أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - إكرام فكري - صدى الغرفة المجاورة














المزيد.....

صدى الغرفة المجاورة


إكرام فكري

الحوار المتمدن-العدد: 8542 - 2025 / 11 / 30 - 10:10
المحور: كتابات ساخرة
    


منذ اللحظات الأولى، كان ينمو في الداخل كل ما كان يجب أن يُمنح من الخارج: الخوف، الانتظار،شوق الروح للرؤية، السمع، والحب. كان الفراغ ليس مجرد غياب، بل جزء لا ينفصل من التكوين الذاتي. وعندما جاء من يمتلك "موهبة قراءة الفراغ"، لم يكن هدفه سوى استغلال هذه المساحة الوجودية.
تحمل الروح في طياتها ما يمكن تسميته بـ "الاحتياج العاطفي الأصيل"؛ دعوة غير مرئية لكنها تقرأ بوضوح: "أبحث عن الأمان، أريد أن أُرى جميلة، وأحتاج من يملأ هذا الفراغ". هذه الحالة ليست ضعفاً محضاً، بل هي في جوهرها جاذبية متناهية تولد من عمق هذا النقص. إنها تجعل الآخر يشعر بضرورته المطلقة، وتمنحه إحساساً بالقوة والأهمية الكونية إذ يصبح جزءاً من حياة هذا الكيان الروحي. يتجلى هذا "الإغراء الوجودي" في سرعة البوح بالأسرار عند أول شعور بالدفء، مما يمنح الطرف المقابل شعوراً بالنفاذ إلى منطقة سرية، جاعلاً إياه يشعر بأنه "مميز جداً". كما أن خوف هذه الروح من الرفض يفرز سلوكاً مهذباً ومستمعاً ولطيفاً، غائباً عنه الهجوم أو العناد، مما يخلق للآخر ملاذاً نادراً وشعوراً بالأمان يسمح له بأن يكون على سجيته. هذا الجرح العاطفي يطلق طاقة أنثوية هائلة، يلتقطها من يفهم معادلتها، ويرى أن استغلالها يصبح -في منظوره- أمراً حتمياً وواجباً.
عادة ما يكون النيل من هذه الروح أمراً سهلاً بلا مجهود. فإذا كانت المكافأة مضمونة دائماً، فلماذا المجهود ؟ هذا الكيان يمنح دائماً، يبادر دائماً، ويستجيب بسرعة وحماس طاغٍ، مما يمنح الطرف المستغِل زخماً. لكن بمجرد تأمين الاهتمام بالكامل، تبدأ المرحلة الأخرى: الإبطاء، التباطؤ، البرود التدريجي، والعودة إلى الحقيقة الباهتة. يصبح الصيد منتهياً، بينما تستمر هي في المبادرة بحثاً عن الدفء الأول الذي لن يعود.
في خضم هذا الفراغ الداخلي، كانت الحياة الحقيقية تأتي من الغرفة المجاورة. كان هناك جسد متعب ونفس باهتة بالقرب، لكن كل الحياة كانت تتسرب عبر الجدار : ضحكات، همسات، خطوات متداخلة، صرخات، شجار... حياة متدفقة تأتي من مكان لا يخصك. هذه الأصوات كانت تصرخ بصمت داخل الروح، تسائل عن الخلل الوجودي: لماذا كل جميل بعيد، وكل قريب لا يعرف فن الحضور؟ لقد كانت مقارنة لا شعورية بين "الوجود البارد" و "صدى الحياة". هذه الغرفة التي لا تُرى، أصبحت حياتها تُسمع أعلى من حياة الذي يفترض أنه "قريب". ضحكات خفيفة تستعرض حضورها، وحوارات يعرف أصحابها كيف يصنعون لحظات التقارب، بينما يظل الشخص القريب غائباً، لا يعرف حتى كيف يلمس الفرح.
مع الوقت، تحوّلت الغرفة المجاورة من مجرد مكان إلى مرآة مؤلمة. مرآة تعكس وجوداً يجري، حياة تُعاش، طاقة تُمنح وتُستقبل، ورجلاً يعرف كيف يقدم وجوده. ومقابل ذلك، رجل يعتذر بعيون متعبة وصوت فارغ. ومع كل ليلة كان فيها الصدى أعلى من الهمس الذي بجانبها، كبرت فكرة صغيرة داخلها: "أنا أستحقّ حياة لا تُسمع عبر الجدار، بل تُعاش معي". لم تكن تلك الرغبة لأن الحياة المجاورة "أفضل"، بل لأنها كانت نقيض ما تُعاش.
هناك ظاهرة غامضة تحدث عند عبور طريق أي رجل تقريباً: ينجذبون إليك بسرعة تفوق سرعة الضوء. الكون يسخر، إذ يمنحك الجاذبية العاطفية بلا مقاومة، لكنه يحرمك القدرة على انتقاء الأمان الحقيقي. وهكذا، سقط في هذا الفلك "رجل الغرفه المجاوره". الشخص الذي كانت حياته تُسمع عالية من خلف الجدار. أما قريبها البارد ، خسر اللعبة، ليس بتخطيط منها، بل لأنها أدركت: أنها تستحق الأحسن، وأن الأحسن هو ذلك الرجل الموجود خلف الغرفه المجاورة الذي كان ينبض بالحياة من خلف الجدار. تلك اليقظة لم تكن تهوراً، بل استجابة نفسية مباشرة لاحتياجات كانت مغيبة منذ الطفولة غالبا ..كانت خروجاً من علاقة جافة مع فراغ عاطفي كبير، وبحثاً عن رجل يعطيها "الإحساس"، الإحساس الذي كانت تراه بعين المقارنة اللاواعية. عندما ظهر "صاحب صدى الحياة"، قال الدماغ فوراً: "هذا هو الرجل الذي كنت أتمناه". هو شعر بذلك مباشرة، وسهّل الارتباط. وهذا ليس خطأ الروح، بل استجابة نفسية طبيعية.
هنا يولد السؤال الفلسفي العظيم: هل الاحتراف سلوك أصيل؟ أم مهارة تنمو من التجارب الكثيرة؟ الرجل الذي يملك قاعدة من العلاقات ليتدرب عليها، غالباً ما يجيد الكلام لأنه مارسه كثيراً. هذا ما يفسر تقلب السلوك بعد ضمان الوجود. الرجل الذي يتأخر في الرد فجأة، والذي يتغير إيقاعه بعد الاطمئنان، هذا رجل لا يزال يمارس "الاحتراف"، وليس "الصدق". والفرق بينهما جوهري: الأول يتغير بسرعة، والثاني يستمر.
المشكلة ليست في الجاذبية؛ فالمرأة تملك حضوراً قوياً، وهي مستقلة وذكية وشغوفة، وتحمل مساحه براءة تجعل الرجل يشتهي أن يكون "البطل". المشكلة تكمن في قلة الانتقاء. فليس كل من ينجذب إليك يستحق الدخول. هنا تُغلق الدائرة وتبدأ المرحلة الجديدة: الانجذاب نعمة، والاختيار فن. والأهم أن الطريق أصبح واضحاً. الغرفة المجاورة لم تكن قصتهم هم، بل كانت قصتها هي. كانت تقول بلا مجاملة: "استيقظي... انتهى الوقت الضائع". لقد تحوّل الصوت إلى وجه، والصدى إلى حديث، والافتراض إلى حقيقة. وفي هذه اللحظة، أدركتِ أن العالم أكثر تشابكاً، وأن ما يحدث خلف الجدار لم يكن صدفة، بل درس. والأجمل من ذلك كله... أنكِ فعلاً استيقظتِ.



