أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الله خطوري - لَقَدْ أَوْدَعَتْهُ حِضْنَهَا ( نص سردي )















المزيد.....

لَقَدْ أَوْدَعَتْهُ حِضْنَهَا ( نص سردي )


عبد الله خطوري

الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 18:47
المحور: الادب والفن
    


على الإنسان أنْ يحرث كيانه جيدا، أَنْ يُعَمِّقَ غَوْرَ الْحَفْرِ، أنْ يُدققَ أخاديدَ سكك الخطوط مستقيمةً، يُثَبِّتُ غَرْزَها نصلُ محراث حازم، حتى إذا بُذِرَتِ البذورُ، استقرَّتْ في قرارها المكين تحضنه يحضنها لا تبرحه، لتكتمل دورة الإنبات المنتظرة ... كان عَلَيَّ أَنْ أنتبهَ لِمَا يقع لي وحولي، أَنْ لا أفقدَ توازني حتى لا تغيبَ عني الكثيرُ مِنَ الأشياء، وهي حاضرة واقعة _ شئتُ ذلك أو أبيت _ أعيشُها تعيشني .. كان عَلَيَّ أنْ أثبتَ أكثر كي لا تفعلَ بي الهواجس فعالها الهوجاء تلهو بمخاوفي ترتع لاغبةً مُزبدةً في أحشائي بلا حسيب أو رقيب .. أُوووه .. كيف حدث ما حدث دون أنْ أراهُ أنْ أسمعهُ أو أدركه ؟؟ كأني كنتُ غائبًا نائمًا أو مُنَوَّمًا في سُباتٍ صَفيقٍ مُقصًى عن مَعيش الناس المألوف .. أووف يا صاحبي .. لِمَ الإلحاحُ، لِمَ هُوهُوهُـاتُكَ المُلْغِزَة الملغومة، لِمَ صمتُكَ المطبق، لِمَ بَوْحُكَ المُحْرِقُ، لِمَ قلتَ ما قلتَ .. آه .. لَمْ تقلْ شيئا يا أنتَ، لكن بوحكَ الأبكمَ كان أفدح من الكلمات تجود بها قرائحك .. ويلكَ سِيعْلي ماذا فعلتَ، لِمَ جشَّمْتني ما لا أطيقُ، لو أنكَ فقط التزمتَ سمتَكَ آلشفيفَ، صمتكَ المُشْرِقَ، لَمَا فُتِحَتْ تلك البوابة الموصدة، لَمَا ولجتُ، لَمَا عرفتُ .. لَكُنْتُ استغرقتُ في جهالتي هادئا أستمرئُها مطمئنا وانتهى الأمر؛ لكن نشازكَ يا معتوه المعتوه أبَى إلا أنْ يفعلها .. آآه ه .. مِنْ أي مجرة أو فلك أتيتَ مَنْ أرسلكَ إليَّ مَنْ حرَّضَكَ مَنْ نَعَتَ لك الطريق .. كأنه هُوَ .. كنتُ أقولُ .. وما شأنكَ أنتَ .. كان عليك أن تقتصرَ على هُوهاتكَ تصدرها حَنجرتُك تكتفي أكتفي ونكتفي جميييعا؛لكنك، يا بغيضُ، أبَيْتَ إلا أَنْ تخطوها خطوات ثقيلة نحوي، وأنا الغبيُّ الغرِّيرُ، وثقتُ بك كالعادة، وقفتُ قُدَّامَكَ لَمْ أَنْجُ بجلدي .. آه لو صَدَدْتُكَ للحظة واحدة، لو أعْرَضْتُ عنك لو صَعَّرْتُ خدي، لو التجأتُ إلى أصحاب الطقوس ألحَقُ دفنهم، لو انضممتُ إلى إخوة لي صغار قدموا للتو من المدينة ألهُو لهوَهم وأطفال البلدة قرب المقبرة أو في العين أو البساتين أو في جزر الجان والطوفان آآه لو سرحتُ تهتُ تلفتُ غبتُ عنك عن وجودك الأهوك، لَمَا وقعتُ في فخ حِضنكَ المشؤوم .. مَدَدْتَ يديكَ، مددتُ يَدَيَّ، رفعْتَ ساعديْكَ حتى تجاوزتا هامتي .. التزمتُ الصمت، أطرقتُ .. ليس هُوَ .. جعلتُ كمخبول ألغُو أخربطُ .. هُوهُوهُـو .. لَمْ تتوقفْ عن ترديدها .. طَوقَتْني ذراعاك طفقتا تكبران تخشنان تستديران تلينان تشكلان حلقة مغلقة شَبَكْتَ فيها أصابعكَ المرتعشة غَلَّفْتْني حَضنتني و ... خفقتْ بي خُطايَ، انقشع الظلام عن جبهة مغضنة، عن عين مُدماة محجرُها، ترى الضباب، عَنْ عَيْنٍ شاخصةٍ تَرَاهُمْ محيطين يتفقدون بَدَنِيَ الوهنَ يَخِرُّ من جديد .. لقد نزف نزف يَـڭُّونْزَرْ .. هي عادته، ليستِ المرة الأولى .. مايَنْ يُوغَنْ آحَرَّودَا ( 1 ) ماذا وقع ويقع لهذا الولد لَبْدَا يَطُّوطَا يسقط دائما .. لِيَعُدْ غَرْ يَمَّاسْ إلى أمه كي يشخصوا حالته المتفاقمة يَنِّيمَـرْ .. عليه أنْ يبرأ، لازال صغيرا إيسُولْ دامزيانْ، لِيَذْهَبْ، لا مكان له هنا لا بد له من رعاية .. إنه لي لي إينُو دْيالي .. كنتُ أرددُ بين اليقظة والمنام .. وجدتُني مُسَجَّى في مضجع جدي الأثير في إحدى ضحيات النهار فويق مرقد التراب أرنو إلى السقف المفحم الحادر ...

