغوص العميق، يستخدم الغواصون مخاليط من الأكسجين والهيليوم (هيليوكس) أو الأكسجين والنيتروجين والهيليوم (تريميكس) لتجنب تخدر النيتروجين ومرض تخفيف الضغط. في بعض الحالات النادرة، يمكن استخدام خليط من الأكسجين والنيون (يسمى "نيوكس" Neox) كبديل للهيليوم، لأن النيون له خواص فيزيائية مشابهة للهيليوم من حيث الذوبان في الدم والأنسجة، لكنه أقل نفاذية من الهيليوم، مما يقلل من خطر التسرب عبر الجلد والأغشية. كما أن النيون لا يسبب تخدراً عصبياً مثل النيتروجين، ولا يسبب متلازمة الأعصاب عالية الضغط مثل الهيليوم. لكن استخدام النيون في الغوص محدود للغاية بسبب تكلفته الباهظة، ويقتصر على بعض التجارب العلمية والغوص العسكري في أعماق كبيرة جداً (أكثر من 300 متر). ليس للنيون أي تأثير دوائي أو نفسي معروف، ولا يستخدم في أي دواء أو علاج طبي. بعض الأبحاث الحديثة تستكشف التأثيرات البيولوجية المحتملة للغازات النبيلة (بما فيها النيون) على الجهاز العصبي والاستجابة للالتهاب، لكن النتائج لا تزال أولية، ولا توجد تطبيقات سريرية حتى الآن.

التطبيقات الصناعية للنيون، رغم ندرته وارتفاع سعره، حيوية ومتنوعة، وتشمل قطاعات عالية التقنية لا يمكن الاستغناء عنها. التطبيق الأكثر شهرة والأكبر من حيث الحجم (لكن ليس من حيث القيمة) هو إضاءة النيون ولافتات الدعاية. في أنبوب تفريغ مملوء بالنيون، عند تطبيق جهد كهربائي عالٍ (عدة آلاف من الفولتات)، تتأين ذرات النيون وتعود إلى حالتها القاعية بإصدار فوتونات ذات أطوال موجية مميزة. الطيف الانبعاثي للنيون غني بالخطوط الحمراء والبرتقالية، وأكثرها سطوعاً هي الخط الأحمر عند 585.2 نانومتر (يسمى خط "النيون الأحمر") والخط البرتقالي عند 614.3 نانومتر، بالإضافة إلى خطوط خضراء وزرقاء عديدة. هذا الطيف يعطي النيون لونه البرتقالي الأحمر المميز. لافتات النيون الحقيقية (التي تحتوي على نيون نقي) تعطي فقط هذا اللون الأحمر البرتقالي. أما الألوان الأخرى (الأزرق، الأخضر، الأصفر، الأبيض، الوردي، البنفسجي) فتُنتج باستخدام غازات أخرى: الأرغون مع بخار الزئبق يعطي ضوءاً أزرقاً أو أبيضاً، والهيليوم يعطي ضوءاً وردياً أو أصفر، والكريبتون يعطي ضوءاً أبيضاً أو بنفسجياً، والزينون يعطي ضوءاً أزرقاً أو بنفسجياً، بالإضافة إلى استخدام الفسفور (مواد فلورية) على الجدران الداخلية للأنابيب لتحويل الضوء فوق البنفسجي إلى أطوال موجية مرئية. لكن الاسم "نيون" بقي عالقاً بجميع هذه اللافتات، حتى لو كانت خالية من النيون تماماً. صناعة لافتات النيون، رغم تراجعها في بعض المدن مع انتشار شاشات LED، لا تزال نشطة في الفنون والتصميم والمعالم السياحية (مثل ميدان تايمز في نيويورك، وشارع البيتسبرغ في لاس فيغاس، ومنطقة شيبويا في طوكيو). يستخدم النيون أيضاً في مصابيح التفريغ عالية الجهد، ومؤشرات الجهد العالي، وموانع الصواعق (lightning arresters) التي تحمي شبكات الكهرباء من الصواعق، وفي أنابيب قياس الموجات (wave meter tubes) في الأجهزة الإلكترونية القديمة.

