أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلاقات الجنسية والاسرية - إكرام فكري - المصانع الأولى: كيف يخلق الماضي أنماط الحاضر














المزيد.....

المصانع الأولى: كيف يخلق الماضي أنماط الحاضر


إكرام فكري

الحوار المتمدن-العدد: 8630 - 2026 / 2 / 26 - 10:26
المحور: العلاقات الجنسية والاسرية
    


في عمق النفس البشرية، تتكون خرائط غير مرئية منذ الطفولة داخل ما يمكن تسميته بـ "المصانع الأولى"؛ تلك البيئات التي لم نخترها، لكنها شكلت لغتنا العاطفية الأولى، ومعايير الأمان والخوف، ومعنى القرب والبعد. هناك تعلمنا –دون وعي– كيف يبدو الحب، وكيف تُمارس السلطة، وكيف يُكتسب القبول. وحين تكون تلك البيئة مشبعة بالحاجة أو الغياب أو الاستغلال، فإنها لا تزرع فينا الذكريات فقط، بل تزرع "أنماطاً" نصبح نعيد البحث عنها لاحقاً، حتى وإن كانت مؤلمة.
المأساة لا تكمن في أن الماضي كان قاسياً فحسب، بل في ميل النفس إلى ما يُعرف بـ "التكرار القهري": ذلك الميل الخفي لإعادة تمثيل المشهد القديم بوجوه جديدة، أملاً في تغيير النهاية هذه المرة. فننجذب أحياناً إلى شخصيات تشبه في بنيتها النفسية ذلك الفراغ الأول؛ شخصيات تبدو قوية، ثابتة، وقادرة على الحماية، لكنها تمنح قرباً مشروطاً، ودفئاً محسوباً، وحضوراً شكلياً يخفي برودة عاطفية عميقة. ليس لأننا نحب الألم، بل لأن المألوف –حتى لو كان مؤذياً– يبدو أكثر أماناً من المجهول.
إن الانجذاب إلى النفوذ أو السلطة قد يكون في جوهره محاولة غير واعية لمصالحة تجربة قديمة مع الغياب أو البرود؛ محاولة لإقناع النفس بأن "هذه المرة ستكون مختلفة"، وأن القرب سيكتمل، وأن الأمان لن يُسحب فجأة. لكن حين يكون الأساس هو أبٌ غائب وجرحٌ لم يُشفَ، فإن النتيجة لا تكون سوى إعادة إنتاج للفراغ ذاته، بشكل أكثر أناقة وربما أكثر إغراءً. وهنا تكمن الخدعة النفسية الكبرى: نحن لا نطارد الأشخاص بقدر ما نطارد إحساساً ناقصاً نحاول ترميمه. نبحث عن اكتمال لم نتعلمه، وعن احتواء لم يُنمَّ فينا بشكل صحي. وما لم ندرك هذا النمط بوعي عميق، سنبقى نبدّل الوجوه بينما يبقى السيناريو نفسه، وتظل النهاية حالة مرضية مؤلمة بالقدر ذاته؛ لأن الجرح لم يندمل، بل أُعيد تمثيله فقط.
هذا التكرار قد يمتد ليشمل استغلالاً يُعاد فيه تمثيل دور "المنقذة". في هذا الدور، لا يُسمح لكِ بأن تكوني "مَن يحتاج"، بل تُدفعين لتكوني "المصدر": مصدر التهدئة، مصدر الحلول، ومصدر العطاء. وحين يكبر هذا النمط معكِ، تصبحين مهيأة –دون قصد– لعلاقات يُعاد فيها توزيع الأدوار نفسها؛ أنتِ تعطين، تتحملين، وتبررين، بينما الطرف الآخر يأخذ ويقيّم ويشترط.
فعندما يربط الآخر وجودكِ بما تقدمينه من خدمات مادية أو جسدية أو عاطفية، فهو لا يراكِ ككيان مستقل، بل كـ "وظيفة". وهنا يُعاد تنشيط نموذج "الأم النرجسية" التي لم تكن ترى فيكِ إلا امتداداً لاحتياجاتها. النرجسية لا تعترف بحدود الآخر، بل تتعامل معه كأداة لإشباع فراغها الداخلي؛ لذلك كلما أعطيتِ أكثر، طُلب منكِ أكثر، لأن المشكلة ليست في كمية عطائكِ، بل في طبيعة "النظام" نفسه: نظام قائم على الاستهلاك لا على التبادل.
أنتِ تنجذبين لهذا الاستنزاف لأنكِ تبرمجتِ على أن "قيمتكِ تكمن في عطائكِ". تشعرين –أحياناً بلا وعي– أن التوقف عن العطاء يهدد وجودكِ نفسه؛ لذلك تستمرين في حرق جسدكِ وروحكِ في محاولة يائسة لتحويل المستغل إلى محب، وكأن الحب جائزة تُمنح بعد اختبار التحمل. لكن الحب الحقيقي لا يولد من التضحية المفرطة، ولا ينمو في بيئة تُقاس فيها القيمة بحجم ما يُقدَّم. وهكذا تتحول العلاقة إلى "تجارة عاطفية" خاسرة: تدفعين أثماناً باهظة مقابل وعود مؤجلة، بينما رصيدكِ الداخلي يتآكل بصمت.
إن استباحة الحدود الشخصية تجد جذورها في "بيئات الاستباحة والفقر"، ليس الفقر المادي فقط، بل الفقر العاطفي أيضاً. حين يُربى الإنسان في بيئة تُشرعن المقايضة كوسيلة للبقاء، يتعلم أن الخصوصية رفاهية، وأن الرفض خطر، وأن الموافقة الصامتة أكثر أماناً من المواجهة. ومع الوقت، يصبح الجسد ذاته مجال تفاوض، وتتحول الرغبات الشخصية إلى أمور قابلة للتنازل، فقط لضمان القبول أو الحماية.
إنه "الولاء السام"؛ قيد نفسي وشعور ثقيل بالذنب إذا وضعتِ حدوداً، أو إذا اخترتِ نفسكِ، أو إذا توقفتِ عن الإنقاذ. يتم ابتزازكِ عاطفياً ومادياً تحت مسمى الواجب أو البرّ أو الامتنان، وكأن استمرار نزيفكِ دليل أخلاق. لكن الولاء الذي يطلب منكِ التضحية بسلامكِ ليس وفاءً، بل هو امتداد للنمط الأول المشوه.
وحتى حين ينجح الناجي في انتزاع مكانة، لا ينتهي الصراع داخلياً؛ إذ يظهر شبح "متلازمة المحتال" ليهمس: "أنتِ لا تنتمين هنا... نجاحكِ مؤقت... سيُكتشف أمركِ قريباً". هذا الصوت ليس دليلاً على ضعفكِ، بل صدى لسنوات لم يُفصل فيها بين "القيمة" و"الإنجاز". فإذا كان الاعتراف في الطفولة مشروطاً بالأداء، فمن الطبيعي أن يصبح النجاح نفسه مصدراً للقلق لا للطمانينة.
يتضح أن التحرر الحقيقي ليس هرباً من المكان، بل فكٌّ واعٍ للارتباط بين "العطاء" و"البقاء". أن تدركي أن وجودكِ لا يحتاج إلى إثبات مستمر، وأن قيمتكِ لا تُكتسب عبر الاستنزاف. نعرف أننا نسير في الاتجاه الصحيح حين يصبح اجتهادنا استثماراً في ذواتنا: نتعلم لأن المعرفة توسّعنا، نعمل لأن العمل يقوينا، ننجح لأن النجاح يحمي كرامتنا؛ لا لأننا نبحث عن تصفيق عابر أو اعتراف مشروط.
الشفاء يبدأ حين تتوقفين عن أن تكوني "رد فعل" لآلامكِ، لتبدئي في أن تكوني "فعلاً" مستقلاً يختار بوعي. وحين توصد تلك المصانع الأولى أبوابها، ندرك أن القيمة الإنسانية ثابتة، لا تقبل القسمة على رضا الآخرين ولا تخضع لمزاج المستغلين. والنجاح الحقيقي هو الخروج الفعلي عن "نص المأساة"؛ حين يُستخدم النجاح درعاً لحماية حدودكِ وكرامتكِ، لا طعماً لجذب جلادين جدد.