_ ياكْ نِّيغاشْ يا بعدا غيمْ آغيمي نَّشْ ... ( 2 )

قالت والدة والدتي ( تاهريدانت ) بحنق واضح .. صمتتُ .. لم أقل شيئا ..

_ ماينَّخْ أورْتْسْغَادَتْ إي وَوالْ .. ( 3 )

قالتْ .. صمتتُ .. لم أقل شيئا ..

_ ياكْ نَهْرَغْشْ خْ تاليتْ غَرْ وَسْطيحْ ... ( 3 )

استرسلَتْ مؤنبة .. صمَتْتُ .. لم أقل شيئا .. اكتفيتُ بعَدِّ عدد الأعمدة المثبتة بالسقف، وشيء كالخشاش يخشخش يَسْخُورْدُوشْ في الخفاء بين الفراغات الكثيرة، وفي جيب بنطالي القصير حياة تتحرك في حياء .. أدخلتُ يدي أتفقدُ عهدتي، وإذا هُوَ هُوَ ساكنا مطمئنا آمنًا كما عهدتُه هناك بعيدا عن بطش الهررة المتربصة .. وأخرجتُهُ .. لا .. لم أخرجه، لقد انفلتَ من حيث لا أحتسبُ، وراح يتلفُ في أَدَّارْ مراح الدّار يزحف ينطُّ يحاولُ يقلدَ الكبار، يطير مرتبكا، يرتطم بالزوايا بالأركان بالأعمدة الواقفة بالمتاع بالسقف بحيطان التراب ...

_ آرَى تيدْ .. آرَى لَهْنَا ..

صاحَتْ بغضب ..

_ إنَّهُ لـي طْوِيِّـرْ دْيالي ... ( 4 )

رددتُ كمعتوه مرارا، بينما استمرَّ إصرارُها الصارمُ ..

