أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - من الشك🙇‍♂إلى اليقين:الغزالي وديكارت وإيفان كارامازوف في رحلة العقل الإنساني …















المزيد.....

من الشك🙇‍♂إلى اليقين:الغزالي وديكارت وإيفان كارامازوف في رحلة العقل الإنساني …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8734 - 2026 / 6 / 12 - 21:10
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ ربما لا توجد قوة أكثر حضوراً في حياة الإنسان من الشك ، فهو يرافقه منذ لحظة وعيه الأولى بالعالم ، ويلازمه في تفاصيل حياته الصغيرة كما في أسئلته الكبرى ، فالزوج قد يشك في تصرفات زوجته ، والزوجة قد تتوجس من غياب زوجها أو تغير سلوكه ، لا لأن الحقيقة قد انكشفت لهما ، بل لأن العقل البشري بطبيعته يميل إلى البحث عما وراء الظواهر ، ومن هذا الميل الفطري وُلدت أعظم الأسئلة التىّ عرفتها البشرية ، ومنها انطلقت الفلسفة والعلوم والأديان ، لهذا لم يكن الشك ، في تاريخه العميق ، مرادفاً للضياع أو الإنكار ، بل كان في كثير من الأحيان البوابة الأولى إلى المعرفة ، فالمفكرون والعلماء الذين غيروا مسار التاريخ لم يبدأوا من اليقين ، بل من الشك في المسلمات ، ولم تكن حياتهم سهلة أو مريحة ، لأن المجتمعات غالباً ما تنظر بعين الريبة إلى من يراجع الموروث أو يعيد مساءلة ما استقر في الوعي الجمعي ، ومع ذلك ، ظل هؤلاء يؤمنون بأن نهضة الأمم لا تتحقق إلا عندما يمتلك العقل شجاعة السؤال .

في هذا السياق برز أبو حامد الغزالي في الشرق الإسلامي ، ثم رينيه ديكارت في أوروبا الحديثة ، بوصفهما نموذجين استثنائيين لرحلة الشك الباحثة عن اليقين ، ورغم اختلاف البيئة واللغة والعصر ، فإن القارئ لمسيرتهما يشعر وكأنهما كانا يسيران في طريق واحد ، وإن انتهى كل منهما إلى وجهة مختلفة ، بدأ الغزالي رحلته بالتشكيك في الحواس ، فقد أدرك أن العين قد ترى الكوكب صغيراً بحجم الدينار ، بينما تثبت المعرفة لاحقاً أنه يفوق الأرض حجماً بأضعاف كثيرة ، وهكذا توصّل إلى أن الحواس ليست مصدراً مطلقاً للحقيقة ، وبعد قرون ، سلك ديكارت الطريق ذاته تقريباً عندما تساءل عن صدقية المحسوسات ، وضرب مثال العصا التىّ تبدو منكسرة عند غمرها في الماء وهي مستقيمة في الواقع ، لكن ديكارت لم يتوقف عند هذا الحد ، فقد وسّع دائرة الشك إلى درجة غير مسبوقة ، متسائلاً : كيف أتيقن أنني مستيقظ الآن؟ أليس من الممكن أن أكون في حلم طويل أظنه حقيقة؟ وهكذا هدم ، نظرياً ، كل ما تراكم في العقل من معارف ومعتقدات ، باحثاً عن نقطة يقين واحدة لا يمكن الشك فيها ، وعندما وجد نفسه يشك ، أدرك أن الشك ذاته فعل تفكير ، وأن التفكير دليل على الوجود ، فكانت عبارته الشهيرة: «أنا أفكر، إذن أنا موجود».