لكن التطبيق الأكثر أهمية وقيمة للنيون في العصر الحديث هو في صناعة أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية. يستخدم النيون عالي النقاوة (99.999٪ أو أكثر) كغاز حامل وغاز مخفف في عملية الليزر النبضي (Excimer laser) المستخدم في طباعة الدوائر المتكاملة على رقائق السيليكون. ليزر الفلور-أرغون (ArF) وليزر الفلور-كريبتون (KrF) هما النوعان الرئيسيان المستخدمان في الطباعة الضوئية (photolithography) لإنتاج الرقائق الإلكترونية. يعمل ليزر ArF بطول موجي 193 نانومتر، ويستخدم لطباعة الرقائق بدقة 7 نانومتر و 5 نانومتر و 3 نانومتر، وهو أساس صناعة المعالجات الدقيقة والذاكرات وأشباه الموصلات في العالم. في هذه الليزرات، يُستخدم النيون كغاز مخفف (buffer gas) مع خليط من الفلور والأرغون أو الكريبتون، حيث يساعد النيون على تحقيق تفريغ كهربائي مستقر، ويزيد من كفاءة الليزر، ويطيل عمر الغاز. بدون النيون عالي النقاوة، لا يمكن تشغيل هذه الليزرات، وبالتالي لا يمكن إنتاج الرقائق الإلكترونية الحديثة. تستهلك صناعة أشباه الموصلات حوالي 30-40٪ من إنتاج النيون العالمي، وتتطلب نقاوة استثنائية (أقل من 1 جزء في المليون من الشوائب)، وأي تلوث بالنيتروجين أو الأكسجين أو بخار الماء يقلل من كفاءة الليزر ويؤدي إلى عيوب في الرقائق. لهذا السبب، كانت أزمة النيون في عام 2022 (بسبب الحرب في أوكرانيا) كارثية لصناعة الرقائق، وأجبرت شركات مثل إنتل، وسامسونغ، وتي إس إم سي، وإي إم دي على البحث عن مخزون احتياطي وتطوير مصادر بديلة، ودفعت أسعار النيون إلى مستويات قياسية (تجاوزت 3000 دولار للتر في بعض الحالات). استجابة للأزمة، بدأت شركات في الصين والولايات المتحدة وأوروبا في بناء منشآت جديدة لفصل الهواء واستخلاص النيون، لكن هذه المنشآت تحتاج إلى سنوات لتصبح جاهزة، وتظل سلسلة توريد النيون هشة.

التطبيق الثالث المهم للنيون هو في التبريد العميق (cryogenics). النيون السائل هو مبرد ممتاز في نطاق درجات الحرارة بين 27 كلفن و 44 كلفن (نقطة غليانه ونقطة حرجه). يتمتع النيون السائل بسعة تبريد لكل وحدة حجم أكبر بـ 40 مرة من الهيليوم السائل، وأكبر بـ 3 مرات من الهيدروجين السائل، مما يجعله مبرداً فعالاً للمغناطيسات فائقة التوصيل التي تعمل عند درجات حرارة متوسطة (20-40 كلفن)، مثل مغناطيسات النيوبيوم-تيتانيوم (NbTi) ومغناطيسات النيوبيوم-القصدير (Nb₃Sn) المستخدمة في أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، وفي مسرعات الجسيمات (مثل مصادم الهدرونات الكبير LHC في سيرن)، وفي أجهزة التحليل الطيفي بالرنين المغناطيسي النووي (NMR). النيون السائل أيضاً غير قابل للاشتعال، وغير سام، ولا يتفاعل مع المواد، مما يجعله أكثر أماناً من الهيدروجين السائل (القابل للاشتعال) وأكثر كفاءة من الهيليوم السائل (الأغلى ثمناً والأندر). يستخدم النيون السائل في تبريد الكواشف بالأشعة تحت الحمراء في التلسكوبات الفضائية والأقمار الصناعية، وفي تبريد أجهزة الاستشعار فائقة التوصيل في الفيزياء التجريبية، وفي بعض التطبيقات الصناعية (مثل تبريد أجهزة اختبار المواد عند درجات حرارة منخفضة). لكن استخدام النيون السائل محدود بسبب تكلفته العالية، ويقتصر على التطبيقات التي تتطلب تبريداً في هذا النطاق الحراري المحدد، ولا يمكن استخدام الهيليوم أو النيتروجين السائلين فيها.