_ نِّيغَاشْ آراتيدْ .. ( 5 )

لَمْ أسْتجبْ .. لَمْ تَكْتِفِ لَم تتوقف عن التأنيب، ظلَّتْ غاضبة تحدجني عيناها المتقدتان .. استويتُ جالسا .. وقفتُ .. أسرعتُ نحو طيرَانه المترنح أقفو حركاته الخرقاء .. حاولتُ أقبضَه، لكنه كان دائما ينسلتُ من بين أصابعي، هرعتُ ألحق عثراته الصبياينة برعونة صاخبة لم تعجب جدتي؛ ومما عَقَّدَ الأمرَ أكثرَ وقوفُ ظلال مشوهة لهررة متلصصة متربصة انتصَبَتْ قاماتُها كالقضاء غير المرتقب بالباب الخشبي الكبير يشغلون مساحته المفتوحة بصلافة الزائرين المتسلطين .. مْيَـاااوْ .. يُصْدرونها لا يكتفون .. لم يكترثوا بِـ .. صَبْ صَبْ الله يقطعْ حسكم ( 6 ).. تصرخ بها المرأة مستنفرةً وقد ثارتْ ثورتُها واشتدَّ وهيجُ سَوْرَتها .. عدوتُ عَدوَ السنانير الصغار والكبار ألوِحُ في الفراغ بمجمع يديّ ..

_ سيييرْ .. صَّبْ ..

أصرخ دون فائدة .. وكنتُ كلما صادفتُ أحدا منها كارًّا أو فارًّا ركلتُه كيفْمَا جَاتْ، فتسمع للمتوجع منهم أصواتا باغمة متذمرة، ويكملون المطاردة غير آبهين بي و (بتاهريدانت ) وبالفوضى العارمة التي أحدثوها، بينما العصفور المطارَد يُصَوْصِوُ مُحلقا ما أمكنه التحليق بين الأرضية والسقف؛ وفي لحظة، رأيتُني أراها تلقفه تمسك به، فتفرُّ للتو الأفواهُ المتلمظة الشرهة المفتوحة تتراجع تتسارع تتسابق في الخروج مِنْ حيث ظهر تهديدها الماحق يصدم بعضها بعضا برعونة تمرق عبر الباب تتفرق عبر أزقاق ما بين صاعد للسطح ومنحدر إلى تالعينت ن تاحفورت ( 7 )، وما بين مُشَرِّق ومُغَرِّب .. غابَتْ بالسرعة التي عَنّتْ بها إلا هو لَمْ يَغِبْ، لَمْ يدخلْ والداخلين، لم يخرجْ والخارجين، بقيَ السنور البغيض جَارْ إيكشُّوطَنْ بين فجوات الحطب المركون صفُّهُ قرب الدار، يُمعن النظرَ فيما يحدث في الداخل لاطعًا الجرحَ الذي خلفه ذيلُه المقطوعُ .. خرجتُ أقصده ..

_آوْرَى مَاني تَڭـُّورتْ ... ( تَعالَ أين أنت ذاهب ... )

صاتتْ .. شاهدْتُني عنيدا صامتا لا يستجيبُ .. أكملتُ طريقي رغم توعداتها المتدفقة صوب الهِر الذي ما إنْ رآني حتى انتفضَ مِن جلسته قوَّسَ ظهره، رفع قوائمَه .. خْ خْ خْ خْ .. كَشَّرَ عن أسنان مُهدِّدَة، رمق عيْنَيَّ تهديدُهُ المشاغبُ الجائر .. ثم لَجَّ في الفرار .. آآه ه .. صحتُ مأخوذا بانتصاري وفرض إرادتي وتحقيق مسعاي رغما عنه رغما عن الجميع، واستدرتُ أكملُ إنجازي عازما على استرداد طائري غير مبال بصراخٍ أو تأنيب أو رفضٍ أو منع أو ممانعةٍ أو ترحيبٍ أو نداءٍ أو زوال أو ضُحى يتناول فيه الناس بُعيد الصلاة غَذاءهم مجتمعين تضمهم طبلة واحدة يقضون مأربهم ويتفرقون .. ورأيتُني مأخوذا مزهوا وأنا في أوج انتشائي لم أدرك لم ألحظ لحظةَ استدَرْتُ أهُمُّ بالدخول تفعل ما فعلَتْ تُودعُ عُصَيْفيري حِضن كسوتها .. و .. طقطقطق .. تملأ أحشاء التنور .. ذاك ما سمعتُ .. لقد حَرَّقْتيهِ .. شرعتُ أصيحُ أصخبُ وأنا أخرج مغاضبا مستثارا وحزينا ..

