أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي حياوي المؤذن - العراق بين انهيار الدولة وسقوط الإنسان | قراءة في الأزمة الاجتماعية العراقية (2003–2026م)















المزيد.....


العراق بين انهيار الدولة وسقوط الإنسان | قراءة في الأزمة الاجتماعية العراقية (2003–2026م)


حسين علي حياوي المؤذن
كاتب روائي باحث سياسي

(Hussein Ali Hayawi Al-mu’adhin)


الحوار المتمدن-العدد: 8741 - 2026 / 6 / 19 - 15:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست الحضارة بناءً يعلو فوق الأنقاض، وليست النهضة حدثاً يتحقق بمجرد تغيير نظام سياسي أو الإطاحة بديكتاتورية. لقد علّمنا مالك بن نبي أن الحضارة معادلة رياضية بسيطة في شكلها، معقدة في مضمونها (حضارة = إنسان + تراب + وقت) . فالإنسان هو المادة الأولى، والتراب هو المورد، والوقت هو وعاء التحول. وحين يختل أحد هذه العناصر، أو حين يُهمَل الإنسان ويُستبعد من معادلة البناء، فإن ما يحدث ليس نهضة، بل محاكاة سطحية للنهضة، تتحول سريعاً إلى مأساة.هذا هو العراق الذي نقرأه اليوم. ليس العراق الجغرافي الذي يمتد بين دجلة والفرات، بل العراق الإنساني؛ ذلك الكيان المعنوي الذي انهار قبل أن تنهار مؤسساته، وتفكك قبل أن يتفكك سقف دولته. إن قراءة المشهد العراقي من عام 2003م إلى عام 2026م ليست قراءة في التاريخ السياسي فحسب، بل هي قراءة في سقوط الإنسان من معادلة الحضارة، وفي تحول التراب – ذلك النفط الخصيب – إلى نقمة على أهله، وفي إهدار الوقت في صراعات عبثية لا تنتج إلا المزيد من الدمار. وهذا ما سنحاول تتبعه في رحلة عبر محطات الانهيار، ننتقل فيها من مشهد إلى مشهد، كما ينتقل المشاهد في فيلم وثائقي مؤلم، نرى فيه كيف تحول العراق من بلد يئن تحت نير الديكتاتورية إلى بلد يتألم تحت وطأة الفوضى، وكيف استُبدل استبداد الرجل الواحد باستبداد الطوائف والأحزاب، وكيف غابت المواطنة وحلّت مكانها المحاصصة، وكيف تحول النفط إلى آلة للفساد لا إلى محرك للتنمية.

