أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - إكرام فكري - بين ضجيج الآخرين وصمت الحقيقة














المزيد.....

بين ضجيج الآخرين وصمت الحقيقة


إكرام فكري

الحوار المتمدن-العدد: 8595 - 2026 / 1 / 22 - 10:53
المحور: سيرة ذاتية
    


أحيانًا، يبدو أن الحياة ليست إلا تسلسلًا من اللقاءات العابرة، تترك في النفس أثرًا لا يُرى، لكنه يلتهم شيئًا من الداخل.
لا أتحدث هنا عن “الأشخاص” بمعنى أسماء تُذكر، بل عن الطوائف البشرية التي تتكرر في مساراتنا، وتُجبرنا على إعادة سؤال أنفسنا: من أنا؟ ولماذا لا أشبههم؟

في هذا العالم، هناك من يملأ الفراغ بالكلام، كأن الكلام دواء أو تعويذة.
يتحدثون بسرعة، ويشعرون بالارتياح عندما يملأون المكان بصوتهم، وكأن الهدوء جرمٌ ينبغي أن يُعاقب.
هم لا يتحدثون لأن لديهم شيئًا ليُقال، بل لأنهم يخافون من أن يسمعوا أنفسهم، فيصطدمون بفراغ لا يطاق،فأنا أيضا حين يضغط عليّ الواقع أو يثقلني الحزن، أجد نفسي أتكلم كثيرًا، ليس لأنني أملك أجوبة، بل لأن الكلام يملأ فراغًا داخليًا لا أطيق صمته.
الثرثرة ليست تواصلًا، بل هروب من الذات و الواقع أحيانا .

وهذا الخوف من الفراغ لا يظهر فقط في الثرثرة.
بل يتخذ وجوهًا أخرى، أكثر دهاءً، وأكثر خطورة على الحقيقة.
فبعض الناس لا يملؤون الفراغ بالكلام، بل بــ الواجهة.

الواجهة قد تكون تدينًا أو أخلاقًا أو صورة عائلية، تُستعمل لتجميل الشخص، وكأنها قناع يُظهر “أفضل نسخة” منه.
لكن وراء هذا القناع، قد يكون هناك فراغ أو ضعف أو رغبة في إثبات الأفضلية.
أحيانًا تكون الواجهة بوجهين:
تدّعي الورع، وتستثمره كأنّه بطاقة مرور إلى “الاحترام”،
ثم يتضح أن الورع ليس قيمة، بل مجرد أداة لشد الانتباه، أو لإخفاء عيوبٍ لا تُحتمل.

ومنهم من يختار واجهة أخرى:
واجهة “الجدية والجهد”، بينما الحقيقة هي الكسل والتذمر.
يُظهر اجتهادًا في الكلام، لكن ليس في الفعل.
يُعلن عن مسؤولية، لكنه يتهرب منها عندما تُطلب منه.
يحب أن يبدو “مجتهدًا” بينما الواقع يكشف أن جهده لا يتجاوز الحديث عنه.
إنه يزرع صورة “المؤسسة” في رأسه، ويعيش عليها، بينما الواقع ينهار بهدوء.

وهكذا، وجدت أن كل هذه الوجوه المختلفة تشترك في شيء واحد:
الخوف من الحقيقة، والرغبة في أن يكون “الانطباع” أقوى من “الحقيقة”.

وهكذا، وسط هؤلاء، وجدت نفسي أُحاصر بين حاجتي للهدوء ورغبة الآخرين في ملء كل مساحة.
أحسست أنني لا أنتمي إلى بيئة تتغذى على الازدواجية، ولا إلى عالم يفضل الواجهة على الجوهر.
أدركت أنني أمتلك حساسية لا تُرى في العيون، وأنني أحتاج إلى مكان لا يُجبرني على التظاهر، ولا يطلب مني أن أضحّي بصمتي لأجل ضجيجهم.