_ قتلتيه قتلتيه ..

ورأيتُها تقفو آثار غضبي الحانق لم تسعفها خطاها الثقيلة، فوقفَتْ على شفير منحدر تاحفورتْ تتبع ظلي المسرع في المنحدرات، وجعلَتْ تصيحُ تهتف باسمي واضعةً يُسراها على جبينها تستشرفُ ما يمكن أنْ ترى وتعاين؛ ولما يئِسَتْ، عادتْ أدراجُها إلى المنزل؛ وإذا بك، يا معتوهُ، هناك، قرب أشجار الزيتون العملاقة .. بالله عليكَ ماذا جئتَ تُرَوِّنُ وقت الضحى في المدخل العلوي زْتاتْ تَادَّارْتْ نْبَبَا وغيلاسْ ( 8 ) المغبون المقيد في حفرته بالأغلال لم ينبح لم ينهر لم يزجر لَمْ ... استغرق في قيلولته التي لا تنقطع مكتفيا بومضة خاطفة فتح فيها عينيه لَمَحَكَ ربما شُبِّهْتَ له ربما استأنسَ برائحتك ربما .. ثم عاد بتكاسل إلى السُّبات .. وعَبَرْتَ أنتَ آلمجازَ بثقلك المألوف، وقفتَ تتظلل سْوادَّا تحت أفياء أفنان تينة أمي ...

_مادْ سيعْلي آيَـا ؟؟ ( هل سِيعْلي هذا )

قالتْ ( تاهريدانتْ ) دون أنْ تبدو على محياها مفاجأة أو مباغتة ...

_ هُـو هُــو هُـــو ...

_ ما لاباسْ غارَشْ ؟ ( كيف حالك ؟ )

_ هُـو هُــو هُـــو ...

_ إيوَى قَرَّبَدْ غَرْدا .. ميغْ أورْتْسَلَّمْتْشَايْ .. ( اُدْنُ قليلا ألا تسلم ؟ )

_هُـو هُــو هُـــو ...

دنوْتَ .. سلمْتَ سلامكَ المبتسر تلوح برأسك إلى أعلى إلى أسفل والمرأة تسأل عن صحتك وصحة يَمَّاشْ حْليمة هادي وأحوال الوالد سيبنعبدالله وبقية العائلة هل هم بخير على خير إيوَى الحمد لله .. ضاحكا يخرج اللعاب من بين شدقيك الواسعين المفتوحين ظللتَ مُسَمَّرًا لا تستجيب لدعوتها ...

_ماداشْ يِيغْ تَطَللِّيسْتْ نْوُودي خْ وَغْرُومْ .. ( أأذهن لك شدق خبز بالسمن )
_ لا

قالت رأسكَ ..

_ هُـو هُــو هُـــو ..

همسْتَ بها وأنتَ تشير إلى حركة خفية لَمَحَتْهَا فطرتُكَ العجيبة داخل حِضن لباسها دڭيوَالَنَّسْ ..

_ وَاهَتَـا ..؟.. ( هذا ؟ )

قالت تستخرجه من ثنية كسوتها التي عقدَتْ هُدْبَها بحزام حَقْوَيْها ..

_ نْسيـــ .. يَتْشَاحْ يَجِّيتْ وَحْدَسْ عْلى حالْ آتَشَّنْ إيمُوشْوَنْ .. ( 9 )

هكذا همسَتْ، هكذا باحَتْ، هكذا شاهَدْتُ لحظاتي المفقوءة؛ وظلتْ يداك ممدوتيْن تستجديان ..