أما الغزالي فقد سلك طريقاً مختلفاً في نهايته ، فبعد أن اختبر حدود العقل وقدراته ، خلص إلى أن العقل وحده لا يكفي للوصول إلى الحقيقة المطلقة ، وأن اليقين الأسمى يأتي من نور إلهي يهبه الله للإنسان ، ومن هنا نشأت لديه رؤية معرفية تجمع بين العقل والإشراق الروحي ، بدلاً من الاكتفاء بالعقل المجرد ، غير أن رحلة الشك لم تتوقف عند الغزالي وديكارت ، ففي القرن 19 ، حمل الأديب الروسي فيودور دوستويفسكي هذا السؤال إلى مستوى أكثر عمقاً وتعقيداً عبر شخصية إيفان كارامازوف في رواية “الإخوة كارامازوف” ، لم يكن إيفان يشك في الحواس كما فعل الغزالي ، ولا في المعرفة كما فعل ديكارت ، بل شك في العدالة ذاتها ، وفي قدرة العقل على تفسير الشر والألم في العالم ، لقد مثّل التمرد العقلي بأقصى صوره ، حين رفض التسليم بعالم يعج بالمآسي ويُطلب من الإنسان قبوله بوصفه جزءاً من نظام كوني عادل ، وهنا يظهر الفارق الجوهري بين الشك بوصفه منهجاً للبحث عن الحقيقة ، والشك بوصفه حالة تمرد على الوجود نفسه ، فالغزالي شك ليؤمنز، وديكارت شك ليعرف ، أما إيفان فقد شك لأنه لم يستطع التوفيق بين العقل والواقع ، لذلك بدا وكأنه يقف عند حافة الهاوية الفكرية التىّ قد يصل إليها الإنسان عندما يواصل الشك دون أن يجد نقطة ارتكاز أخلاقية أو روحية .

ولعل هذا ما يجعل الشك أحد أكثر الظواهر الإنسانية تعقيداً ، فهو يبدأ من سؤال بسيط في حياة الناس اليومية ، وقد يصل إلى إعادة بناء الحضارات أو هدم المنظومات الفكرية بأكملها ، إنه القوة التىّ دفعت العلماء إلى اكتشاف القوانين الطبيعية ، والفلاسفة إلى مراجعة المسلمات ، والمصلحين إلى تحدي السائد ، لكنه في الوقت ذاته قد يتحول إلى قلق وجودي عميق عندما يفقد الإنسان القدرة على العثور على يقين يطمئن إليه ، لهذا ، فإن القيمة الحقيقية للشك لا تكمن في الهدم وحده ، بل في قدرته على الوصول إلى بناء أكثر صلابة ، فالشك الذي لا يقود إلى معرفة يصبح ارتياباً ، والشك الذي لا يفضي إلى حقيقة يتحول إلى عبء على العقل ، وبين الغزالي وديكارت وإيفان كارامازوف تتجسد هذه الحقيقة بوضوح ؛ ثلاثة عقول فريدة انطلقت من السؤال ذاته ، لكن كلاً منها وجد إجابته في مكان مختلف : الغزالي وجدها في الإيمان الذي يتجاوز حدود العقل ، وديكارت وجدها في العقل الذي يؤسس لليقين ، أما إيفان فبقي عالقاً بين السؤال والجواب ، بين رفض الواقع والعجز عن تجاوزه ، فكان تمرده شاهداً على المأزق الإنساني حين يصبح الشك غاية في ذاته لا وسيلة إلى الحقيقة.

ولعل هذه الأبيات تجسد جانباً من القلق الوجودي الذي رافق الإنسان منذ القدم ؛ ذلك القلق الذي يدفعه إلى التساؤل والبحث والمراجعة ، فيتأرجح بين اليقين والحيرة ، وبين الطمأنينة والشك ، يقول عدي بن ربيعة ، " إِنَّ في الصَدرِ مِن كُلَيبِ شُجوناً - هاجِساتٍ نَكَأنَ مِنهُ الجِراحا - أَنكَرَتني حَليلَتي إِذ رَأَتني - كاسِفَ اللَونِ لا أُطيقُ المُزاحا - وَلَقَد كُنتُ إِذ أُرَجِّلُ رَأسي - ما أُبالي الإِفسادَ وَالإِصلاحا - بِئسَ مَن عاشَ في الحَياةِ شَقِيّاً - كاسِفَ اللَونِ هائِماً مُلتاحا - يا خَليلَيَّ نادِنا لي كُلَيباً - وَاِعلَما أَنَّهُ مُلاقٍ كِفاحا - يا خَليلَيَّ نادِنا لي كُلَيباً - ثُمَّ قولا لَهُ نَعِمتَ صَباحا - يا خَليلَيَّ نادِنا لي كُلَيباً - قَبلَ أَن تُبصِرَ العُيونَ الصَباحا ".