المحطة الأولى | 2003 – لحظة الصفر

في 20 مارس 2003م، دوت انفجارات الصواريخ الأمريكية في سماء بغداد. كان المشهد دراماتيكيًا حيث نظام ينهار في أسابيع، وتمثال يَصرَع، وشعب يخرج إلى الشوارع فرحاً بزوال ديكتاتورية دامت ثلاثة عقود. لكن السؤال الذي يطرحه مالك بن نبي هنا: هل كان هذا "تحريراً" أم مجرد استبدال لنمط من الاستبداد بآخر؟ الجواب، بعد أكثر من عقدين، بات واضحاً: لقد كان الاحتلال الأمريكي، في جوهره، عملية تفكيك لدولة دون بناء دولة، وهدم لمؤسسات دون تشييد مؤسسات، وإطاحة بنظام دون تأسيس نظام.
الخطأ الكارثي الأول كان في تفكيك مؤسسات الدولة وإضعاف السلطة المركزية. فالجيش العراقي، الذي كان يمثل عمود الدولة، تم حله. حزب البعث، الذي كان يمثل الإطار الأيديولوجي للنظام، تم إلغاؤه. البيروقراطية العراقية، التي كانت تمثل العصب الإداري، تم تطهيرها. في لحظة واحدة، تحول العراق إلى دولة بلا جسد، إلى هيكل عظمي تجرد من لحمه. وهذا الفراغ المؤسسي لم يخلق ديمقراطية، بل خلق فوضى.
والمشكلة الأعمق، كما يرى المحللون، أن العراق بعد 2003م عاش حالة "بينية" طويلة الأمد، لا هي بالانتقال إلى الديمقراطية ولا هي بالعودة إلى الديكتاتورية. إنها حالة تعليق، أشبه براكب سفينة في عرض البحر فقد البوصلة، لا يعرف وجهته ولا يملك طاقماً مؤهلاً لقيادته. وهذا ما يفسر لماذا ظل العراق، بعد كل هذه السنين، عالقاً في منتصف الطريق بين الماضي والمستقبل.
المحطة الثانية | المحاصصة – الدولة تحت الطوائف
إذا كان سقوط النظام قد خلق فراغاً، فإن ملء هذا الفراغ تم وفق منطق المحاصصة الطائفية والعرقية. لقد انتقلت السلطة من يد ديكتاتور واحد إلى يد نخب سياسية تمثل مكونات المجتمع العراقي، لكنها لم تنتقل بالمعنى الديمقراطي إلى الشعب. بل تم توزيعها كغنيمة بين الأحزاب والكتل، كل حسب وزنه الطائفي أو العرقي. الوزارات تُقسَّم، المحافظات تُوزَّع، الوحدات الأمنية تُقتَسَم، وكأن الدولة شركة مساهمة يملك كل مكون فيها أسهمه.
وهنا يبرز السؤال النقدي الذي يطرحه مالك بن نبي: متى تتوقف الدولة عن كونها أداة لخدمة الطوائف لتكون أداة لخدمة المواطنين؟ الجواب أن الدولة العراقية لم تتوقف قط عن كونها الأولى. فالنظام السياسي الجديد، رغم إطاره الديمقراطي النظري، تحول في الممارسة إلى نظام تتحدد فيه الهوية والولاء للجماعة، بدلاً من الكفاءة والمصلحة العامة. وهذا التحول لم يكن مجرد خطأ سياسي، بل كان انعكاساً لأزمة أعمق: أزمة المواطنة.
فالمواطنة، كما فهمها مالك بن نبي، ليست مجرد وثيقة أو جنسية، بل هي وعي بالانتماء إلى كيان وطني يتجاوز الانتماءات الفرعية. وهي شعور بالمسؤولية تجاه الدولة والمجتمع، وتجاوز للخصوصيات الطائفية والعرقية في سبيل المصلحة العامة. لكن العراق بعد 2003م لم يشهد بناءً للمواطنة؛ بل شهد تعميقاً للانقسامات. انتقل الناس من الخوف من ديكتاتور إلى الخوف من بعضهم البعض. وتحولت الطائفية من شعور مكبوت إلى هوية سياسية فاعلة، ومن عامل للوحدة في مواجهة الاستبداد إلى عامل للانقسام في ظل الفوضى.يقول أحد المحللين إن "الدولة سبقت المواطنة" في العراق. والمعنى أن الدولة الجديدة وُجدت على الورق قبل أن يوجد المواطن الذي يؤمن بها ويدافع عنها. وهذا ما يفسر هشاشة الدولة العراقية أمام كل أزمة، وسهولة اختراقها من قبل القوى الخارجية، وقدرتها المحدودة على فرض هيبتها وسيادتها.

