أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - إكرام فكري - من العدالة إلى الاستعراض: أزمة توزيع الموارد وسياسة الإقصاء














المزيد.....

من العدالة إلى الاستعراض: أزمة توزيع الموارد وسياسة الإقصاء


إكرام فكري

الحوار المتمدن-العدد: 8620 - 2026 / 2 / 16 - 14:57
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


في بنية النظم التي تقتات على الاستعراض، يبرز خلل عميق في ترتيب الأولويات يتجاوز مجرد التدبير الإداري ليصل إلى حد "الاستلاب القيمي"، إذ يبدو أن ترتيب الأولويات لم يعد يستند إلى "الحاجة الإنسانية" بقدر ما يستند إلى "الصورة السيادية". تبرز هنا معضلة السيادة الجمالية: كيف يمكن لمنظومة تدّعي العقلانية التدبيرية أن تمارس تقشفاً حاداً على المرافق الحيوية للبسطاء، في مقابل سخاءٍ مفرطٍ لتعزيز رفاهية النخبة الإدارية؟ إننا أمام تساؤل جوهرى حول طبيعة "الدولة الوظيفية"؛ هل هي أداة لخدمة الكيان المجتمعي ككل، أم أنها مجرد "شركة عقارية" كبرى تُعيد تشكيل الجغرافيا والمالية لتناسب تطلعات فئة معينة، حتى لو كان ثمن ذلك هدم فضاءات الحياة اليومية وتشريد قاطنيها تحت ذريعة "تجويد المشهد العام"؟

يتجلى الخلل البنيوي في توزيع الموارد حين تتحول الميزانيات العامة إلى أداة لترسيخ "الفصل الطبقي" تحت غطاء هيبة الدولة. ففي الوقت الذي تُغلق فيه نوافذ الإنفاق على قطاعات الصحة والتعليم بدعوى "ضبط العجز المالي"، تُفتح قنوات الإنفاق بلا تحفظ لتوفير أرقى مستويات الرغد في المقرات الرسمية والسكنات الوظيفية لكبار المسؤولين. هنا، لا يصبح تحديث الفضاءات الخاصة وتأثيثها وفق أرقى المعايير مجرد فعل إداري، بل هو إعلان صريح عن انحياز المنظومة؛ حيث يُعتبر تأمين رفاهية "الفئة المسيرة" أولوية قصوى تسبق تأمين "كرامة المسيرين". هذا التفاوت يخلق اقتصاداً موازياً، حيث تُسحب الأموال من عروق الخدمات العامة لتُضخ في عروق "البرستيج الرقمي والمكاني" للطبقة البرجوازية البيروقراطية، مما يجعل "راحة المسؤول" هي المعيار الحقيقي لنجاح السياسة المالية.
وتنتقل هذه العقلية من تدبير الأموال إلى تدبير "المجال"، حيث تُمارس الآلة التنظيمية نوعاً من "العنف الجمالي" ضد الجغرافيا. ففي سبيل الحفاظ على مثالية "الواجهة" أمام الفعاليات الكبرى أو المنشآت الضخمة، يتم تفعيل سياسات الإزالة والتهجير القسري. في هذا السياق، لم يعد للمدرسة أو المسكن قيمة في ذاتهما؛ فإذا تصادف وجود مؤسسة تعليمية في طريق "الرؤية البصرية" لملعبٍ عالمي أو مجمعٍ سياحي، فإنها تتحول فوراً إلى "تشوه بصري" يجب استئصاله. إن هدم بيوت الناس وتسوية أحلامهم بالأرض لضمان "مشهدٍ بانورامي" لزائرٍ عابر، هو التجسيد الأقصى لتحول الإنسان من "غاية" إلى "عائق". إن السياسة هنا لا تبني وطناً، بل تصمم "ديكوراً" سينمائياً، حيث تُمحى الهويات الأصيلة للأحياء والسكان لتترك المجال لبريقٍ زائف يخدم حصرياً اقتصاد الانطباع وصورة الدولة في البورصة العالمية.
هذا الميل نحو "تجميل القشرة" يعكس حقيقة أن السلطة في هذه المنظومة باتت تخاطب "الآخر" البعيد (المستثمر، السائح، المنظمات الدولية) وتتجاهل "الداخل" القريب. فالفائض المالي الذي كان من المفترض أن يُرمم مدرسة متهالكة أو يبني مشفىً ميدانياً، يتم استهلاكه في صفقات "تحديث المظهر" للنخبة، مما يخلق هوةً سحيقة بين عالمين: عالم "الواجهات المترفة" التي تُعرض في النشرات الإخبارية، وعالم "القاع الاجتماعي" الذي يُدفع به خلف الأسوار لكي لا يفسد بهجة العرض الكبير. إنها رأسمالية الإقصاء التي ترى في الفقير وعمرانه البسيط "عيباً تقنياً" يجب إصلاحه بالجرافات، بدلاً من كونه مواطناً يجب إصلاح واقعه بالتنمية.

