أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (27)














المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (27)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8740 - 2026 / 6 / 18 - 11:22
المحور: الادب والفن
    


لم تكن ظهيرة القنطاوي تشبه ما سبقتها في مدنٍ مررت بها، مخيّراً حيناً، وأحياناً مختاراً لها. هي لا تشبه كل ما مررت به من قبل. أعرف أن غداءنا في الخالص الآن بامية عراقية مع كسور لحم، لكني تغديت اليوم كسكسي بالعلوش مع ياسمينٍ أبيض، هو بطاقة هوية أحملها أينما ارتحلت.
طلبت مني قبل أن تذهب أن أرتاح في قيلولةٍ صغيرة، إنها تعرف ما أقوم به هنالك عند حافات دجلة. وعدتني أن نكون في البحر عصراً. قلت لها: ألم نكن عنده في الصباح؟
قالت: بلى، كنا عنده، لكن عصراً سنكون فيه. هنالك فرقٌ كبير يا حسوني.
فعلاً هنالك فرقٌ كبير جداً، تعلمت هذا الآن. تذكرت أنها ذات مرة حدثتني عن البحر الذي هو جارهم، وجاري أنا الآن. لا أريد أن أتعب نفسي بكل شيء، إني بحاجة لأن أستلقي على فراشي بعد يومٍ ممتعٍ في كل شيء.
لم لا أعمل شاياً؟ المسألة تحتاج فقط أن لا أكون كسولاً. الشاي رفيق المحاربين هناك في الجبهات. كان عندنا إبريق شاي يكفي أربعة جنود، كنت أحدهم. أتذكر جيداً شكله عندما جلبته من البصرة، رصاصي اللون. تغير لونه عدة مرات لكنه ظل يحمل لقب "إبريق شاي". لا أحد يرفض أن يخدّر شاياً، لأنه العمل السهل والمحبوب للمحاربين الذين يحتاجونه كل لحظة، وقبل كل سيجارة يدخنونها.
إبريق شقة القنطاوي مختلف؛ أنيق، عليه ورد الياسمين وبقايا بصمات الأوربيين الذين سكنوا الشقة قبلي. إبريق البصرة يحمل بصمات أربعة أشخاص: ستار الخياط ابن مدينة الثورة التي بناها الزعيم عبد الكريم قاسم، التي أصبحت مدينة الرافدين في زمن عبد السلام عارف، ومدينة صدام لثلاثين عاماً. كم كان الزعيم قاسم أنانياً عندما لم يمنحها اسمه!
والثاني كريم، ابن البصرة الذي يعرف كل بائعات القيمر هناك. كريم الذي ما إن غادرت وحدتنا مدينته، وفي أول حربٍ خارجها، جُرح في جبال السليمانية، فقد إصبعين ظلت بصمتهما على الإبريق تحاكينا.
ثالثنا خميس، ابن الفلوجة الذي ظل يطارد الجبهات وكتب اسمه في سواترها هنا وهناك.
ورابعهم هذا الذي يخون رفاق السلاح، ويحاول أن يخدّر شاياً بإبريق لا يحمل بصماتهم. فما هي نكهة الشاي بدون أصابع كريم، ومرح خميس، وستار الذي وعدني يوماً إن انتهت الحرب أن يخيط لي بدلة زفافي؟
مع هذا، أنا أحتاج الشاي، اعتدت عليه. هؤلاء التوانسة يشربون القهوة والعصير بعد الأكل، أنا نصفي الآخر يحتاج شاي الظهر وشاي العصر. آخر مرة، قبل يومين، شربت الشاي بمقهى أبو عليه عند تقاطع سوقين في الخالص.
ها أنا أرتشف شاياً من إبريقٍ مختلف، لكنه لذيذ بالهيل. إنها من جلبت لي هذا الشاي. تذكرت الآن: إنه بالهيل والياسمين. نعم، أحتاج سيجارة أغازلها، أبادلها الكلمات. لكن العصر سنكون في البحر كما قالت.