المحطة الثالثة | الحرب الأهلية الخفية والدموية

لم تمر السنوات الأولى بعد 2003م دون أن تتحول الخلافات السياسية إلى اقتتال طائفي دموي. فما بين عامي 2006م و2008م، اندلعت في العراق حرب أهلية بالمعنى الكامل للكلمة، رغم أن أحداً لم يسمها كذلك. كانت بغداد مسرحاً لعمليات تطهير طائفي، حيث هُجِّر السكان من أحيائهم بناءً على هويتهم المذهبية. وتحولت الشوارع إلى خطوط تماس بين الميليشيات، وتحولت المقابر إلى مشاهد يومية، وتحول الخوف إلى حالة وجودية.
يقول تقرير لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" إن عمليات التهجير القسري والنزوح في العراق بلغت أبعاداً غير مسبوقة. فما بين عامي 2003م و2020م، نزح أو هُجِّر حوالي 7.5 ملايين عراقي داخلياً، وهاجر 1.5 مليون آخرون خارج البلاد. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات؛ إنها قصص إنسانية، عائلات اقتُلعت من جذورها، أطفال حرموا من الطفولة، وشيوخ تركوا قبور آبائهم. والنزوح لم يتوقف عند حدود الحرب الأهلية؛ فقد تجدد بعنف بعد سيطرة تنظيم داعش على محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار عام 2014م وما زالت آثار هذا النزوح قائمة حتى عام 2026م. فلا يزال هناك 20 مخيماً للنازحين في العراق، ولا تزال مناطق مثل سنجار تعاني من انعدام الأمن وتدني الخدمات. والنازحون لم يعودوا مجرد أرقام في تقارير المنظمات الدولية؛ لقد تحولوا إلى فئة اجتماعية جديدة في العراق، معزولة وموسومة، تحمل في ذاكرتها جراح التهجير وفقدان الوطن.وهنا يتجلى البعد الإنساني للأزمة العراقية كما يراه مالك بن نبي حين تسقط الدولة، يسقط الإنسان معها. وحين تنهار المؤسسات، يتحول المواطن إلى رعية بلا حماية، وإلى لاجئ في وطنه، وإلى غريب بين أهله.
المحطة الرابعة | الفساد – اقتصاد العنف
في معادلة مالك بن نبي للحضارة، يحتل "التراب" – أي الموارد الطبيعية – موقعاً محورياً. فالموارد هي وقود النهضة، وهي الأساس المادي الذي تقوم عليه أي حضارة. لكن العراق، هذا البلد الغني بالنفط، جعل من ثروته نقمة لا نعمة. فمنذ عام 2003م وحتى اليوم، تحول النفط إلى مصدر للفساد لا للتنمية، وإلى أداة لإثراء النخب لا لإغناء الشعب.
يقول الرئيس العراقي الأسبق برهم صالح إن 150 مليار دولار هُرِّبت من صفقات الفساد إلى الخارج منذ عام 2003م. وهذا الرقم – الذي يمثل جزءاً من إجمالي إيرادات النفط التي قدرت بنحو ألف مليار دولار – كان كفيلاً ببناء دولة حديثة، وتوفير فرص العمل، وتحسين الخدمات، وإنهاء الفقر. لكنه ذهب بدلاً من ذلك إلى حسابات بنكية في سويسرا ودبي ولندن، وإلى صفقات أسلحة وهمية، وإلى مشاريع وهمية أنجزت على الورق فقط.
الفساد في العراق ليس مجرد ظاهرة أخلاقية، بل هو اقتصاد سياسي للعنف، كما وصفه برهم صالح. فالمال الفاسد يموّل الميليشيات، ويشتري الولاءات، ويخلق شبكات نفوذ تتجاوز الدولة، ويحول المؤسسات الحكومية إلى آلات لنهب المال العام. وهذا ما يفسر لماذا يصنَّف العراق باستمرار بين الدول الأكثر فساداً في العالم، ولماذا تظل الخدمات العامة متدنية رغم الثروات الهائلة.
في عام 2026م، لا يزال الفساد مستشرياً في العراق. تتردد مع كل حكومة جديدة وعود بمكافحته، وتُطلق مبادرات لمحاربته, لكن النتائج على الأرض تكاد تكون معدومة. وقد أدرك الشعب العراقي ذلك مبكراً، فخرج في تشرين 2019م يطالب بإسقاط النظام وإقالة الفاسدين. لكن مطالبهم ظلت حبراً على ورق، وقتل المئات منهم، واغتيل النشطاء واحداً تلو الآخر. فالفساد في العراق أصبح نظاماً متكاملاً، له أجهزته وآلياته ورجاله، وليس مجرد سلوك فردي يمكن علاجه بالقوانين.
المحطة الخامسة | البطالة والفقر – جيل ضائع
يقول رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، في كلمة له عام 2023م، إن "معظم التحديات والمشاكل التي يواجهها المجتمع العراقي ذات جذور اقتصادية". وهذا الاعتراف، رغم أنه متأخر، يكشف عن العمق الحقيقي للأزمة: فالعراق اليوم يعيش أزمة اقتصادية خانقة، تترجم إلى بطالة جماعية وفقر مدقع وخدمات منهارة.
عدد سكان العراق قفز من 25 مليوناً عام 2003م إلى 43 مليوناً عام 2026م، مع نسبة شباب تزيد على 67%. هذا الانفجار الديموغرافي، في غياب سياسات اقتصادية فاعلة، خلق ضغطاً هائلاً على سوق العمل والخدمات العامة. فمعدل البطالة في العراق، وفق تقديرات عام 2026م، يبلغ نحو 14%، لكنه بين الشباب يتجاوز 22%. وهذه النسبة ترتفع في المحافظات الفقيرة والمهمشة إلى أرقام مروعة.
البطالة ليست مجرد مشكلة اقتصادية؛ إنها كارثة اجتماعية ونفسية وأمنية. فالشاب العراقي الذي يتخرج من الجامعة ليجد نفسه عاطلاً عن العمل، لا يملك إلا خيارين: إما الهجرة، أو الانضمام إلى الميليشيات، أو اليأس والاكتئاب. والأرقام تتحدث عن نفسها: 30% من العراقيين يعانون من السمنة، و14% يعانون من السكري، و30% يعانون من ارتفاع ضغط الدم، كما أن 16.5% من السكان فوق سن 15 يعانون من اضطرابات نفسية. هذه ليست أرقاماً صحية فحسب؛ إنها مؤشرات على مجتمع مريض، تعيس، محطم.
الفقر أيضاً في ارتفاع مستمر. فخط الفقر في العراق تجاوز 22%، مما يعني أن أكثر من 9 ملايين عراقي يعيشون تحت خط الفقر. وفي وقت تزداد فيه الأسعار وتتراجع فيه قيمة العملة، يجد الملايين من العراقيين أنفسهم غير قادرين على تأمين احتياجاتهم الأساسية: الغذاء، الدواء، السكن، التعليم. وقد أدى هذا الواقع إلى تفاقم الاحتجاجات الشعبية، حيث خرج العراقيون في تشرين 2019م مطالبين بالوظائف والخدمات، لكن مطالبهم لم تلقَ سوى الرصاص.

