أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - إكرام فكري - البطلة المجهدة والمنقذ النائم: فخ الاستقلال في عصر التسليع














المزيد.....

البطلة المجهدة والمنقذ النائم: فخ الاستقلال في عصر التسليع


إكرام فكري

الحوار المتمدن-العدد: 8646 - 2026 / 3 / 14 - 22:56
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


تأملي ملياً في ذلك المشهد المتكرر خلف شاشات الهواتف وفي أروقة المدن الكبرى، حيث تتداخل صور النساء مع السلع في تماهٍ مريب؛ فمن وميض إعلانات السيارات الفارهة إلى تفاصيل "الروتين اليومي" على منصات التواصل، لا يبدو أننا نرى إنساناً بقدر ما نرى "غلافاً" جذاباً صُمم بعناية ليحرك عجلة الاستهلاك. إننا نعيش في حقبةٍ استثنائية من "التسليع الناعم"، حيث يُعاد تدوير مفهوم التمكين ليتحول إلى منتج يُباع ويُشترى، بينما تُستنزف طاقة المرأة في كواليس اقتصادية لا ترحم، مخفيةً خلف شعارات الحرية والاستقلال ضريبةً باهظة تُقتطع من روحها وجيبها على حد سواء، مما يضعنا أمام إشكالية كبرى: هل تحول السعي نحو الاستقلال المادي من وسيلة لتحرير الإرادة إلى غاية استهلاكية تلتهم جوهر الإنسان؟
في هذا الفضاء الرقمي، لم تعد المرأة مجرد مستهلكة مستهدفة، بل غدت هي "القيمة المضافة" للمنتج؛ إذ تُستغل صورتها كأداة بصرية لترويج سلع لا علاقة لها بكيانها. تأملي مثلاً كيف تُقحم صورة امرأة بملابس لافتة في إعلان لمعدات ثقيلة أو محركات؛ لا رابط منطقياً هنا سوى استخدام "الجاذبية الأنثوية" كطعم بصري يرفع من قيمة السلعة المادية، حيث يتم اختزال الإنسان في "غلاف" براق وظيفته الوحيدة هي لفت الانتباه وتسهيل عملية البيع. بينما تدفع الخوارزميات الفتيات دفعاً لتسليع تفاصيل حياتهن الخاصة، فتحول "غرفة النوم" أو "المطبخ" إلى استوديو إعلاني مفتوح، حيث يُقايض الخصوصية بـ "اعتراف اجتماعي" زائف، يغذيه شعورٌ دائم بالقصور يدفع المرأة لطلب المزيد من الكمال المصطنع لتظل دائماً "صالحة للعرض" في سوق لا يرحم.
هذا الاستغلال لا يتوقف عند حدود الشاشة، بل يمتد ليتغلغل في بنية المؤسسات التي ترفع راية المساواة قولاً وتناقضها فعلاً؛ حيث يُنظر للمرأة غالباً كعمالة "أكثر طواعية" وأقل كلفة. ففي العديد من القطاعات، نجد تفضيلاً مبطناً لتوظيف النساء، ليس إيماناً بقدراتهن فحسب، بل لأن المنظومة تدرك أن المرأة، تحت وطأة الرغبة المضنية في إثبات جدارتها وانتزاع اعتراف مهني في عالم تنافسي، قد تقبل بأجورٍ أقل من زملائها الرجال وتتحمل ساعات عمل إضافية دون تذمر، ظناً منها أن هذا هو ثمن "البقاء" أو "الاستقلال". هنا، تجني الشركات أرباحاً طائلة من هذا "الوفر المادي" الذي يُسلب من عرقها بذكاء مؤسساتي يغلف الاستغلال بكلمات الشكر والامتنان الجوفاء، مستفيداً من رغبتها الصادقة في العمل والتحقق ليعيد تدوير كفاحها كأرقام في ميزانيات الأرباح.
والمفارقة الصارخة تتبدى في تلك الازدواجية الاجتماعية التي تلاحقها كظلها؛ فالمجتمع الذي يحثها بضجيجٍ عالٍ على أن تكون "المرأة الخارقة" التي لا تُقهر، والتي يجب أن تجد خلاصها وقيمتها في الكدح والاعتماد الكلي على الذات حتى في أحلك ظروفها الشخصية كـ "الطلاق"، هو ذاته المجتمع الذي ينتقدها فور خروجها عن قوالب الانضباط المرسومة. يطالبها المجتمع بأن تكون "مكافحة" في السوق و"خاضعة" للعرف في آن واحد، مما يحول حياتها إلى سلسلة من الالتزامات المرهقة التي تستهلك روحها الإنسانية، وتنزع عنها حقها في أن تكون بشراً يصيب ويخطئ، أو يتعب ويرتاح.
هذا الضغط المزدوج أنتج تشوهاً عميقاً في ميزان العلاقات الإنسانية، حيث برز نموذج "المرأة المنقذة المكافحة" التي تحمل على عاتقها عبء الوجود المادي والمعنوي؛ فهي التي تعمل، وتدبّر، وتدفع الفواتير، لتثبت أنها "قوية" كما طُلب منها. وفي المقابل، برز نمط من الشباب الذين استمرأوا "الاستحقاق" بلا جهد، متبنين استرخاءً مريباً يضعهم في موضع "المستحق" لثمار كفاحها. لقد انقلبت الأدوار بطريقة هزلية؛ فبينما تركض المرأة في سباق محموم لتأمين لقمة العيش، نجد الشاب قد ركن إلى مقاعد المتفرجين، يراقب جهادها ببرود، بل ويضع "الاستقلالية المادية للمرأة" كشرط أساسي في شريكة حياته، لا ليحررها، بل ليتحرر هو من مسؤولياته.
لقد أصبح الشاب في عصرنا يميل إلى الكسل والبحث عن "السهولة"، معتبراً أن وجود امرأة مكافحة بجانبه هو وسيلته للاستجمام الذهني والمادي. لقد بات السعي المحموم نحو الاستقلال المادي فخاً محكماً، يُلزم المرأة بالركض في سباقٍ لا ينتهي، لتجد نفسها في النهاية "بطلة" في رواية يكتب أرباحها الآخرون، بينما تكتفي هي بلقب "المكافحة" كتعويضٍ معنوي هزيل عن استنزافٍ مادي ووجودي لا ينقطع، سرق منها حقها في السكينة، وفي الضعف الإنساني، وفي اختيار مسار لا يمليه عليها السوق أو نفاق المجتمع.