التطبيق الرابع للنيون هو في الليزر الغازي، وخاصة ليزر الهيليوم-نيون (He-Ne laser)، وهو أول ليزر غازي تم اختراعه في عام 1960 من قبل الفيزيائيين علي جافان وويليام بينيت ودونالد هيريوت في مختبرات بيل. يعمل ليزر He-Ne بطول موجي 632.8 نانومتر (أحمر)، ويستخدم خليطاً من الهيليوم والنيون بنسبة 10:1 تقريباً، حيث يُثار الهيليوم بواسطة تفريغ كهربائي، ثم ينقل طاقته إلى ذرات النيون التي تصدر الضوء الليزري. ليزر He-Ne كان ثاني ليزر تم اختراعه (بعد ليزر الروبيديوم)، واستخدم لعقود في التطبيقات التعليمية والعلمية والطبية، وفي أجهزة قراءة الباركود، وفي أجهزة قياس المسافات، وفي الجراحة (ليزر العيون)، وفي الاتصالات الضوئية المبكرة. لكن اليوم، تم استبدال ليزر He-Ne إلى حد كبير بليزرات الحالة الصلبة (مثل ليزر الدايود) وليزرات الألياف، التي هي أصغر حجماً وأرخص ثمناً وأكثر كفاءة. ومع ذلك، لا يزال ليزر He-Ne يستخدم في بعض التطبيقات المتخصصة، مثل المعايير المترولوجية (قياس الأطوال الموجية بدقة)، وفي بعض التجارب التعليمية، وفي الأجهزة البصرية القديمة.

التطبيق الخامس للنيون هو في صناعة الإلكترونيات الاستهلاكية، وخاصة في شاشات العرض البلازمية (Plasma Display Panels) التي كانت شائعة في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. كانت شاشات البلازما تستخدم خليطاً من الغازات النبيلة (النيون والزينون والهيليوم) في خلايا صغيرة، حيث يمر تيار كهربائي عبر الغاز فينتج ضوءاً فوق بنفسجي، ثم يحول الفسفور هذا الضوء إلى ألوان مرئية. كانت شاشات البلازما تعطي ألواناً زاهية وزوايا رؤية واسعة، لكنها كانت تستهلك طاقة كبيرة، وكانت ثقيلة ومكلفة، وتم استبدالها بشاشات LED و OLED الأحدث والأكثر كفاءة. مع تراجع شاشات البلازما، انخفض الطلب على النيون في هذا القطاع، لكن لا يزال النيون يستخدم في بعض شاشات العرض الكبيرة (مثل اللوحات الإعلانية الضخمة) وفي بعض التطبيقات العسكرية.

من ناحية التحديات والاتجاهات المستقبلية، يواجه النيون عدة أزمات وفرص في آن واحد. التحدي الأول والأكثر إلحاحاً هو أزمة سلسلة التوريد العالمية. كما رأينا في عام 2022، تعتمد صناعة أشباه الموصلات بشكل كبير على النيون المنتج في أوكرانيا وروسيا، وأي اضطراب جيوسياسي يمكن أن يشل الإنتاج العالمي للرقائق. هذا دفع الحكومات والشركات إلى الاستثمار في تنويع مصادر النيون: بناء منشآت جديدة لفصل الهواء في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، وتطوير تقنيات لاستخلاص النيون من مصادر بديلة (مثل الغازات البركانية أو آبار الغاز الطبيعي العميقة)، وتحسين كفاءة استخلاص النيون من الهواء لتقليل التكلفة وزيادة الإنتاجية. لكن كل هذه الحلول تحتاج إلى وقت واستثمارات ضخمة، وتظل سلسلة توريد النيون هشة في الأمد القريب. التحدي الثاني هو ارتفاع تكلفة النيون مقارنة بالبدائل. في تطبيقات الإضاءة، تم استبدال النيون إلى حد كبير بشاشات LED التي تستهلك طاقة أقل، وتعيش أطول، وتعطي ألواناً أكثر تنوعاً، وأرخص ثمناً. في تطبيقات الليزر، تم استبدال ليزر He-Ne بليزرات الدايود الصلبة. في تطبيقات التبريد، لا يزال النيون السائل منافساً، لكن الهيليوم السائل أكثر كفاءة في التبريد إلى درجات حرارة أقل، والنيتروجين السائل أرخص بكثير للتبريد إلى 77 كلفن. لذلك، يقتصر سوق النيون على التطبيقات التي لا يمكن الاستغناء عنها، مثل ليزر الأشعة فوق البنفسجية في صناعة الرقائق، والتبريد في نطاق 27-44 كلفن، وبعض التطبيقات العلمية والعسكرية المتخصصة. من المتوقع أن ينمو سوق النيون العالمي بمعدل سنوي مركب يتراوح بين 4٪ و 7.6٪ حتى عام 2035، ليصل إلى حوالي 440-728 مليون دولار، مدفوعاً بزيادة الطلب على الرقائق الإلكترونية (الذكاء الاصطناعي، الحوسبة الكمومية، إنترنت الأشياء، السيارات الكهربائية) والتطبيقات الفضائية والطبية. لكن هذا النمو يعتمد على استقرار الإمدادات، وهو أمر غير مضمون.