المحطة السادسة | التعليم والصحة – انهيار الإنسان

إذا كانت البطالة والفقر هما أعراض الأزمة، فإن التعليم والصحة هما جذورها. فالإنسان العراقي، الذي كان يشكل قبل 2003م عمود النهضة في المنطقة، أصبح اليوم ضحية لانهيار نظامه التعليمي والصحي.
التعليم في العراق كان، في عقود سابقة، منارة للعالم العربي. جامعات العراق كانت تخرج أطباء ومهندسين وعلماء، ومدارسه كانت تنتج أجيالاً مثقفة وواعية. لكن بعد 2003م، دخل التعليم في منحنى تنازلي حاد. التدهور الأمني دمّر آلاف المدارس والجامعات، وهجرة الكفاءات العلمية جردت العراق من نخبه، وإهمال القطاع من قبل الحكومات المتعاقبة جعله أسير ميزانيات هزيلة لا تفي بالغرض.
والنتيجة أن العراق اليوم يعاني من أزمة تعليمية حادة: مدارس مكتظة، مناهج متقادمة، ومعلمون غير مؤهلين، ونسبة أمية مقنعة في ارتفاع. وقد حذّر خبراء التعليم من أن هذا التدهور سيخلق جيلاً غير قادر على المنافسة في سوق العمل، وغير واعٍ بحقوقه وواجباته، وسهل الاستقطاب من قبل الجماعات المتطرفة.
الصحة أيضاً في حالة انهيار مماثلة. فقد تصدّر العراق مراتب متأخرة في مؤشرات الرعاية الصحية عالمياً، وتعاني مستشفياته من نقص حاد في التجهيزات والكوادر الطبية والأدوية. والأمراض غير السارية تمثل 55% من مجموع الوفيات، مما يعكس تردياً في نمط الحياة والتغذية والرعاية الصحية الأولية. ومشكلة الصحة النفسية، التي تتضاعف في ظل الحروب والنزوح والفقر، لا تحظى بأي اهتمام يذكر.
وهنا نصل إلى جوهر أزمة العراق كما يراها مالك بن نبي: إنها أزمة إنسان قبل أن تكون أزمة دولة. فالإنسان العراقي، الذي كان المادة الأولى للحضارة، أصبح اليوم ضحية لتفكيك شامل: تفكيك جسدي من خلال الحروب والعنف، وتفكيك نفسي من خلال الفقر والقلق، وتفكيك معرفي من خلال انهيار التعليم، وتفكيك اجتماعي من خلال الطائفية والنزوح. وحين يسقط الإنسان، تسقط معه كل إمكانية للنهضة.