#إكرام_فكري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما وراء الرأسمالية والاشتراكية: سؤال الإنسان الضائع بين السو ...
- الالتزام كدرع للبقاء: من الانضباط القسري إلى ثورة الاكتشاف
- المجتمع التنكري
- فخ -العظمة المستعارة-: المشاريع الكبرى كآليات لاستدامة المدي ...
- من العدالة إلى الاستعراض: أزمة توزيع الموارد وسياسة الإقصاء
- إنسان للبيع
- بين ضجيج الآخرين وصمت الحقيقة
- صدى الغرفة المجاورة
- بطلة خارقة ببدلة رخيصة: ثمن التحرر من دور المنقذة
- واجهات مترفة وأموال قذرة: التلاعب النفسي والاجتماعي لغسيل ال ...
- بين بريق الشاشة وواقع القاع: قصة جيل ضائع
- بين الهويتين
- خبر عاجل
- إعادة لحظة البداية
- المرأة بين الحرية و الاستغلال
- المرأة بين الاستغلال التسويقي وتفكك الأسرة: وهم التحرر أم فخ ...
- عندما تذبل اللذة وتبقى الحقيقة
- حين تذبل اللذة وتبقى الحقيقة
- الماضي الذي لا يتركني
- هواتفي


المزيد.....




- إحالة لاعب كرة القدم “أشرف حكيمي” للمحاكمة بتهمة الاغتصاب
- شاعرة من بلادى :هدى عزّ الدين نموزج للإنحياز الكامل للكتابة ...
- غزة كمختبر بشري.. ناشطة حقوقية تهاجم -مهرجان الدم- في معرض ا ...
- #سنجل_حريمي_ممنوع … ولا وصاية على النساء في المجال العام
- الألم.. لماذا يستمر لفترة أطول لدى النساء؟
- “هل فضحت متحرشًا اليوم؟”.. شهادات بالاستغلال الجنسي لمدير مر ...
- سوريا: قرار بمنع المجاهرة بالإفطار في جامعة حِمص
- السويسرية سابرينا دالفيور، أول امرأة تترأس هيئة حظر الأسلحة ...
- حين يرتفع أجر الرجل تنجب الأسرة أكثر.. فلماذا يحدث العكس مع ...
- التهاب عنق الرحم عند النساء..أسباب هذه الحالة والعلاجات المت ...


المزيد.....

- الجندر والجنسانية - جوديث بتلر / حسين القطان
- بول ريكور: الجنس والمقدّس / فتحي المسكيني
- المسألة الجنسية بالوطن العربي: محاولة للفهم / رشيد جرموني
- الحب والزواج.. / ايما جولدمان
- جدلية الجنس - (الفصل الأوّل) / شولاميث فايرستون
- حول الاجهاض / منصور حكمت
- حول المعتقدات والسلوكيات الجنسية / صفاء طميش
- ملوك الدعارة / إدريس ولد القابلة
- الجنس الحضاري / المنصور جعفر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلاقات الجنسية والاسرية - إكرام فكري - المصانع الأولى: كيف يخلق الماضي أنماط الحاضر