_ لا..

قال حزمُها؛ وبدأتْ نبراتُ .. هُـو هُــو هُـــو .. تعلو تتصاعدُ .. اقتربَ منها بدنُكَ المعقوفُ، حَدَرْتَ رأسَكَ ثم طَوَّقْتَ حِضْنَهَا بذراعيْك، فما كان منها إلا أنْ لانَتْ استسلمَتْ لمُناوراتك وهي تمسح على رأسك حادبة ...

_ هَـاخَشْ آمْعَنْ .. إيفَاسْ إيفَاشْ إيفْ إي كولشي ... ( ها هو خذه .. هذا أفضل له أفضل لك أفضل للجميع )

وما كادَتْ تمسك به يداك، حتى افترَّ ثغرُكَ عن ابتسامة عريضة، وجَعَلَتْ خُطواتُك المترنحةُ تتراجع، بسرعة ارْتدتَ على عقبيْك وفرخي الصغير بين راحتيْك .. لِمَ لَمْ تبحْ يا مَعتوهُ، لِمَ الصَّمْتُ، لِمَ الكلامُ، لم التكتمُ، لم التصريحُ، لِمَ الحَجْبُ، لِمَ الكَشْفُ، لِمَ التغابي، لِمَ الاستعباطُ، لِمَ العتهُ، لِمَ التعقلُ الزائدُ، لِمَ الجهلُ، لِمَ المعرفةُ، لِـمَ الانتظار ... ماذا لو أنك أجَّلْتَ أكثر ممَّا فعلتَ، ماذا لو أنك عَجّلتَ أو ... تبا لحِضنِكَ ما أقساه ما أعنفه، ما كان عليه أَنْ يُريَني ما لَمْ أرَهُ، ما لَمْ أعِهِ، ما لَمْ أُدْرِكْ حُدوثَهُ، ما لمْ يَعِشْ وَعْيي وقوعه عيانا بيانا .. كان عليك أنْ لا تتدخل، أن تدعني يا معتوهُ وشأني لخطراتي تخطر باعوجاج في دُناها بانحراف بانطماس للبصيرة بسِتِّينَ مُصيبة .. ما شأنك وإيايَ .. ما دخلك .. أووف لتصرفك الأهوج يطمس عَلَيَّ رُؤاي التي كادتْ أنْ تجلوَ .. أُفٍ لهذا العقل ما أغفلَه أَمْ تَمْزيتْ مثل صُرّة الأشياء الثمينة تغبر محتوياتها النفيسة وقتَ الحاجة إليها، فإذا به جِرابٌ خاوي الوفاض مهلهل متهدل عجينة جلد مجعَّدة مكمشة لا غاية لها .. هذا ما كان .. مجرد أَشَمُّوسْ شرويطة كتان ملفوفة على بعضها لا معنى لها لا فائدة .. مَا دَايا آيْ تَبْغيتْ ما دَامَّا آيْ تَحْليتْ .. واشْ هادشي للِّي بْغيتي شْبَعْتِي دَابَا .. ارتحتَ الآنَ .. يْعَجْباشْ الحالْ .. تِييتْ إيغْنَانْ ( 10 ) .. ما أفظعكَ ما أقمأكَ .. كيف تُسَوِّلُ لك نفسُكَ تُطَيِّرَ الأفْراسَ الساكنةَ رأسي في الهواء من جديد، فأصطخبُ أُرعدُ أزبدُ بلا هدف بلا مُبرر .. ها أنذا تالفٌ أراني كَرَّةً أخرى بين سائمة وهائمة كأنّ حِظَارًا سميكا نُصِبَ بيني وبين الأشياء، كأن حَجَرًا أو رُكاما من الكَرْكُور وضعوه داخل جُمجمتي، فهو يحبسُ عني معاينةَ الوقائع وقتَ وقوعها، يحجب تفاصيلها أَنْ تَرِدَ إلَيَّ في آنها المناسب، فهي إمَّا تُدبرُ متأخرة أو تُقْبِلُ مستعجلةً .. تبّاااا .. كان عَلَيَّ أَنْ أضَعَ عقلي الأبلهَ على المِسَنّ أسنُّ صَدَأَهُ دون رحمة كي ينتبه أكثر لِمَا يحدث حوله، كان