المحطة السابعة | المرأة العراقية – نصف المجتمع المهمش

لا يمكن قراءة الأزمة الاجتماعية العراقية دون النظر إلى وضع المرأة، التي تمثل نصف المجتمع. فقبل 2003م، كانت المرأة العراقية قد قطعت شوطاً كبيراً في التعليم والعمل والمشاركة العامة. لكن بعد الاحتلال، تراجع دورها بشكل ملحوظ، وازدادت vulnerabilities في مواجهة العنف والتمييز.
المرأة العراقية وجدت نفسها محاصرة بين تيارين: تيار ديني محافظ يريد إعادة تعريف دورها بما يتوافق مع تفسيرات ضيقة للإسلام، وتيار سياسي طائفي يستخدمها كأداة في صراعاته، ومجتمع ذكوري يرثي "انحدار الأخلاق" دون أن يقدم لها أي حماية. ومع تصاعد العنف والنزوح، أصبحت النساء أكثر الفئات تضرراً: أرامل، معيلات لأسر، نازحات، ضحايا للعنف المنزلي والاغتصاب والاستغلال.
ورغم أن الدستور العراقي نص على تمثيل المرأة في البرلمان بنسبة 25%، فإن هذا التمثيل الرقمي لم يترجم إلى تمكين حقيقي. فالمرأة في البرلمان غالباً ما تكون مجرد صوت إضافي للأحزاب، دون تأثير حقيقي على القرار السياسي. وفي المجتمع، تتراجع حقوق المرأة تحت وطأة القوانين والتقاليد التي تحد من حريتها واستقلالها.
وهنا يتجلى، مرة أخرى، انهيار "الإنسان" في العراق: فحين تكون المرأة – نصف المجتمع – مهمشة ومقهورة، يكون المجتمع برمته مشوهاً ومريضاً. فلا حضارة تبنى على قهر النساء، ولا نهضة تتحقق بإقصاء نصف الطاقات البشرية.


المحطة الثامنة | التدخلات الخارجية – العراق ساحة للصراعات

في معادلة مالك بن نبي، لا يمكن فصل المشكلات الداخلية عن السياق الخارجي. فالعراق، منذ 2003م، لم يعد دولة ذات سيادة كاملة؛ بل تحول إلى ساحة مفتوحة لتقاطع الأجندات الدولية والإقليمية. الاحتلال الأمريكي فتح الباب أمام نفوذ إيراني واسع, والصراع السعودي-الإيراني وجد في العراق أرضاً خصبة، والتنافس التركي-الإيراني-العربي جعل العراق مسرحاً لصراعات لا علاقة لها بمصالحه الوطنية.
التدخل الخارجي، بكل أشكاله، كان أحد العوامل الرئيسة في خلق حالة عدم الاستقرار في العراق. فهو غذى الطائفية، وموّل الميليشيات، ودعم الأحزاب على حساب الدولة، وجعل القرار العراقي رهناً بإرادات خارجية. وفي عام 2026م، لا يزال العراق يعاني من هذه التدخلات، التي تمنعه من بناء سيادته واستقلاله، وتجعل إصلاحاته رهناً بموافقة القوى الخارجية.لكن التدخل الخارجي ليس مجرد مؤامرة خارجية؛ إنه أيضاً نتاج للفراغ الداخلي. فالعراق الضعيف هو الذي يستقطب التدخلات، والدولة الهشة هي التي تصبح ساحة للصراعات. وهذا ما يفسر لماذا فشلت كل محاولات الإصلاح في العراق لأن الإصلاح يحتاج إلى دولة قوية، والدولة في العراق ضعيفة؛ والإصلاح يحتاج إلى إرادة وطنية، والإرادة الوطنية في العراق مشتتة؛ والإصلاح يحتاج إلى سيادة، والسيادة في العراق منتهكة.


