|
|
دونكيشوت يلاحق حماره
عماد أبو حطب
الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 10:01
المحور:
الادب والفن
دونكيشوت يلاحق حماره*
نصوص هدية لمن يستلذ باطلاق النار على قدميه
1. لجنة قياس الأقدام صار شعري أبيض حتى بدأت الغربان تترك فوقه رسائل احتجاج ، جلست على حجر أراقب ساحة البلدة ، اصطف الناس في طابور طويل أمام موظف يحمل مسطرة صدئة : ـ قدمي سحقتها الدبابة. ـ وأنا فقدت إصبعين. ـ وأنا فقدت القدم كلها. كان الموظف يهز رأسه بأسف مهني، ثم يمنح كل واحد وسامًا على شكل حذاء مثقوب ، حين وصل الدور إلى رجل بلا ساقين، توقفت المسطرة عن العمل،وانفجرت باكية ، رفع المناضل السابق كتفيه وقال: "المسطرة وحدها فهمت أن أحدًا لن يمشي إلى الغد" ، لكن أحدًا لم يسمع، لأن الجميع كانوا يتشاجرون حول أحقية البكاء.
2/ حديقة الرؤوس البيضاء
في كل صباح كانت الشعيرات البيضاء تسقط من رأسي، فتغرس نفسها في التراب،بعد أسبوع نبتت منها أشجار عجوز، لكل شجرة صوت من رفيق مات منذ سنوات ، لم تطلب الأشجار ثأرًا ، بل طلبت ماءً ، اجتمع أهل البلدة تحتها.قال الأول: "أنا عطشت أكثر."وقال الثاني: "أنا دفنت أولادي أكثر."وقال الثالث: "أنا استحق الماء قبل الجميع." يبست الأشجار وهي تستمع إلى المرافعات،اقتلع المناضل غصنًا جافًا، واستخدمه عصًا ، ضحكت الأشجار الميتة، كان ضحكها يشبه صوت الخشب حين يقتنع أن النار أكثر رحمة.
3/وزارة الندوب
استدعته الوزارة بصفته خبيرًا قديمًا في الخسارة ، وجد الموظفين يختمون الندوب بأختام رسمية : الندبة الطويلة تمنح صاحبها امتياز الوقوف في الصفوف الأمامية، والدائرية تؤهله لإلقاء الخطب، أما الندوب الصغيرة فكانت تُعتبر سوء تنظيم شخصي ، قال لهم إن الجوع لا يقرأ الملفات، فأصدروا قرارًا بتجويعه حتى يكتسب خبرة إدارية ، خرج وهو يضحك ، كان الضحك يزعج الحمام، فيسقط من السماء كأنه حجارة ناعمة.
4/سمكة الهواء
هبطت سمكة ضخمة من الغيوم، تسبح في الهواء وتصرخ: "كلوني قبل أن أموت." اجتمعت التجمعات حولها، لم يختلفوا على طريقة الطهو، اختلفوا على من يملك أقدم مجاعة،ظلت السمكة تنتظر حتى جفّت خياشيمها، ثم تحولت إلى سحابة ومطرت عظامًا صغيرة،التقط المناضل واحدة وقال: "حتى السمك اكتشف أن الموت أسرع من اجتماعاتكم"، واصل الناس الاجتماع تحت المطر.
5/محكمة تحاكم الأمس
كانت المحكمة تفتح أبوابها كل مساء لمحاكمة يوم الأمس ،القضاة هياكل عظمية ترتدي ربطات عنق ، كل فريق يقدم عددًا أكبر من الضحايا كشاهد إثبات،كلما ازداد عدد الشهود، صغر حجم الغد حتى صار بحجم حبة فاصولياء، رفعت الحبة ووضعتها في جيبي ،خرجت من المحكمة، نسي الجميع أنهم كانوا يحاكمون الزمن، فانشغلوا بمحاكمة بعضهم ، أما الحبة فأنبتت في جيبي شجرة صغيرة رفضت أن تنتمي لأي أحد.
6/مدينة تأكل أصواتها
كل كلمة عن التضحية كانت تتحول إلى رغيف خبز ، لكن أحدًا لم يأكله، كانوا يكدسون الأرغفة فوق المنابر لإثبات من تكلم أكثر ومن ضحى اكثر ، في آخر الأسبوع مات الخباز من الجوع ، مررت بجانبه، التقطت رغيفًا متحجرًا، طرقت به الباب فلم يفتح، قلت: "حتى الخبز صار خطابًا" ، ثم مضيت ، فيما كانت الفئران تؤسس حزبًا جديدًا اسمه "الخبز أولًا"، وفشلت في أول انتخابات لأنها أكلت صناديق الاقتراع.