عليَّ أنْ أضبطَ عقاله لئلا تنفكّ عُراها وأتوهَ في ما لا يُعَدُّ ويُحْصَى من متاهات مُدَوِّخة .. لا، لَمْ ترمه مهالكَ موقد الحطب، لا، لم تفتك به الأعواد المضطرِمة .. لَقَدْ أَوْدَعَتُهُ حِضْنَهَا .. ذاك ما حصل هذا ما كان .. وأنا الذي طارتْ بي آلظنون، تَوَّهَتْني الخلجات الفارغات، ماذا عساي أفعل، أ أَذْرَعُ وراء الأوهام من جديد أطوي الآفاق بلا هُدى، أَ أضحكُ على نفسي، مِنْ غَرارتها، أ أبكي تْنِيمارينُو ( 11 ) آلمفجوعة .. أََ ؟؟ .. أََ ؟؟ .. آآه .. خرَجْتُ من مغامراتي المعتوهة خِلوًا من كل شيء، وفي النفس انقباضٌ لا يبسط، وفي القلب اضطرامٌ لا يهدأ .. لا تِيخُوبا نَزَّشْتْ تَشُّورَنْ سْليدامْ لا أغْراسَنْ نْتامَمَتْ حْلَانْتْ ايشَا لا إليسَنْ نَظُّوفْتْ قضانتْ الغراض .. ( 12 ) قَطْعانْ الجْذَرْ .. ضئيلا سخيفا وجدتُني واقفا كمُنْبَتٍّ بالمقبرة بين الأحياء الذين هنا والأحياء الذين هناك، أبْصِرُهم جميعا منهمكين فيما يفعلون .. لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ شَأْنٌ يُغْنِيهِ .. لَمْ أجْرُؤْ على التوغل في المشاهد أكثر مما تستوعب طاقتي .. كانوا ينظرون أو ينتظرون، يجتمعون في عرصة في لَمَّة واحدة يخاطب بعضهم بعضا حَيَارَى ربما يترقبون مآلا ما، تستشرف الأسماعُ والمقلُ ما يمكن أنْ يحدث أو يقع بعد أن صاح في المَلإ مَنْ صاحَ فهبُّوا مستجيبين من كل حدب يخرجون ينسلون متوجسين مترددين، فإذا بها جبالٌ من سحاب كالظُّللِ تصطفُّ في فضاء مُفْرَغ في ساحة خالية لا نبتَ لا دورَ لا معالمَ فيها غير أبدانهم المهتزة المتزلزلة المتمايلة، أرجلهم لا تطأ ما يشبه أديم أرض انمحتْ مُسِحَتْ، يتلعون بالأعناق بالهامات إلى مصدر الصوت ... أشرئبُّ بقامتي المحدودة، أقفُ على أصابع رجلي، فإذا بالظلال تطمس الظلالَ، وإذا بالنجوم تتناثرُ، وإذا بالشموس، كل الشموس تُنْحَرُ تَنْزِفُ، وإذا بحَواف الجبال بسعفاتها وعقباتها ومجازاتها حِمَمٌ في انحدار شاهق تزفرُ، وإذا بالأُفقِ نُحاسٌ لا يَذُوبُ، وإذا بأهل البلدة يتفرقون يتركون المرحوم لحاله بعد أنْ أذَّنَ والدُه فوق هالةِ رأسه وتمتم ما تمتم داعيًا أو مناجيًا أو متأسيا .. جعلتُ أنظرُ إليه يبتعدُ .. لَمْ تسألني والدةٌ لَمْ يسألني والدُ، لَمْ يسألني عائلٌ أو عائلة، لَمْ يستفسرني أحدٌ ماذا تفعلُ أو لِمَ تخلفتَ وحيدا منفردا في المقبرة .. لَمْ يلحظني أحد .. وحدكَـ سيعْلي ظللتَ تُقَلِّبَ فيَّ بصرَكَ الملتبس، تناولتَ الفرخ الصغير، وَضَعْتَهُ في تلابيب حِضنك، تناولتَ يَدَيَّ معًا وضحكتَ ..