أستنتجت أنني لا أُشبههم لأنني لا أؤمن بالاختباء.
لا أؤمن بالحديث كي أبدو.
لا أؤمن بالتظاهر كي أُقبل.
لا أؤمن بأنني بحاجة لأن أكون “كثيرًا” لأثبت وجودي.

أنا أريد شيئًا أبسط من ذلك:
أريد أن أكون حقيقية.

وهذا هو السبب الذي يجعلني أشعر بالاستنزاف.

وبعد كل ذلك، أدركت أن رسالتي ليست أن أُصلحهم، ولا أن أُغيرهم.
رسالتي هي أن أُحمي نفسي، وأن أبحث عن الأفضل، ليس من أجل أن أكون “أعلى” منهم، بل من أجل أن أعيش و أنا حقيقية.

ربما لن يكون الطريق سهلاً.
ربما سأحتاج إلى أن أبدأ من جديد.
لكنني أدركت أن البقاء في مكان لا يناسبني هو استنزاف بطيء، مثل ماء يتسرب من كوبٍ بلا توقف.

وأنا لا أريد أن أكون كوبًا يتسرب.
أريد أن أكون وعاءً يحفظ ما في داخله، ويحميه من أي شيء لا يستحقه.

لذلك، سأبحث عن الأفضل.
ليس لأنني أستحق الأفضل فحسب، بل لأنني لا أستطيع العيش في أقل من الحقيقة.



#إكرام_فكري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صدى الغرفة المجاورة
- بطلة خارقة ببدلة رخيصة: ثمن التحرر من دور المنقذة
- واجهات مترفة وأموال قذرة: التلاعب النفسي والاجتماعي لغسيل ال ...
- بين بريق الشاشة وواقع القاع: قصة جيل ضائع
- بين الهويتين
- خبر عاجل
- إعادة لحظة البداية
- المرأة بين الحرية و الاستغلال
- المرأة بين الاستغلال التسويقي وتفكك الأسرة: وهم التحرر أم فخ ...
- عندما تذبل اللذة وتبقى الحقيقة
- حين تذبل اللذة وتبقى الحقيقة
- الماضي الذي لا يتركني
- هواتفي
- الغرائز الطبيعية: ممارستها بانسانية
- الإرث الاستعماري: بين مظاهر التحضر والاستغلال الطبقي
- تحسين النسل بين الماضي والحاضر: من سياسات الاستعمار إلى التع ...
- عندما يصبح الاختيار رحلة لفهم الذات
- العرب والدين: بين النزعة الفردية و وحدة الأمة
- العرب والدين: بين النزعة الفردية و وحدة الأمة
- القوة الموازية في الفرد و المجتمع


المزيد.....




- هجوم كلب شرس في دورشستر يخلّف صدمة نفسية وإصابات خطيرة
- يُلقّب بـ-الهامس في أذن ترامب-.. من هو مارك روته الأمين العا ...
- أول تعليق لترامب بعد انتهاء اجتماعه مع زيلينسكي في دافوس
- مسؤول فلسطيني: معبر رفح سيُفتح الأسبوع المقبل في كلا الاتجاه ...
- بريطانيا تقرر إعادة جزر تشاغوس، وترامب يعترض
- الرئيس الإسرائيلي: مستقبل إيران -لا يمكن أن يكون إلا بتغيير ...
- إطلاق دينامية جديدة لحزب التقدم والإشتراكية بالفداء مرس السل ...
- من السخرية إلى الحملات التسويقية.. الطلبيات تنهال على نظارات ...
- بيان صادر عن الملتقى الوطني لدعم المقاومة وحماية الوطن
- مجلس السلام: ماهي آليات عمله وماهي مهامه؟


المزيد.....

- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري
- يوميات الحرب والحب والخوف / حسين علي الحمداني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - إكرام فكري - بين ضجيج الآخرين وصمت الحقيقة