في نهاية المطاف، إن المنظومة التي تبرع في تشييد القصور وتفشل في حماية القبور، وتتقن تزيين صالونات مسؤوليها بينما تنهار أسقف مدارسها، هي منظومة ترهن مستقبلها لصالح "لحظة استعراضية" عابرة. إن النجاة من هذا التيه القيمي تتطلب إعادة الاعتبار للإنسان كمركزٍ وحيدٍ للعملية التنموية. إن هيبة الدولة الحقيقية لا تكمن في لمعان واجهات الملاعب أو فخامة بيوت المسؤولين، بل في صمود بيت مواطن بسيط أمام عواصف الحاجة، وفي بقاء مدرسةٍ مفتوحة الأبواب في وجه الجهل. التحدي الحقيقي ليس في بناء "واجهة" تجذب الأنظار، بل في بناء "وطن" يحتضن الجميع، حيث تكون الأولوية للحق في الوجود قبل الحق في الاستعراض، وللعدالة في التوزيع قبل الأناقة في التصميم.



#إكرام_فكري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إنسان للبيع
- بين ضجيج الآخرين وصمت الحقيقة
- صدى الغرفة المجاورة
- بطلة خارقة ببدلة رخيصة: ثمن التحرر من دور المنقذة
- واجهات مترفة وأموال قذرة: التلاعب النفسي والاجتماعي لغسيل ال ...
- بين بريق الشاشة وواقع القاع: قصة جيل ضائع
- بين الهويتين
- خبر عاجل
- إعادة لحظة البداية
- المرأة بين الحرية و الاستغلال
- المرأة بين الاستغلال التسويقي وتفكك الأسرة: وهم التحرر أم فخ ...
- عندما تذبل اللذة وتبقى الحقيقة
- حين تذبل اللذة وتبقى الحقيقة
- الماضي الذي لا يتركني
- هواتفي
- الغرائز الطبيعية: ممارستها بانسانية
- الإرث الاستعماري: بين مظاهر التحضر والاستغلال الطبقي
- تحسين النسل بين الماضي والحاضر: من سياسات الاستعمار إلى التع ...
- عندما يصبح الاختيار رحلة لفهم الذات
- العرب والدين: بين النزعة الفردية و وحدة الأمة


المزيد.....




- -20ترليون دينار من السيولة-.. انهيار اقتصادي وشيك وتحذيرات م ...
- فولكس فاغن تخطط لخفض التكاليف 20% بحلول 2028
- بلومبيرغ: طفرة النمو ترفع توقعات أداء اقتصاد ماليزيا في 2026 ...
- المتحدث باسم الخارجية الإيرانية: وفدنا المفاوض يشمل فريقاً م ...
- فولكسفاغن تستهدف خفض تكاليفها بـ 20% بنهاية 2028
- انطلاق أعمال اللجنة المشتركة التاسعة عشرة للتعاون الاقتصادي ...
- انطلاق أعمال اللجنة المشتركة التاسعة عشرة للتعاون الاقتصادي ...
- الذهب ينخفض وسط توقعات بخفض الفائدة الأميركية
- عيار 21 يتراجع.. أسعار الذهب في مصر اليوم الاثنين
- نمو ضعيف لاقتصاد اليابان وضغوط على الأسهم


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - إكرام فكري - من العدالة إلى الاستعراض: أزمة توزيع الموارد وسياسة الإقصاء