أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد أبو حطب - الذاكرة حينما تجف














المزيد.....

الذاكرة حينما تجف


عماد أبو حطب

الحوار المتمدن-العدد: 8742 - 2026 / 6 / 20 - 17:20
المحور: الادب والفن
    


الذاكرة حينما تجف*

1) مفتاح البيت الذي لا يُغلق
في بيتٍ قديمٍ على أطراف المخيم الذي تتبدل أزقته ببطء، وُجد مفتاحٌ صغير في درج خشبي لا ينتمي لأي غرفة محددة ، كان المفتاح يظهر كلما فُقدت ذكرى بيت، لم يكن يفتح بابًا بعينه، بل أي باب يشبه الباب الأول الذي لم يعد أحد يتذكر شكله ، حين يُدار في الهواء، ينفتح فراغٌ دافئ تُسمع فيه أصوات خطوات قديمة، كأن المكان يعيد ترتيب نفسه كي يتذكر من سكنه. ومع كل محاولة فتح، يظهر باب جديد في جدار لم يكن موجودًا قبل لحظات، ثم يختفي حين يُغلق.

2) جرار تحفظ الكلام

في دكان فخّار ضيق، كانت الجرار مصطفّة على الرفوف كأنها تنتظر زبائن لا يأتون ، تبدو فارغة، لكن من يقترب يسمع داخلها همسات متداخلة، كل جرة تحتفظ بكلام قيل في أماكن بعيدة، في بيوت لم تعد موجودة أو في طرق لم يكتمل عبورها أحد وعندما تُفتح الجرة، يخرج الكلام متأخرًا، مرتبكًا، كأنه يبحث عن فمٍ قاله في الأصل. أحيانًا يعود الكلام إلى أصحابه بعد أيام، فيتذكرون أنهم قالوه دون أن يتذكروا متى.

3) سجادة تعرف الطريق

سجادة طويلة، مطرزة بخيوط متشابكة، كانت تُفرش في كل بيت جديد يُسكن ، من يمشي عليها يشعر أن خطواته ليست الأولى، بل امتداد لخطوات سابقة محفوظة في النسيج ، لم تكن السجادة تُرشد إلى أماكن، بل إلى ذكريات أماكن. كل منعطف في خيوطها يقود إلى شارع قديم، أو إلى باب كان يُغلق بسرعة، أو إلى لحظة انتظار لم تكتمل، ومع الوقت، صار الناس يخشون المشي عليها لأنهم يعودون إلى أنفسهم أكثر مما يعودون إلى المكان.

4) مدرسة بلا جدران

في ساحة مفتوحة بين أشجار لا تُعدّ، كانت مدرسة بلا جدران تبدأ كل صباح ، الكتب لا تبقى في يد واحدة، بل تنتقل كأنها تتنفس، كل كتاب يغيّر جمله قليلًا بحسب من يقرأه، فيصبح التاريخ أقل ثباتًا، وتصبح الجغرافيا أقرب إلى الحلم ، الأطفال لا يحفظون الدروس، بل يعيدون كتابتها بأصابعهم على الهواء ، ومع مرور الوقت، لم يعد أحد يميز بين ما هو مكتوب وما هو متذكر.

5) ثياب لا تبقى كما هي

في خزانة خشبية واحدة، كانت ثيابي تتغير مواقعها كل ليلة دون أن ألمها، القميص الذي رافق رحلة المنفى الطويلً قد يظهر لاحقًا في بيت آخر عند شخص لم يسافر قط، لكنه يشعر بثقل الطريق في القماش، المعطف الذي شهد شتاءً قاسيًا ينتقل إلى جسد جديد في يوم دافئ، لكنه يبقى يحتفظ بالبرد داخله ، لم تعد الثياب تغطي جسدي فقط، بل تحمل ما مرّرت به من غياب وحضور.

6) قدر تطهو الأسماء

في مطبخ جدتي القديم تتبدل فيه الروائح دون سبب، كانت القدور تُستخدم أحيانًا بلا نار ، يوضع فيها ماء وبهارات وقطع من ذاكرة يوم عادي، فتخرج أطعمة تحمل أسماء قرى بعيدة لم تُزر من قبل ، من يتذوقها يشعر أنه يعرف الطريق إلى تلك الأماكن دون أن يكون قد رآها. الطعام لا يشبع الجوع فقط، بل يوقظ إحساسًا بأن الإنسان كان في مكان آخر قبل أن يولد في هذا المكان.