التحدي الثالث هو الجانب البيئي. النيون نفسه ليس ملوثاً ولا ساماً، ولا يؤثر على طبقة الأوزون أو المناخ. لكن إنتاج النيون يستهلك طاقة هائلة لتسييل الهواء وتقطيره، وهذه الطاقة تأتي غالباً من الوقود الأحفوري، مما يساهم في انبعاثات غازات الدفيئة. تحسين كفاءة مصانع فصل الهواء واستخدام الطاقة المتجددة يمكن أن يقلل من البصمة الكربونية للنيون. التحدي الرابع هو تطوير بدائل للنيون في تطبيقاته الرئيسية. في صناعة الرقائق، يعمل الباحثون على تطوير ليزرات جديدة تعمل بأطوال موجية أقصر (مثل ليزر EUV بطول 13.5 نانومتر) والتي قد لا تحتاج إلى النيون، أو تحتاج إلى كميات أقل منه. لكن هذه التقنيات لا تزال في مراحلها الأولى، ولا تتوقع أن تحل محل ليزر ArF و KrF في العقد القادم. في التبريد، يتم تطوير مغناطيسات فائقة التوصيل تعمل في درجات حرارة أعلى (مثل مغناطيسات YBCO التي تعمل عند 77 كلفن، أي درجة حرارة النيتروجين السائل)، مما قد يلغي الحاجة إلى النيون السائل في بعض التطبيقات. لكن مرة أخرى، هذه التقنيات تحتاج إلى سنوات لتصل إلى مرحلة النضج التجاري.

في الجانب الإيجابي، هناك فرص جديدة للنيون في مجالات ناشئة. في الفضاء، يمكن استخدام النيون كوقود دافع في المحركات الأيونية (ion thrusters) للأقمار الصناعية والمركبات الفضائية، لأنه غاز خامل، وله كتلة ذرية متوسطة (20)، مما يعطي دفعة نوعية جيدة عند تأينه وتسريعه في مجال كهربائي. بعض الأقمار الصناعية الحديثة تستخدم الزينون كوقود دافع، لكن الزينون أغلى ثمناً وأثقل، والنيون قد يكون بديلاً أرخص في بعض التطبيقات. في الطب، يجري استكشاف استخدام النيون في التصوير بالرنين المغناطيسي (¹⁹F MRI مشهور أكثر، لكن النيون يمكن استخدامه كعامل تباين في بعض التجارب). في علم المواد، يمكن استخدام النيون كغاز خامل في عمليات الترسيب والتنظيف، وفي تحضير المواد النانوية. في الأبحاث الأساسية، يستخدم النيون في فيزياء درجات الحرارة المنخفضة، وفي دراسة الموائع الكمومية، وفي كيمياء البلازما.