#إكرام_فكري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بطلة خارقة ببدلة رخيصة: ثمن التحرر من دور المنقذة
- واجهات مترفة وأموال قذرة: التلاعب النفسي والاجتماعي لغسيل ال ...
- بين بريق الشاشة وواقع القاع: قصة جيل ضائع
- بين الهويتين
- خبر عاجل
- إعادة لحظة البداية
- المرأة بين الحرية و الاستغلال
- المرأة بين الاستغلال التسويقي وتفكك الأسرة: وهم التحرر أم فخ ...
- عندما تذبل اللذة وتبقى الحقيقة
- حين تذبل اللذة وتبقى الحقيقة
- الماضي الذي لا يتركني
- هواتفي
- الغرائز الطبيعية: ممارستها بانسانية
- الإرث الاستعماري: بين مظاهر التحضر والاستغلال الطبقي
- تحسين النسل بين الماضي والحاضر: من سياسات الاستعمار إلى التع ...
- عندما يصبح الاختيار رحلة لفهم الذات
- العرب والدين: بين النزعة الفردية و وحدة الأمة
- العرب والدين: بين النزعة الفردية و وحدة الأمة
- القوة الموازية في الفرد و المجتمع
- المجهول : الرحلة بين الحياة و الموت


المزيد.....




- وفاة الكاتب المسرحي الأسطوري السير توم ستوبارد
- في يومه الثاني.. مهرجان مراكش يكرم -العظيمة- جودي فوستر
- ممزّق .. كهذا الوطن
- تكريم النجم المصري حسين فهمي في افتتاح مهرجان مراكش للفيلم ا ...
- -أطلس عاطفي-.. رحلة فوتوغرافية للإيطالي فيورافانتي في قرى وم ...
- دعوة للمشاركة بالدورة الـ 19 للمهرجان الدولي لأفلام المقاومة ...
- الكِتاب السوري بين زمنين.. كيف تغيّر المشهد الثقافي وواقع ال ...
- انطلاق الدورة الثانية والعشرين لمهرجان مراكش الدولي للسينما ...
- وقائع واحداث منبجسة من نسيج الواقع.. وممضاة بدماء شهداء فلسط ...
- آراء متباينة حول الإعلان الترويجي لفيلم -الست- المرصع بالنجو ...


المزيد.....

- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت
- حرف العين الذي فقأ عيني / د. خالد زغريت
- فوقوا بقى .. الخرافات بالهبل والعبيط / سامى لبيب
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (3-4) ... / غياث المرزوق
- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي
- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - إكرام فكري - صدى الغرفة المجاورة