_ هِيهُوهِيهُوهِيهُو ..

عاودتَ مرة أخرى، ثم انطلقنا سوية نلهب مَسْلَكًا آخرَ غير مسالك الجماعة ... فهل ارتحتَ وأنْ تخوضُ بي طريقنا السابق في ذاك الصباح اللافح تُعيدُ إلَيَّ صُوَرَ ليلتنا الليلاء إذْ حفروا لك حفرتك الخاصة هَمُّوا يذبحوك من قفاك مساخيط الوالدين مشعوذي الفلوات، فخرج لهم ما خرج مما لا تُفْقَهُ معالمُه أو تُدْرَكُ رُؤاهُ .. كنتُ أخالُ أقُودُكَ إلى أهلك ومنزلك الجميل بين المروج، وإذا بي .. أووه .. هَـا أنذا وراءك أتمسكُ بخطواتك أقفو آثارها المُغبرة لا أحيدُ مخافةَ أنْ يَتُوهَ مِنّي السبيلُ، تالفًا ألُوكُ مرارتي بعد فوات الأوان .. ماذا عساي أفعلُ، كيف أتصرفُ، أين أردُّ بوجهي بناصيتي، ماذا عساي أقولُ، أنا الذي كنتُ أراني _ يا لحماقتي _ لا يطرق لي جَفنٌ حريصًا أنْ أكون في مستوى اللحظات، أَنْ لا أدعَ عبورها يمرق خلسة مني، في قمة الحدوس حاولتُ التثبت والتمسك برصانتي كي أتتبعَ أقفو أتلقفَ إيحاءاتها، أفكُّ شفراتها، أحاول أفهمَ ما لا يُفهمُ بإحساس مبعوج البصيرة، بائسًا أضْحَيْتُ شَقِيّا لا يَفقه ما يعيشُ أو يرَى ...

_ ترجمات

1_ مايَنْ يُوغَنْ آحَرَّودَا : ماذا جرى لهذا الولد
2 _ لقد حذرتك سابقا أن تظل في مكانك ولا تصعد الى السطح
3 _ لقد نهرتك عن الصعود إلى السطح
لمَ لا تسمع الكلام ؟
4 _طْوِيِّـرْ دْيالي : عصفوري
5 _ نِّيغَاشْ آراتيدْ : قلت لك هاتيه ..
6 _ صَبْ صَبْ : عبارة نهر يصات بها في وجه الهررة لطردها وابعادها
_ الله يقطعْ حسكم : تبا لكم
7 _ تالعينت ن تاحفورت : عين المنحدر
8 _ زْتاتْ تَادَّارْتْ نْبَبَا : بجانب دار أبي
_ غيلاسْ : اسم كلب، ومعناها أسد
9 _ يَتْشَاحْ يَجِّيتْ وَحْدَسْ عْلى حالْ آتَشَّنْ إيمُوشْوَنْ : لقد غضب وتركه وحيدا بالكاد نجا من هجوم الهررة
_ لقد غادر غاضبا تركه وحده عرضة لافتراس الهررة
_ خذْ .. هذا أفضل له ولك وللجميع
10 _ مَا دَايا آيْ تَبْغيتْ : هل هذا ما كنت ترجوه
_ ما دَامَّا آيْ تَحْليتْ : أفبمثل سمتك هذا تحلو لك اللحظات
_ واشْ هادشي للِّي بْغيتي : أهذا ما ما كنت تسعى اليه
_ شْبَعْتِي دَابَا : استوفيتَ الآن ؟
_ يْعَجْباشْ الحالْ : أرضيت ؟
_ تِييتْ إيغْنَانْ : تبا لك اذن
11 _ تْنِيمارينُو : عذاباتي
12 _ لا تِيخُوبا نَزَّشْتْ تَشُّورَنْ سْليدامْ :
لا خوابي الزيت مترعة كانت بالزيوت
_ لا أغْراسَنْ نْتامَمَتْ حْلَانْتْ ايشَا : لا جباح العسل نفعن في شيء
_ لا إليسَنْ نَظُّوفْتْ قضانتْ الغراض : لا أكوام الصوف حققن المراد