إن المخرج من هذا النفق المظلم يبدأ بوعي المرأة بأن قيمتها الإنسانية تسبق صفتها "الإنتاجية"، وأن استقلالها المادي يجب أن يكون درعاً يحمي اختياراتها، لا سوطاً يجلد طاقتها لصالح الآخرين. إن استعادة سيادة القرار تقتضي كسر تلك الصورة النمطية للمرأة "المنقذة" التي لا تكل، واستبدالها بحق مشروع في الضعف، والسكينة، ورفض الأدوار التي تُفرغ وجودها من معناه لتجعل منه مجرد "مورد" متاح.
ليس النجاح الحقيقي في أن تكوني "ترساً" مثالياً في آلة السوق، بل في قدرتكِ على رسم حدود واضحة تفصل بين طموحكِ الذاتي وبين استغلال المنظومة لكِ؛ حدود تمنع تحول كفاحكِ إلى وسيلة لراحة الكسالى، وتضمن أن يظل استقلالكِ وسيلة للحرية، لا قيداً جديداً يربطكِ بسباق لم تختاريه. في النهاية، القوة الحقيقية ليست في حمل أعباء العالم وحدكِ، بل في الشجاعة لقول "لا" لكل ما يستنزف روحكِ تحت مسمى التمكين، والتمسك بحقكِ في حياة توازن بين كرامة العمل وقدسية الراحة.



#إكرام_فكري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ميراثُ القلق.. وترفُ الاستغناء
- المزايدة على المعاناة
- المصانع الأولى: كيف يخلق الماضي أنماط الحاضر
- ما وراء الرأسمالية والاشتراكية: سؤال الإنسان الضائع بين السو ...
- الالتزام كدرع للبقاء: من الانضباط القسري إلى ثورة الاكتشاف
- المجتمع التنكري
- فخ -العظمة المستعارة-: المشاريع الكبرى كآليات لاستدامة المدي ...
- من العدالة إلى الاستعراض: أزمة توزيع الموارد وسياسة الإقصاء
- إنسان للبيع
- بين ضجيج الآخرين وصمت الحقيقة
- صدى الغرفة المجاورة
- بطلة خارقة ببدلة رخيصة: ثمن التحرر من دور المنقذة
- واجهات مترفة وأموال قذرة: التلاعب النفسي والاجتماعي لغسيل ال ...
- بين بريق الشاشة وواقع القاع: قصة جيل ضائع
- بين الهويتين
- خبر عاجل
- إعادة لحظة البداية
- المرأة بين الحرية و الاستغلال
- المرأة بين الاستغلال التسويقي وتفكك الأسرة: وهم التحرر أم فخ ...
- عندما تذبل اللذة وتبقى الحقيقة


المزيد.....




- سورية كردية تتوج ملكة جمال لألمانيا.. فكيف فازت -روز موندي- ...
- رغم فيديو يوثق اعتداء جنود.. إلغاء تهمة اغتصاب أسير فلسطيني ...
- انتهاكات بلا رادع: صحافيات يواجهن التمييز والتحرش في الصومال ...
- امرأة من طهران.. شهيدة يوم القدس العالمي
- “سِجلّ البيوت”.. أول خريطة تفاعلية لرصد العنف ضد النساء داخل ...
- تقارير دولية: ارتفاع قياسي في ضحايا العدوان على لبنان من الن ...
- دليل سريع للتعامل مع العنف الجنسي والتحرش والابتزاز في مصر خ ...
- حقوق النساء بين الأرض و”السوق” والسماء
- بين النص القانوني والواقع الاجتماعي.. أين تقف المرأة -فعليا- ...
- الجزائر: جلسة تأبين لأسماء أميمة وتسليط الضوء على جرائم قتل ...


المزيد.....

- بمناسبة 8مارس اليوم العالمى للمرأة ننشر:مقتطف من كتاب (النسا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- تصاعد حضور المرأة في مراكز صنع القرار، تجربة الدنمارك أنموذج ... / بيان صالح
- الحقو ق و المساواة و تمكين النساء و الفتيات في العرا ق / نادية محمود
- المرأة والفلسفة.. هل منعت المجتمعات الذكورية عبر تاريخها الن ... / رسلان جادالله عامر
- كتاب تطور المرأة السودانية وخصوصيتها / تاج السر عثمان
- كراهية النساء من الجذور إلى المواجهة: استكشاف شامل للسياقات، ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الطابع الطبقي لمسألة المرأة وتطورها. مسؤولية الاحزاب الشيوعي ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الحركة النسوية الإسلامية: المناهج والتحديات / ريتا فرج
- واقع المرأة في إفريقيا جنوب الصحراء / ابراهيم محمد جبريل
- الساحرات، القابلات والممرضات: تاريخ المعالِجات / بربارة أيرينريش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - إكرام فكري - البطلة المجهدة والمنقذ النائم: فخ الاستقلال في عصر التسليع