أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفساد الإداري والمالي - إكرام فكري - إنسان للبيع














المزيد.....

إنسان للبيع


إكرام فكري

الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 19:13
المحور: الفساد الإداري والمالي
    


لسنا أمام انحرافات فردية متناثرة كما يحب الخطاب السطحي أن يصوّر الأمر، بل أمام نظام كامل يعيد تعريف القيمة. فهو يقنعنا بهدوء أن ما لا يُباع لا يُحسب، وما لا يُسعَّر لا يُرى. في هذا المناخ، يتحول السؤال الأخلاقي إلى سؤال اقتصادي متنكر، وتصبح الكرامة بندًا قابلًا للمساومة.

وحين تُختزل القيمة في الربح، لا يبقى الأمر مجرد فكرة نظرية معلّقة في الهواء، بل يتسرّب إلى إدارة الدولة وتحديد أولوياتها. تُقاس النجاحات بما يلمع سريعًا في الأرقام، بما يجذب الاستثمار، وبما يصنع صورة براقة قابلة للترويج. المشاريع التي تَعِد بعائد مالي أو رمزي تتقدّم الصف، أما ما يحفظ الإنسان—مثل التعليم، الصحة، والبنية التحتية الأساسية—فقد يُؤجَّل أو يُعاد توجيهه ليصبح هو أيضًا فرصة للربح. المدارس والمستشفيات لا تُدار فقط لتعليم البشر أو علاجهم، بل لتوليد دخل من عقود، شراكات، ومزايدات. حتى ما كان يُعتبر حقًا من حقوق الإنسان يُعاد صياغته وفق معايير السوق، ليصبح “فرصة استثمارية”، فتُصبح القيمة الاقتصادية مرادفًا للقيمة الإنسانية ، بهذا المنطق، يصبح المستقبل مشروعًا استثماريًا لا وعدًا إنسانيًا. المستقبل هنا لا يُموَّل من فراغ؛ يُموَّل من جيوب تضيق، من أسعار ترتفع، ومن ضغط يومي يدفع الإنسان إلى حافة القلق. وحين يضعف الأساس الاقتصادي للفرد، لا يبقى الصراع أخلاقيًا خالصًا، بل يتحوّل إلى صراع بقاء. الخيارات التي كانت مرفوضة أخلاقيًا قد تبدو، تحت ضغط الحاجة، ممكنة أو مؤجَّلة الحكم. ليس لأن الضمير اختفى، بل لأن كلفة الحفاظ عليه أصبحت باهظة. ومن هذه النقطة تحديدًا تبدأ المأساة الفردية، التي يُراد لنا أن نراها كحالات معزولة، بينما هي في جوهرها امتداد طبيعي لمنطق بدأ بتسعير القيمة نفسها.

المأزق إذن ليس أخلاقيًا فقط، بل بنيويًا. حين تصبح القيمة مرادفة للمال، يُعاد ترتيب كل شيء: المشاريع تُبرَّر بعوائدها، العلاقات تُقاس بمكاسبها، وحتى الحب يُفهم كاستثمار. في مثل هذا المناخ، يتآكل المعنى ببطء؛ يفقد الإنسان إحساسه بذاته كغاية، ويعتاد أن يرى نفسه وسيلة ، الحل لا يكون بالصراخ الأخلاقي ولا بالتبرير العاطفي. الحل يبدأ بإعادة تعريف القيمة: أن نقول بوضوح إن الإنسان ليس مشروعًا استثماريًا، وإن الجسد ليس رأسمالًا احتياطيًا لأيام الضيق، وإن التنمية التي تُضعف قدرة الناس على قول “لا” ليست تنمية بل ضغطًا مقنّعًا. المطلوب اقتصاد يخفف الحاجة، ثقافة تكشف آليات الاستغلال، وتربية تعلم أن الكرامة ليست امتيازًا بل حقًا أصيلاً ، قد يبدو هذا خطابًا مثالياً، لكنه في الحقيقة شرط واقعي لبقاء المجتمع متماسكًا. حين يصبح كل شيء قابلاً للبيع، لن يبقى شيء يستحق الاحترام. وحين يعتاد الإنسان أن يقيس نفسه بما يملكه لا بما يكونه، يفقد البوصلة الداخلية التي تحميه من الانزلاق …إن أخطر ما في النظام المعاصر ليس هيمنة المال فحسب، بل تحوّل الإنسان ذاته إلى مشروع قابل للتسويق، وقدرته على تحويل حضوره إلى عوائد.