#عبد_الله_خطوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تَبًّا لَكَ هِيجُو جَانْ جَاهْ جُوعْ لَمْ يَكُنْ أُكْذُوبَة
- كَدِيدَانٍ خَدِرَةٍ تَتَمَلْمَلُ بِلَا مَعْنَى ( نص سردي )
- يَدَاانِ .. بَلْ يَدٌ وَاحِدَةٌ تُعَانِقُ الضِّيَاء
- اَلْعِيدُ وَالنَّاسُ .. تِلْكَ الْحِكَايَةُ الَّتِي لَا تُرِ ...
- عَجَبٌ قَادِمٌ مِنَ السَّمَاءِ
- آلَلَّا سِيدْنَا جَبْرَايَلْ ( نص سردي )
- اَلْجَنَازَة( نص سردي )
- نُفَاثَاتُ فَاء مِيم
- صَمْتُ الْحِمْلَانِ
- اَلطَّلْقَةُ آلْأَخِيرَة ... (قصة)
- سَمَاوَاتّ عَجْفَاء يَعُجُّ في أكْبادِها الخَواءُ
- فَمٌ شَاغرٌ مَفْتُوحٌ وَ ثَلَاثُ عُيُونٍ مُوَارِبَة
- وَرَفَعَ السَّيْفَ عَالِيًا وَأهْوَى بِهِ عَلَى الرَّقَبَة
- كَخَطَرَاتِ آلْأَحْلَامِ لَاحَتْ رُؤَاهُ
- أنَا مِنْ ذَاكَ آلتُّرَاب
- تَارْجِيتْ / رُؤْيَا ( قصة )
- إِلَّا تِلْكَ آلْبُؤْرَة آلْفَاحِمَة
- وإذا بي منتشيا .. أبصرُ أبصرُ أبصرُ
- اَلْعِيدُ آلْأُمَمِيّ ... (قصة)
- اَلاِفْتِرَاسُ آلْقَادِم


المزيد.....




- ترمب يتقمص شخصية العميل 007: رسائل سياسية بصبغة سينمائية تثي ...
- ربيع للقلب المنهك.. حين يلون الأرجوان إسطنبول
- النقابات الفنية في مصر ترد على أزمة فيلم -برشامة- برفض -التك ...
- من القاعدة إلى داعش.. قصة الجذور الفكرية المثيرة للجدل
- الكويت تخفض التمثيل الدبلوماسي الإيراني وتطلب مغادرة دبلوماس ...
- مئوية إدريس الشرايبي.. سيرة روائي شرح أعطاب الاستعمار بالفرن ...
- الشاعر السيريالى عبدالرؤوف بطيخ ضيفا على نادى أدب دمنهور برئ ...
- منشأة -الكهف- العملاقة للفنان الفرنسي جي آر في باريس تبدو مت ...
- بعد فوزها بجائزة دولية.. وجدان أبو شمالة: كتابي دعوة أخلاقية ...
- مدعومة من ترامب.. فنانون ينسحبون من حفلات بمناسبة الذكرى الـ ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الله خطوري - لَقَدْ أَوْدَعَتْهُ حِضْنَهَا ( نص سردي )