المحطة التاسعة | احتجاجات تشرين – صرخة الضمير العراقي

في أكتوبر 2019م، خرج العراقيون إلى الشوارع في احتجاجات غير مسبوقة. لم تكن هذه الاحتجاجات مجرد مظاهرات للمطالبة بالوظائف والخدمات؛ لقد كانت ثورة في الوعي، بحسب تعبير كثير من المحللين. فالمتظاهرون لم يطالبوا بإصلاح النظام، بل طالبوا بإسقاط النظام برمته. لقد أدرك العراقيون، بعد 16 عاماً من الفشل، أن المشكلة ليست في الحكومة فقط، بل في النظام السياسي ككل، وفي المحاصصة الطائفية، وفي الفساد المستشري، وفي غياب المواطنة.قُتل في احتجاجات تشرين ما لا يقل عن 600 متظاهر, وجُرح الآلاف، واغتيل أكثر من 70 ناشطاً. ورغم هذه التضحيات، فإن مطالب المحتجين لم تتحقق. فقد نجحت الاحتجاجات في إقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي, لكن النظام بقي كما هو، والمحاصصة استمرت، والفساد تفاقم، والخدمات تدهورت.
احتجاجات تشرين، في قراءتها الاجتماعية، تمثل قطيعة بين الشعب ونخبه السياسية. لقد أدرك العراقيون أن النخب التي حكمتهم منذ 2003م لا تمثلهم، ولا تعبر عنهم، ولا تخدمهم. وأدركوا أيضاً أن التغيير لا يمكن أن يأتي من داخل النظام، لأن النظام نفسه هو المشكلة. لكنهم، في غياب بديل منظم وقيادة موحدة، وجدوا أنفسهم في مواجهة آلة قمع عنيفة، فراحت تضحياتهم هباءً.
وهنا يكمن الدرس الأعماق ، الثورات وحدها لا تصنع النهضة؛ فالثورة تحتاج إلى مشروع، والاحتجاج يحتاج إلى برنامج، والغضب يحتاج إلى قيادة. وغياب هذه العناصر في تشرين جعلها، رغم صدقها وعمقها، تظل مجرد صرخة في وادٍ، تذكر الجميع بالألم لكنها لا تشفي الجرح.

المحطة العاشرة | 2026 – عام الحقيقة المرة

في عام 2026م، وبعد أكثر من 22 عاماً على سقوط نظام صدام، لا يزال العراق يعيش حالة من عدم الاستقرار الهيكلي. النظام السياسي لا يزال قائماً على المحاصصة، والفساد لا يزال مستشرياً، والخدمات لا تزال متدنية، والبطالة لا تزال مرتفعة، والنزوح لا يزال مستمراً، والتدخلات الخارجية لا تزال مشلولة للقرار العراقي.
لقد حقق العراق بعض المكاسب فقد تخلص من ديكتاتورية صدام، وأقام نظاماً سياسياً تعددياً (وإن كان معيباً)، وحقق قدراً من الاستقرار الأمني بعد هزيمة داعش، وأصبح فاعلاً في محيطه الإقليمي. لكن هذه المكاسب تبقى هزيلة مقارنة بالتكاليف البشرية والمادية الهائلة التي دفعها العراقيون.
والسؤال الذي يطرح نفسه بكل إلحاح: هل يمكن للعراق أن يخرج من هذه الأزمة؟ هل يمكن له أن يعيد بناء إنسانَه قبل أن يعيد بناء دولته؟ هل يمكن له أن يتجاوز المحاصصة إلى المواطنة، وأن يحول النفط من نقمة إلى نعمة، وأن يستعيد وقته الضائع في بناء مستقبل حقيقي؟
الجواب، كما سنرى، يكمن في مفهوم السلام، ليس السلام بمعناه السلبي فقط (غياب الحرب)، بل السلام بمعناه الإيجابي ، السلام الاجتماعي، والسلام النفسي، والسلام الحضاري