ركبت البحر من قبل، كانت سفرة عادية لا أتذكر تفاصيلها، كما نسيت تفاصيل كل رحلات ما بعد 2005. لم تترك أثراً، ربما لأني كنت وحدي في رحلة أشبه بالتيه، أو هو سفر يشبه العبث أحياناً، سفر بلا هدف.
قدح آخر من هذا الشاي يعيد توازن رجلٍ شرقي أدمنه. حتى صوت الشاي عندما ينسكب في القدح مختلف؛ هادئ كأنه يرقص، تشعر أنه يخرج بغنجٍ ويندفع بإغراء إلى قدحٍ هو الآخر لم يكن يوماً يحتوي على جبن، حوله الجنود لقدح شايٍ فيما بعد.
ستأخذني في البحر وليس إلى البحر. أمي تختلف عنها، كانت تعطينا التفاصيل ولا تتركنا نسأل. هذه التونسية التي كانت أول عراقية تدخل هذا المطعم تجعلني أسأل: ماذا نفعل في البحر؟ هل نعوم؟ ليس معي ملابس سباحة. هل تأخذني لأرى عروس البحر؟ لا أدري، ربما رحلة بحرية قد تكون من ملاك اليخوت ولا أدري؟ العصر ليس ببعيد، سيأتي حتماً، ولن أسأل عن التفاصيل.
أحتاج سيجارة ثانية. هذه المرة هي تغازلني، لم أسمع امرأة غازلتني سوى سجائري. قدح الشاي الثاني مع سجارته طقمٌ كامل لا يتجزأ، أحتاجه. أدى مفعوله بقوة.
إذن آخذ دوشاً بارداً، فأنا لا أعرف تفاصيل الرحلة. أحلق ذقني، أختار ما ألبس ما بين قميصين، والمحظوظ منهما يرافقني في البحر. يبدو أن هذا ذا اللون الزهري مع الكاوبوي الأزرق يمنحنا تأشيرة دخول للبحر.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (26)
- يوميات الحرب والحب والخوف (25)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٤)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٢)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢١)
- عالم متعدد الأقطاب
- أوربا وتحديات الانسحاب الأمريكي
- ذاكرة زمن الخوف (8)
- ذاكرة زمن الخوف (7)
- ذاكرة زمن الخوف (6)
- ذاكرة زمن الخوف (٥)
- ذاكرة زمن الخوف (٤)
- ذاكرة زمن الخوف (٣)
- ذاكرة زمن الخوف (٢)
- ذاكرة زمن الخوف (١)
- لبنان بين الهدنة والسلام
- مواصفات حاكم العراق
- الإصلاح السياسي
- حربٌ وهدنةٌ وحصار


المزيد.....




- -دبلة- شيرين عبد الوهاب تثير الجدل (فيديو)
- عبد الله إبراهيم.. السردية العربية جديرة بالاستنطاق.. و-المط ...
- جراحة فتق تحولت إلى كابوس.. القتل الرحيم ينهي معاناة الفنان ...
- سفارة دولة فلسطين تستضيف الثقافة البوسنية وتفتح أبوابها للمج ...
- معدات شحيحة وطموح بلا حدود.. طلاب غزة يتحدون الظروف لمواكبة ...
- مهرجان الموسيقى العربية يحمل اسم هاني شاكر.. ودرع تكريمه يثي ...
- مهرجان نيويورك يفتح أبوابه أمام -نازا- وأفلام -كان- وفينيسيا ...
- بعد غضب إسرائيل.. مخرجا -نازا- يتيحان الفيلم مجانا عبر الإنت ...
- إسرائيل: بعد شطب قائمتين عربيتين.. هل يغيب التمثيل العربي عن ...
- -سويوزمولتفيلم- يحتفل بتسعين عاما.. أفلام روسية تعبر الحدود ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (27)