أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - إكرام فكري - نعمة الوجود: بين طيِّ الماضي واعتناق الحاضر














المزيد.....

نعمة الوجود: بين طيِّ الماضي واعتناق الحاضر


إكرام فكري

الحوار المتمدن-العدد: 8720 - 2026 / 5 / 29 - 09:48
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لطالما اعتقدتُ أن العودة إلى الماضي وتحليله بلا توقف هي الطريق الأكثر صدقًا لفهم الذات، وكأن الحقيقة تختبئ في تفاصيل قديمة يكفي أن أفتحها مرارًا حتى تتضح. غير أنني، ومع التكرار، أدركتُ إدراكًا خافتًا: أن ما أعيد تفكيكه لا يتغير، وأن الذاكرة، مهما أعدتُ ترتيبها، تعيدني دائمًا إلى الشعور الأول نفسه، لا إلى إجابة جديدة.
ومع الوقت، بدأتُ أفهم أن الذات لا تُكتشف بالنظر إلى الوراء فحسب، بل بالقدرة على التوقف عن هذا النظر حين يتحول إلى استنزاف؛ فبعض ما نفعله باسم الفهم ليس إلا إعادة إحياءٍ لما انتهى، لا محاولة حقيقية لوعيه. ومن هنا اتخذت الإشكالية شكلها الحقيقي: إذا كان الماضي ثابتًا، وأنا في تغير دائم، فأي معنى يبقى في أن أُعيد عيش الشيء نفسه بعينٍ مختلفة وجسدٍ مُرهق؟ هل أنا أقترب من ذاتي، أم أبتعد عنها ؟ بهذا السؤال بدأ التحول… ليس كقفزة، بل كهدوءٍ داخلي بطيء: إدراك أن التفكير الزائد لا يضيف حقيقة جديدة، بل يعيد إنتاج المشاعر نفسها في صور مختلفة، وكأن العقل يدور حول نفسه بدل أن يتقدم. ومع كل عودة إلى الوراء، كان الحاضر يفقد شيئًا من خفته، دون أن يُستبدل بوضوحٍ حقيقي. تغير معنى الوعي لديّ؛ لم يعد الغوص في الماضي هو الطريق الوحيد للفهم، بل أصبح الفهم مرتبطًا بالقدرة على الإيقاف، على ترك ما انتهى في مكانه، دون أن أسمح له بأن يتحول إلى إقامة دائمة في أعماقي.
نحن هنا دون أن نختار البداية، لكننا نعيش كل ما يتفرع منها: نشعر، نخطئ، نحب، نفقد، ونرتبك أمام بساطة الحياة وتعقيدها في آنٍ واحد. وفي هذا التناقض تحديدًا تتشكل تجربتنا الإنسانية. إن كوننا هنا ليس أمرًا عابرًا، بل هو المعجزة الأولى التي تُبنى عليها كل التفاصيل. الوجود ليس فكرة نفهمها بالكامل، بل حالة نعيشها قبل أن نفسرها؛ هو ليس سؤالًا ينتظر جوابًا، بل فضاء نتحرك داخله ونحاول أن نمنحه معنى دون أن نختزله. أن أكون موجودة يعني أن أعيش هذا الامتداد بين النقيضين: بين ما أريده وما يحدث، بين ما أفهمه وما أشعر به، بين الماضي الذي لا يعود، والحاضر الذي لا يتوقف. وفي هذا التوتر تتشكل إنسانيتي.
وأنا أستعيد الصورة كاملة، لا أرى فقط ما كان موجعًا، بل أرى أيضًا ما كان خافتًا من الجمال؛ تلك اللحظات الصغيرة التي مرّت دون أن تُلتقط. وكأن الذاكرة، حين تتحرر من انحياز الألم، تبدأ في الاعتدال. لم يكن الوجود يومًا قصة سوداء خالصة، بل لوحة تتجاور فيها الظلال مع الضوء، وما بينهما نتجلى. في النهاية، وبعد كل هذا التنظير حول ضرورة الخفة و التوقف عن التحليل ، أجدني جالسةً هنا.. أحللُ سبب تحليلي، وأشرحُ فلسفة عدم الشرح، وأدققُ في لغوية جملةٍ بدأت بـ لطالما .
يبدو أن عقلي يرفض أن يكون مجرد مستأجر هادئ في جسدي؛ إنه مدير تنفيذي مهووس، يصرُّ على عقد اجتماعات طارئة في الثانية صباحاً لمناقشة لماذا لم أتجاوز الأمر بعد؟ ، بينما كل ما أريده هو أن أغلق ملف الذاكرة وأذهب للنوم.
لقد قررتُ التحرر من سطوة الماضي، لكن يبدو أن عقلي لا يزال يرسل لي إشعارات: عذراً، هل أنتِ متأكدة أنكِ حللتِ الموقف الأخير بشكل كافٍ؟ لا تزال هناك تفاصيل صغيرة لم يتم فحصها! .
حسناً.. سأحاول أن أكون خفيفة، سأحاول ألا أغرق في التفاصيل.. لكن لا تعدوني بأي شيء، فالمعركة بين رغبتي في الهدوء و عقلي الذي يريد هندسة الكون لا تزال في ذروتها.