7/جامع الظلال
صار ظلي يتقدم علي بعشرين خطوة،كلما تعبت ، ازداد الظل نشاطًا ، في الساحة كان الناس يتبادلون ظلالهم لإثبات أن معاناتهم أعمق، وإبادتهم الأكبر ،ظل الطفل صار لرجل عجوز ، وظل الجبان صار لبطل،أما الظلال الحقيقية فهربت إلى الجبال ، وقفت تحت الشمس بلا ظل، شعرت بخفة غريبة،قلت: "الظل الوحيد الذي يستحق المطاردة هو ظل الشجرة"، لكن الساحة كانت قد بدأت تتنافس على من فقد ظله أولًا.
8/طاحونة الشهداء
اكتشف الناس طاحونة تطحن الذكريات وتحولها إلى أوسمة،ازدحموا حولها،كل واحد يحمل ذكرى أثقل من الآخر، حين جاء دوري، وضعت في الطاحونة صمتًا قديمًا ، توقفت الآلة،ارتجفت،ثم بصقت رغيفًا ساخنًا ، حدق الناس في الرغيف بخيبة ، قالوا: "أين الوسام؟" أكله كلب هزيل، وهز ذيله لأول مرة منذ سنوات.
9/ ساعي البريد الأخير
كان ساعي البريد يوزع رسائل كتبها الموتى للأحياء،كل الرسائل تبدأ بجملة واحدة:"كفوا عن عدّنا" ، يمزقها الناس قبل قراءة السطر الثاني، في المساء امتلأت الشوارع بقصاصات الورق، تحولت القصاصات إلى أسراب جراد تأكل اللافتات والشعارات فقط، وتترك الأشجار سليمة ،جلست أراقب الجراد، ابتسمت،قلت: "على الأقل هناك مخلوقات تعرف ماذا يجب أن يؤكل."
10/السيرك الكبير افتتحوا سيركًا جديدًا، المهرجون يرتدون بزات عسكرية،والأسود تلقي الخطب،والجمهور يصفق لمن يبكي أكثر ، دُعيت لأكون الحكم، دخلت، ثم جلست على كرسي مكسور عند الباب ، حين انتهى العرض، أعلنت أن الفائز هو الكرسي. سألوني: "ولماذا؟" قلت: "لأنه الوحيد الذي حمل الجميع ولم يطالب بميدالية" ، ساد الصمت لحظة ، ثم تشاجروا حول أحقية الكرسي في الفوز، بينما انسحب الكرسي بهدوء، ومشى على أرجله الأربع خارج المدينة المدمرة.
* من نصوص مجموعة جديدة مليئة بتخيلات أعمل على تجميعها بعد ان اكتملت مجموعة بعنوان " متاهات الآلات النائمة"بانتظار ناشر يوافق على نشرها.
#عماد_ابو_حطب (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
آكل الشعارات الفنكوشية
-
لقد هرمنا
-
لاجئ دائم/1
-
لاجئ دائم/2
-
الذاكرة حينما تجف
-
عشق ريبوتي
-
ما بعد الاتمتة
-
مدينة الواي فاي المفقودة
-
عصفور يعيش داخل الشاشة
-
الحاجز الذي أكل الألوان
-
شجرة الزيتون والعصافير السبعة
-
رجال بين الجدران
-
امر في حالة ديجافو ماذا عنكم
-
باي باي هوليود
-
أطياف بين الحيطان
-
ضحكات على حافة الجدار
-
سلم على اليسار في عصر الباذنجان
-
على الدنيا السلام
-
كش ملك
-
وهم البطولة بين نظرية الأنسنة والموت
المزيد.....
-
كيف يبرز -كونغرس العربية والصناعات الإبداعية- مستقبل اللغة ا
...
-
الموسيقى تتصدر نقاشات منتدى الثقافات المتحدة في بطرسبورغ
-
معرض -سلالة- يوثق إرث عائلة ارتبطت بمسرح موسكو للفنون
-
الأمير هاري يخطط لإنتاج فيلم وثائقي عن والدته ديانا تكريما ل
...
-
بحضور 1600 مشارك.. مؤسسة قطر تختتم النسخة الثانية من ملتقى -
...
-
سبتة في مخيلة ألفونسو العاشر: كيف صاغ -الملك الحكيم- أحلام ا
...
-
كاظم الساهر: بعد سن الـ50 أصبحت أرى الأشياء بعمق
-
بمشاركة عربية وأجنبية.. بدء الاستعداد للدورة الـ13 لمهرجان د
...
-
جهود لإدراج -المقدمة- لابن خلدون في سجل ذاكرة العالم لليونسك
...
-
مهرجان الجونة السينمائي يكشف عن شعاره الجديد ويكرم منى زكي ف
...
المزيد.....
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|