الخاتمة | السلام حلاً

في خضم هذا الدمار، في قلب هذا الفشل، في مواجهة هذا الانهيار، يبقى السلام هو الحل الوحيد. ليس السلام كشعار سياسي ترفعه الحكومات في المؤتمرات الدولية، ولا السلام كهدنة مؤقتة بين الفصائل المتقاتلة، بل السلام كمنهج حياة، وكقيمة اجتماعية، وكمشروع حضاري.
السلام الأول : هو السلام مع الذات. والعراق اليوم في حاجة ماسة إلى مصالحة وطنية حقيقية، تعترف بجراح الماضي دون أن تكون أسيرة له، وتتجاوز الانقسامات الطائفية والعرقية دون أن تنكر التنوع، وتبني هوية وطنية جامعة تتسع للجميع. هذه المصالحة تحتاج إلى عدالة انتقالية، تعترف بضحايا جميع الأطراف، وتحاسب المجرمين من كل الطوائف، وتضع حداً للإفلات من العقاب. كما تحتاج إلى حوار وطني شامل، يشارك فيه جميع المكونات، ويضع أسس عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة لا على المحاصصة.
السلام الثاني : هو السلام مع الآخر. والعراق، بموقعه الجغرافي وتنوعه السكاني، مدعو لأن يكون جسراً للتواصل لا حاجزاً للصراع. فالسلام الإقليمي يبدأ من السلام الداخلي: حين يكون العراق مستقراً وقوياً، يكون قادراً على لعب دور إيجابي في محيطه، وحين يكون منقسماً وضعيفاً، يصبح ساحة للتدخلات الخارجية. ولتحقيق هذا السلام، يحتاج العراق إلى سياسة خارجية متوازنة، تبني علاقات جيدة مع جميع جيرانه، وتتجنب الانحياز في صراعاتهم، وتؤكد سيادتها واستقلالها.
السلام الثالث : هو السلام مع التراب. وهنا نعود إلى معادلة مالك بن نبي : لا حضارة بدون تراب، والتراب في العراق هو النفط. لكن السلام مع التراب يعني تحويل النفط من مصدر للفساد إلى محرك للتنمية؛ من أداة للنهب إلى وقود للبناء. وهذا يتطلب إصلاحاً جذرياً في إدارة الثروة النفطية: شفافية في العقود، ومحاسبة للمفسدين، واستثمار في البنية التحتية، وتنويع للاقتصاد، وتوزيع عادل للثروة. والنفط، في النهاية، هو ملك للشعب العراقي، وليس ملكاً للنخب السياسية أو الميليشيات أو القوى الخارجية.
السلام الرابع : هو السلام مع الزمن. والعراق، بعد أن أضاع أكثر من عقدين في الصراعات والفوضى، لا يمكنه تعويض الوقت الضائع بخطوات سريعة غير مدروسة. فالنهضة تحتاج إلى وقت، وإلى صبر، وإلى رؤية بعيدة المدى. وهذا يتطلب تعليماً يبني الإنسان، وصحة تحفظ الإنسان، واقتصاداً يكرّم الإنسان، وسياسة تخدم الإنسان. والوقت، في معادلة مالك بن نبي، ليس مجرد وعاء سلبي، بل هو عامل فاعل في بناء الحضارة، شريطة أن يُستغل استغلالاً واعياً ومنظماً.
السلام في العراق ليس حلماً بعيد المنال، لكنه ليس سهلاً أيضاً. إنه يتطلب إرادة سياسية صادقة، ومشاركة شعبية واسعة، ودعماً إقليمياً ودولياً مسانداً لا متدخلاً. ويتطلب أيضاً قيادات تعي حجم المسؤولية، وتضع مصلحة العراق فوق مصالحها الفئوية، وتستعد لتقديم التنازلات من أجل الوطن. والأهم من كل ذلك، يتطلب وعياً جماعياً بأن السلام هو السبيل الوحيد للبقاء، وأن الحرب – بكل أشكالها – هي طريق الدمار.
العراق، بلد الرافدين، مهد الحضارات، أرض الأنبياء والأئمة والعلماء، لا يستحق أن يبقى أسيراً للفوضى والفساد. والشعب العراقي، الذي عانى الكثير وصبر الكثير، يستحق أن يعيش بكرامة وسلام. والمهمة، اليوم وغداً، هي بناء هذا السلام، ليس كشعار، بل كمشروع حياة. وهذا هو جوهر رسالة مالك بن نبي، وهذا هو جوهر الأمل في مستقبل العراق.