#إكرام_فكري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جرح مؤجل
- كيف تحول -التمرير- إلى أداة لقياس الوجود؟
- الاستهبال
- -الارتهان للمؤسسات المانحة- وتأثير ذلك على التوظيف والأجور.
- عقل عام تحت السيطرة: الإعلام بين الاستقلال المالي والتنويم ا ...
- هندسة الضبط الرقمي
- البطلة المجهدة والمنقذ النائم: فخ الاستقلال في عصر التسليع
- ميراثُ القلق.. وترفُ الاستغناء
- المزايدة على المعاناة
- المصانع الأولى: كيف يخلق الماضي أنماط الحاضر
- ما وراء الرأسمالية والاشتراكية: سؤال الإنسان الضائع بين السو ...
- الالتزام كدرع للبقاء: من الانضباط القسري إلى ثورة الاكتشاف
- المجتمع التنكري
- فخ -العظمة المستعارة-: المشاريع الكبرى كآليات لاستدامة المدي ...
- من العدالة إلى الاستعراض: أزمة توزيع الموارد وسياسة الإقصاء
- إنسان للبيع
- بين ضجيج الآخرين وصمت الحقيقة
- صدى الغرفة المجاورة
- بطلة خارقة ببدلة رخيصة: ثمن التحرر من دور المنقذة
- واجهات مترفة وأموال قذرة: التلاعب النفسي والاجتماعي لغسيل ال ...


المزيد.....




- المحكمة العليا الأمريكية ترفض طلبا لإدارة ترامب بإلغاء بطاقا ...
- بعد مواجهة مع بن غفير.. اعتداء خطير على الأسير حسن سلامة في ...
- أمير غالب.. حليف ترمب في ميشيغان الذي يحشد الأصوات بعيدا عن ...
- بوتين يشق الغرب.. ثلاث مقاربات في كيفية التعامل مع روسيا
- ما الذي تكشفه الوثائق الأمريكية عن المساعي الإسرائيلية لتروي ...
- قاض فيدرالي يأمر إدارة ترامب بعدم استبعاد 20 ألف ورقة اقتراع ...
- -أكسيوس-: ترقب محادثات روسية أمريكية أوكرانية في أبو ظبي يوم ...
- كوريا الشمالية تنفي أي صلة لها باختراق بورصة -باينانس-
- ولي عهد الأردن: ندين الاعتداءات الحوثية على السعودية وندعم إ ...
- -بلومبرغ-: واشنطن تريد من حلفاء الناتو تأمين ملياري دولار لت ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - إكرام فكري - نعمة الوجود: بين طيِّ الماضي واعتناق الحاضر