7) حجارة تحفظ المرور

في طريق المخيم الضيق وبين البيوت المتقاربة، كانت بعض الحجارة أدفأ من غيرها، ليست مختلفة في الشكل، لكن من يمر فوقها يشعر بأنها تتعرف على خطاه ، كل حجر يحتفظ بمرورٍ سابق، ليس كأثر بل كذاكرة ثقيلة، حين يطول الوقوف عليها، تسمع داخله كأن الطريق يعيد سرد من مرّوا قبله، دون أسماء، فقط بإيقاع الخطوات ، ومع الوقت، يصبح الطريق كائنًا يتذكر أكثر مما يُرى.

8) مكتبة لا تعرف النهاية

في غرفة بلا أبواب واضحة، كانت الكتب معلقة في الهواء كأنها تبحث عن ترتيب لا يأتي ، كل كتاب يختار مكانه كل مرة يُنظر إليه ، وعند فتح أي صفحة، لا تبدأ قصة واحدة، بل تتفرع حكايات صغيرة تتقاطع دون أن تلتقي. بعض الحكايات تشبه القارئ، وبعضها يشبه ما كان يمكن أن يكونه ولم يكن. ومع كل قراءة، تتغير المكتبة قليلًا، كأنها تكتب نفسها من جديد.

9) صور تتأخر في الظهور

صور قديمة كانت تتأخر في التكوّن، كأن الزمن يحتاج إلى إعادة ترتيب قبل أن يسمح لها بالظهور ، أحيانًا تظهر صورة بعد سنوات ، وفيها تفاصيل لم تكن موجودة لحظة التقاطها: ظلّ إضافي ، باب مفتوح في الخلفية، أو شخص لم يكن هناك ، لا أحد يعرف إن كانت العدسة قد التقطت ما سيحدث أم أن الذاكرة أضافت ما تحتاجه الصورة كي تكتمل.

10) أسماء تبحث عن أصحابها

في ليالٍ هادئة، كانت أسماء تُسمع في الهواء دون أن يعرف أحد مصدرها، كل اسم يتحرك ككائن صغير يبحث عن جسدٍ يناسبه ، بعض الأسماء تلتصق بأشخاص لا يشبهونها ، فتقضي حياتها تحاول التكيّف، وبعضها يرفض الاستقرار ويظل يتنقل بين الناس ، أحيانًا يسبق الاسم صاحبه، فيُعرف الإنسان باسم لم يعيشه بعد. وأحيانًا يتأخر، فيعيش الشخص بلا اسم لفترة طويلة، كأنه ينتظر أن يُكتشف.

* من نصوص مجموعة جديدة مليئة بتخيلات أعمل على تجميعها بعد ان اكتملت مجموعة "متاهات الآلات النائمة"بانتظار ناشر يوافق على نشرها.



#عماد_ابو_حطب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عشق ريبوتي
- ما بعد الاتمتة
- مدينة الواي فاي المفقودة
- عصفور يعيش داخل الشاشة
- الحاجز الذي أكل الألوان
- شجرة الزيتون والعصافير السبعة
- رجال بين الجدران
- امر في حالة ديجافو ماذا عنكم
- باي باي هوليود
- أطياف بين الحيطان
- ضحكات على حافة الجدار
- سلم على اليسار في عصر الباذنجان
- على الدنيا السلام
- كش ملك
- وهم البطولة بين نظرية الأنسنة والموت
- ناقد يبحث عن فريسة
- جمهورية الأخوة الاعداء (الفاكهاني (/٣
- حتى لا يضيع البيت مرتين
- جمهورية الأخوة الاعداء)الفاكهاني (/١
- جمهورية الأخوة الاعداء)الفاكهاني (/٢


المزيد.....




- أشبه بفيلم أكشن.. رجال ونساء يتبادلون اللكمات وسط تطاير الحق ...
- -كأنه خارج من فيلم خيال علمي-.. طيار أمريكي يكشف ما رآه قبل ...
- -ليس فقط لراكبي الدراجات-... بطرسبورغ تستضيف مهرجان -بيتر مو ...
- كوابيسها تلاحقك بعد العرض؟.. هذه أبرز أفلام الرعب في النصف ا ...
- طهران تعلن اختتام المحادثات الفنية مع واشنطن دون حسم ملف الأ ...
- إيران: المباحثات الفنية مع واشنطن تفضي لاتفاق على تشكيل مجمو ...
- سرقة تهز منزل المخرج محمد عبد العزيز.. وكاميرات المراقبة ترص ...
- وزارة الثقافة الروسية تقرر البدء الفوري في ترميم متحف -الدفا ...
- بدء عملية اختيار الأفلام المرشحة للفوز بجائزة -الفراشة الماس ...
- في ذكرى ميلادها.. آنا أخماتوفا بين مجد الشعر ومآسي القرن الر ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد أبو حطب - الذاكرة حينما تجف