أ. حسين علي حياوي المؤذن



#حسين_علي_حياوي_المؤذن (هاشتاغ)       Hussein_Ali_Hayawi_Al-mu’adhin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النيتروجين | العنصر الخامل الذي يغذي الحضارة ويهدد النظم الب ...
- الأكسجين | روح الاحتراق ونبض الحياة - من ثورة لافوازييه إلى ...
- البورون | شبه الفلز المعجزة - من تبلور الجلاميد إلى تسطير ال ...
- الكربون | عمود الحياة الفقري - من رحم النجوم إلى ذروة التكنو ...
- البيريليوم | الفلز الغامض بين الخفة والقوة - من الزمرد إلى ا ...
- الليثيوم | الفلز الخفيف الذي شحن العالم - من معادن البغماتيت ...
- الهيليوم | غاز الكون العزيز - من أطياف الشمس إلى موارد الأرض ...
- الهيدروجين | البروتون الأول - رحلة موسوعية من نشأة الكون إلى ...
- السيد السيستاني آخر العظماء
- بين ركام التردد وإرادة الشباب : قصة قانون حماية المسعف التطو ...
- الضربة الإيرانية لمركز الاستمطار السري في الإمارات – الحرب ا ...
- هرمز : الممر الذي كاد أن يشعل العالم
- أدبيات حزب الله اللبناني القتالية وفق التطورات الدولية
- بين ملمحة خرمشهر الموسيقية وخرمشهر الصاروخية : سقطت أسطورة إ ...
- العقل والتاريخ في مواجهة الأسطرة اللاهوتية
- معجزة المسيح السياسية
- أنطولوجيا النجاة
- الوعي في الفكر الإسلامي ما بين المعرفة و تحولات العولمة
- الفلسفة الأخلاقية | من النص إلى الوعي
- الأَغتيال الذي تم داخل الجسد .


المزيد.....




- وفاة جيمس بوروز الذي ساهم في رسم ملامح شخصيات مسلسل -فريندز- ...
- مستشار خامنئي يحدد شرطًا لاستمرار تدفق النفط عبر مضيق هرمز
- مصر ودول إقليمية.. حراك يتحدى إسرائيل
- مقتل ضابطين إسرائيليين جنوب لبنان
- -لم يكن بطلاً-: كيف أُخفيت حقيقة روبن هود العنيفة والمظلمة ف ...
- قصف إسرائيلي على غزة يوقع 5 قتلى فلسطينيين بينهم أربعة من عا ...
- علماء يحذرون: اضطراب في تيارات الأطلسي قد يغيّر مناخ العالم ...
- سكان برلين ينظمون مظاهرة مناهضة للحرب ويدعون للسلام مع روسيا ...
- خرج نتنياهو ليرد على الهاتف وعاد بوجه مختلف: المكالمة التي ب ...
- سوريا.. محافظ السويداء يتوجه برسالة -جبر خواطر- إلى أهالي ال ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي حياوي المؤذن - العراق بين انهيار الدولة وسقوط الإنسان | قراءة في الأزمة الاجتماعية العراقية (2003–2026م)