وربما لهذا السبب لم تتقدم الأمم يوماً باليقين الجامد ، كما أنها لم تُبنَ على الشك المطلق ، فالتاريخ الإنساني ، في جوهره ، هو حركة دائمة بين السؤال والجواب ، بين الهدم والبناء ، وبين الجرأة على مراجعة الموروث والحكمة في تأسيس بدائل أكثر رسوخاً ، ومن هنا لم يكن الشك عند كبار المفكرين إعلاناً للحرب على الحقيقة ، بل كان الطريق الأصعب للوصول إليها ، فالعقول الكبرى لا تخشى الشك ، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن قيمته الحقيقية تكمن في ما يفتحه من آفاق للمعرفة ، لا في ما يخلقه من فوضى ، وبين عقلانية ديكارت ، وروحانية الغزالي ، وتمرد إيفان كارامازوف، وشقاء كليب ، تتجلى واحدة من أعمق دروس الفكر الإنساني : أن الإنسان لا يتوقف عن البحث ، وأن الحقيقة ، مهما اختلفت طرق الوصول إليها ، تبدأ دائماً بسؤال جريء …والسلام 🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهروب🏃‍♂من الواقع…حين يصبح الانسحاب استراتيجي ...
- من يخسر الحرب حقاً؟حين يتحول إرث ترامب🇺🇸السي ...
- بين دانيال🦁وأوديب👦:الإنسان بين قوة الإيمان و ...
- بين رعب الميدان ومأزق السياسة🙆‍♂ ؛سليل ابي محم ...
- الوفاء والفساد وصناعة المستقبل: من حمامةٍ🕊تبحث عن إن ...
- العمران الغائب🤷‍♂: كيف خسر الإنسان العربي معرك ...
- من أسطورة الملاعب⚽إلى اقتصاد النفوذ: محمد صلاح وكرة ال ...
- الكبت والذاكرة: كيف يصنع الإنسان سجنه الداخلي؟…
- بين الأصل والتقليد: بن غفير وشعبوية الاستعراض🤡في زمن ...
- قلعة الشقيف🏭والتحولات الجيوسياسية:من دروس المقاومة إ ...
- الضحكة بوصفها وثيقة حضارية😂:من هشاشة اللحظة إلى تحول ...
- الاغتيالات السياسية بين الاختراق الاستخباراتي🆔وأزمات ...
- جحيمُ🔥الآخر وصناعة الفوضى الإنسانية - قراءة فلسفية ف ...
- الخجل🙈في زمن الانهيار …
- حافظ الأسد والقضية الفلسطينية🇵🇸:بين شعارات ا ...
- جمهورية الموز🍌– إسرائيل بين العزلة السياسية والاستنز ...
- الصراخ🙀في العصر الحديث: حين يفقد الإنسان صوته الداخل ...
- بين وهم الاستبداد وتحولات الوعي العربي-قراءة📕سياسية ...
- السخرية 🎭بوصفها مرآة لانهيار المجتمعات -من الفنّ الإ ...
- النكبة🇵🇸بين الذاكرة والتحوّل: حين ينتصر السر ...


المزيد.....




- إيلون ماسك يصبح رسميا أول تريليونير في العالم
- شاهد.. مقاتلات تحلق فوق البيت الأبيض قبيل نزالات UFC المرتقب ...
- تعزيزات عسكرية ومدرعات في هرات الأفغانية على خلفية موجة الاح ...
- وزير الخارجية الباكستاني يتوجه إلى جنيف لإتمام جهود الوساطة ...
- في هجوم نادر.. وكالة إيرانية تنتقد -الغموض الدبلوماسي- لعراق ...
- حرب إيران: قواعد اشتباك جديدة
- خبيرة ألمانية تدعو إلى معاقبة المتورطين في إنشاء مختبرات بيو ...
- العراق.. إحباط مخطط لاغتيال رئيس جهاز الأمن الوطني ومدير أمن ...
- 4 سنوات قبل اكتشافه.. العثور على جهاز تجسس صيني داخل سيارة ر ...
- اتصالات مصرية باكستانية إيرانية بعد إعلان ترامب نهاية الحرب ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - من الشك🙇‍♂إلى اليقين:الغزالي وديكارت وإيفان كارامازوف في رحلة العقل الإنساني …