أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - مظهر محمد صالح - السيبرنتيك والذكاء الاصطناعي: لماذا نحتاج إلى استعادة مركزية العقل البشري في صناعة القرار.














المزيد.....

السيبرنتيك والذكاء الاصطناعي: لماذا نحتاج إلى استعادة مركزية العقل البشري في صناعة القرار.


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 15:42
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


“المعلومات هي معلومات، وليست مادة ولا طاقة.”

بهذه العبارة المكثفة لخص عالم الرياضيات والفيلسوف الأمريكي نوربرت وينر Norbert Wiener رؤيته لمستقبل المعرفة البشرية، واضعاً المعلومات في مرتبة لا تقل أهمية عن المادة والطاقة في فهم العالم وتنظيمه. وقد جاءت هذه الفكرة في سياق تأسيسه لعلم السيبرنتيك (Cybernetics)، أو ما يمكن تسميته مجازاً “علم إدارة الدفة والربان”، وهو العلم الذي يدرس آليات التحكم والاتصال والتغذية الراجعة في الأنظمة المختلفة، سواء كانت بيولوجية أو تقنية أو اجتماعية أو اقتصادية.

قبل عقود طويلة، استحوذ هذا العلم على اهتمام الباحثين والمفكرين بوصفه إطاراً جديداً لفهم كيفية عمل الأنظمة المعقدة. فالسيبرنتيك لا ينظر إلى الإنسان أو الآلة أو المؤسسة باعتبارها كيانات منفصلة، بل يدرسها من زاوية مشتركة تقوم على تدفق المعلومات، والاستجابة للمؤثرات، والقدرة على تصحيح المسار بصورة مستمرة. ومن هنا جاءت التسمية المشتقة من الكلمة اليونانية “Kybernetes” التي تعني ربان السفينة أو قائد الدفة، في إشارة إلى عملية التوجيه المستمر نحو الهدف المطلوب.

لقد أدرك وينر خلال الحرب العالمية الثانية، أثناء مشاركته في أبحاث توجيه المدفعية المضادة للطائرات، أن نجاح أي عملية توجيه يعتمد على القدرة على التنبؤ وتصحيح المسار باستمرار اعتماداً على المعلومات المتجددة. ومن هذه الملاحظة البسيطة تطورت نظرية عامة للتحكم والاتصال، تجسدت لاحقاً في كتابه الشهير “Cybernetics:´-or-Control and Communication in the Animal and the Machine” الصادر عام 1948.

يرتكز السيبرنتيك على مفهوم التغذية الراجعة (Feedback)، أي أن النظام يتلقى معلومات عن أدائه ويستخدمها لتصحيح مساره وتحسين كفاءته. وكما يقوم منظم الحرارة بقياس درجة الحرارة الفعلية ومقارنتها بالمستوى المطلوب ثم اتخاذ الإجراء المناسب، فإن المؤسسات والدول والاقتصادات تحتاج بدورها إلى آليات فعالة لرصد نتائج سياساتها وتصحيح اتجاهاتها بصورة مستمرة.

وقد امتد تأثير السيبرنتيك إلى مجالات واسعة شملت علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي والروبوتات وهندسة التحكم وعلم الأعصاب والإدارة والاقتصاد. ففي الاقتصاد مثلاً يمكن النظر إلى الدولة بوصفها نظاماً سيبرنتياً يستقبل إشارات من البيئة الاقتصادية مثل النمو والتضخم والبطالة والعجز المالي، ثم يعدل سياساته استجابة لهذه المؤشرات. وكلما ازدادت دقة المعلومات وسرعة الاستجابة لها، ارتفعت قدرة النظام على التكيف وتحقيق الاستقرار.

غير أن التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي تفرض اليوم تحدياً جديداً يتمثل في احتمال انتقال مركز الثقل من الإنسان إلى الخوارزمية. فبينما توفر أنظمة الذكاء الاصطناعي قدرات هائلة على معالجة البيانات والتنبؤ بالاتجاهات، يبرز خطر متزايد يتمثل في اختزال دور العقل البشري في صناعة القرار والاكتفاء بما تنتجه النماذج والخوارزميات من توصيات واستنتاجات.