ختاماً، النيون هو الغاز النبيل الذي رفض الانصياع لقوانين الكيمياء التقليدية، وظل وفياً لخموله المطلق حتى في وجه أشد العوامل تفاعلاً. إنه العنصر الذي أضاء شوارع المدن الكبرى بأضوائه البرتقالية الحمراء، وجعل الإعلانات التجارية تتحدث بلغة الضوء، ثم أصبح فجأة عنصراً استراتيجياً في قلب الثورة الرقمية، حيث لا يمكن صناعة معالج حاسوبي واحد بدونه. النيون هو تذكير بأن العناصر الأكثر هدوءاً وخمولاً يمكن أن تكون الأكثر تأثيراً في الحضارة الحديثة. من اكتشافه في مختبر رامزي المتواضع في لندن، حيث أذهلهم وهجه الأحمر الساطع، إلى مصانع الرقائق في تايوان وكوريا، حيث يدعم بدقة متناهية عملية الطباعة الضوئية التي ترسم دوائر إلكترونية أصغر من فيروس، إلى خزانات التبريد في مسرعات الجسيمات، حيث يحافظ على المغناطيسات فائقة التوصيل في درجات حرارة قريبة من الصفر المطلق، النيون هو البطل الصامت للتكنولوجيا الحديثة. لكن هذا البطل يعتمد على سلسلة توريد هشة، وموارد محدودة، وأسواق متقلبة. في عصر يتسارع فيه الطلب على الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، يصبح النيون ليس مجرد غاز نادر، بل مورداً استراتيجياً مثل النفط والغاز الطبيعي. وكما قال جورج كلود، مخترع إضاءة النيون التجارية، قبل أكثر من قرن: "النيون ليس مجرد ضوء، إنه رسالة". اليوم، رسالة النيون هي: التكنولوجيا المتقدمة تحتاج إلى عناصر نادرة، وهذه العناصر تحتاج إلى إدارة حكيمة وتعاون دولي، وإلا فإن الأنوار التي تضيء مدننا قد تخفت فجأة. النيون، بأبسط تركيب إلكتروني (مجرد 10 إلكترونات في مدارات مغلقة)، يذكرنا بأن البساطة يمكن أن تكون أعظم قوة، وأن الخمول يمكن أن يكون أثمن مورد. في عالم يتغير بسرعة، يبقى النيون ثابتاً، خاملاً، مضيئاً، ومطلوباً.



#حسين_علي_حياوي_المؤذن (هاشتاغ)       Hussein_Ali_Hayawi_Al-mu’adhin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق بين انهيار الدولة وسقوط الإنسان | قراءة في الأزمة الا ...
- النيتروجين | العنصر الخامل الذي يغذي الحضارة ويهدد النظم الب ...
- الأكسجين | روح الاحتراق ونبض الحياة - من ثورة لافوازييه إلى ...
- البورون | شبه الفلز المعجزة - من تبلور الجلاميد إلى تسطير ال ...
- الكربون | عمود الحياة الفقري - من رحم النجوم إلى ذروة التكنو ...
- البيريليوم | الفلز الغامض بين الخفة والقوة - من الزمرد إلى ا ...
- الليثيوم | الفلز الخفيف الذي شحن العالم - من معادن البغماتيت ...
- الهيليوم | غاز الكون العزيز - من أطياف الشمس إلى موارد الأرض ...
- الهيدروجين | البروتون الأول - رحلة موسوعية من نشأة الكون إلى ...
- السيد السيستاني آخر العظماء
- بين ركام التردد وإرادة الشباب : قصة قانون حماية المسعف التطو ...
- الضربة الإيرانية لمركز الاستمطار السري في الإمارات – الحرب ا ...
- هرمز : الممر الذي كاد أن يشعل العالم
- أدبيات حزب الله اللبناني القتالية وفق التطورات الدولية
- بين ملمحة خرمشهر الموسيقية وخرمشهر الصاروخية : سقطت أسطورة إ ...
- العقل والتاريخ في مواجهة الأسطرة اللاهوتية
- معجزة المسيح السياسية
- أنطولوجيا النجاة
- الوعي في الفكر الإسلامي ما بين المعرفة و تحولات العولمة
- الفلسفة الأخلاقية | من النص إلى الوعي


المزيد.....




- ترامب يرد على -التوبيخ الكبير- بإقرار الشيوخ لتقييد صلاحياته ...
- سلطنة عُمان تصدر بيانا يوضح المسار المؤقت بمضيق هرمز
- حدث نادر: توأمان يتزوجان توأمتين في حفل زفاف مفعم بالفرح في ...
- التضخم في أمريكا يرهق ميزانيات الأسر والانفراج لا يبدو قريبا ...
- حب البصل وعلاقته المثيرة بخفض السكري وضغط الدم
- تاياني يرشح أنطونيو كوستا ممثلا موحدا لأوروبا للحوار مع روسي ...
- خمسة فحوصات أساسية للأشخاص فوق 35 عاما
- اكتشاف جديد على تيتان وبلوتو يعزز فهم الكيمياء العضوية خارج ...
- كيم جونغ يجهز سفينة حربية ويحذر من -حافة حرب نووية-
- قناة إسرائيلية: واشنطن تقلص طائراتها العسكرية بمطار بن غوريو ...


المزيد.....

- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين علي حياوي المؤذن - النيون | ضوء المدينة الخالد والغاز النبيل الأكثر تمرداً على التفاعل - من شرارات المختبر إلى وهج لاس فيغاس وأزمة الرقائق الإلكترونية