المحصلة النهائية هي اغتراب متعدد الأوجه: اغتراب عن الذات حين تُختزل في صورة، واغتراب عن الوطن حين تُختزل التنمية في إسمنت، واغتراب عن المعنى حين يُستبدل بالقيمة السوقية. ليست المأساة في وفرة المادة، بل في انطفاء المعنى. فما جدوى الملاعب الشاهقة والمدن اللامعة إذا كانت تُقام فوق هشاشة إنسانية غير مرئية؟ إن الوعي بهذه الحقيقة ليس ترفًا فكريًا، بل جرحًا معرفيًا دائمًا؛ صرخة هادئة في وجه عالم يبيع الوهم لليائسين، ويعيد تسمية الاستغلال “نمواً”، والقهر “استقرارًا”.



#إكرام_فكري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين ضجيج الآخرين وصمت الحقيقة
- صدى الغرفة المجاورة
- بطلة خارقة ببدلة رخيصة: ثمن التحرر من دور المنقذة
- واجهات مترفة وأموال قذرة: التلاعب النفسي والاجتماعي لغسيل ال ...
- بين بريق الشاشة وواقع القاع: قصة جيل ضائع
- بين الهويتين
- خبر عاجل
- إعادة لحظة البداية
- المرأة بين الحرية و الاستغلال
- المرأة بين الاستغلال التسويقي وتفكك الأسرة: وهم التحرر أم فخ ...
- عندما تذبل اللذة وتبقى الحقيقة
- حين تذبل اللذة وتبقى الحقيقة
- الماضي الذي لا يتركني
- هواتفي
- الغرائز الطبيعية: ممارستها بانسانية
- الإرث الاستعماري: بين مظاهر التحضر والاستغلال الطبقي
- تحسين النسل بين الماضي والحاضر: من سياسات الاستعمار إلى التع ...
- عندما يصبح الاختيار رحلة لفهم الذات
- العرب والدين: بين النزعة الفردية و وحدة الأمة
- العرب والدين: بين النزعة الفردية و وحدة الأمة


المزيد.....




- اتهامات أوروبية لروسيا بمحاولة تسميم نافالني قبل وفاته بأربع ...
- تصعيد أميركي في سوريا: -ضربة الصقر- تطال عشرات المواقع لـ-دا ...
- رقم غير متوقّع: آلاف البريطانيين خدموا في الجيش الإسرائيلي خ ...
- DW تتحقق: فيديوهات مزيفة تثير الرعب حول فيضانات المغرب
- ضابط استخبارات أمريكي سابق للجزيرة: إسرائيل حاولت تجنيدي
- ديوان السودان.. التراث الشعبي تعزيز للروابط الاجتماعية
- كيف تبخرت جثامين آلاف البشر في غزة؟
- واشنطن تبحث عن جواسيس بين العسكر بالصين عبر -يوتيوب-.. كيف ت ...
- وزير الخارجية العراقي: فشل المفاوضات الإيرانية الأمريكية سيؤ ...
- عراقجي: مؤتمر ميونخ -سيرك- وأوروبا فقدت ثقلها


المزيد.....

- The Political Economy of Corruption in Iran / مجدى عبد الهادى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفساد الإداري والمالي - إكرام فكري - إنسان للبيع