من هنا تبرز أهمية العودة إلى الفكر السيبرنتيكي بوصفه إطاراً يضع الإنسان في قلب عملية التحكم والتوجيه. فالغاية الأساسية للسيبرنتيك لم تكن استبدال الإنسان بالآلة، بل بناء علاقة تفاعلية بينهما تقوم على تعزيز قدرة العقل البشري على الفهم والتحليل والتصحيح المستمر. فالآلة تستطيع معالجة المعلومات بسرعة فائقة، لكنها لا تمتلك بالضرورة الحكم القيمي أو البصيرة الأخلاقية أو القدرة على إدراك التعقيدات الإنسانية والاجتماعية التي ترافق اتخاذ القرارات المصيرية.

إن التحدي الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يكمن في مقاومة التكنولوجيا، بل في إعادة بناء منظومة معرفية تجعل الذكاء الاصطناعي أداة ضمن منظومة سيبرنتية أوسع يقودها الإنسان ولا يقاد بها. فالمطلوب ليس تقليص دور العقل البشري، بل تعزيز قدرته على إدارة المعرفة وتوجيهها والتحكم في مخرجاتها من خلال آليات متطورة للتغذية الراجعة والتقييم والتصحيح.

وعليه، فإن إعادة إحياء الفكر السيبرنتيكي ونشره أكاديمياً ومجتمعياً تمثل ضرورة فكرية ومعرفية في القرن الحادي والعشرين. فكلما ازدادت قوة الذكاء الاصطناعي، ازدادت الحاجة إلى ترسيخ المبادئ التي تجعل الإنسان صاحب الدفة والغاية النهائية من عملية التطور التقني. وفي هذا السياق يبقى إرث نوربرت وينر أكثر راهنية من أي وقت مضى، لأنه يذكرنا بأن مستقبل الحضارة لا يتحدد بقدرة الآلات على التفكير فحسب، بل بقدرة الإنسان على توجيه هذا التفكير نحو خدمة الانسان نفسه.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كريستوفر فُوت : إصلاح نظام العملة في العراق بين أنقاض الحرب ...
- الكنيسة البروتستانتية في عصر الذكاء الاصطناعي: ماكس فيبر الث ...
- العشُّ الأول للحرية
- الهدوء الذي سبق العاصفة المالية: ذكريات عراقية من قلب النظام ...
- وول ستريت… حين يتقاطع خريفُ الذاكرة بين الحلال والحرام
- من سرق رخامنا؟
- نفط العراق من بوابة الساعة الذهبية
- المرأة والمقهى… تحولات القوة الناعمة في المجتمع العراقي
- بين خيوط السجاد ودموع أمي ذكريات من ثورة مايس 1941
- الصدمة النفطية وتمويل المشاريع الاستثمارية: إشكالية العجز وك ...
- بلاْدي الصُنع: اقتصاد بلا إنتاج وسوق بلا معنى
- ذكريات على ورقٍ بلا عناقيد
- شارعٌ تغيّر اسمه… وبقيت حكايته
- صخرة الذاكرة وقصر الألم: تأملات في فلسفة الوجع والحنين
- إشكالية الدولة الريعية في العراق والتحول نحو اقتصاد السوق ال ...
- القوطية: من لاهوت الحجر إلى قلق الإنسان
- حين يشتعل الثلج على خط الاستواء
- وردة البابونك: ربيع الروح وسكينة الأرض
- رواية Z: درس في تاريخ نضال الطبقة الوسطى ضد الهيمنة الثقافية ...
- ما لا تقوله الحروب… تقوله دموع الأمهات


المزيد.....




- ترامب يطرح توقعاً بشأن موعد التوصل إلى اتفاق مع إيران
- مباشر: جهود لاحتواء التصعيد في لبنان وترقب لمسار المحادثات م ...
- ضغوط أمريكية على إسرائيل لتثبيت التهدئة في لبنان وترقب لمسار ...
- جلسة أممية طارئة بشأن لبنان.. هذا ما دار فيها
- فرنسا تحظر مشاركة إسرائيل في معرض دولي للأسلحة بباريس
- إيران تعلّق رسائلها مع واشنطن وتلوّح بهرمز وباب المندب.. ما ...
- هذه المجموعة قررت أن تتوقف عن -الاستغراب- قليلا
- ألمانيا تفقد سر تفوقها.. متى تستعيد نموذجها التاريخي؟
- إسرائيل: اعتراض مقذوفين وسقوط هدف جوي -مثير للريبة-
- رئيسة المكسيك تندد بالتدخل الأميركي وتبرئ ترامب


المزيد.....

- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - مظهر محمد صالح - السيبرنتيك والذكاء الاصطناعي: لماذا نحتاج إلى استعادة مركزية العقل البشري في صناعة القرار.