أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - إكرام فكري - المجتمع التنكري














المزيد.....

المجتمع التنكري


إكرام فكري

الحوار المتمدن-العدد: 8621 - 2026 / 2 / 17 - 09:47
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لا تكمن المعضلة الكبرى في تلك "الازدواجية" التي نطبع بها سلوكنا اليومي، بل في ذلك النظام الدفاعي المتقن الذي نشيده لنبرر به الفجوة الهائلة بين ما نعلنه وما نبطنه. نحن نمارس "فن التبرير" لا كخديعة للآخرين، بل كآلية لترميم ذواتنا المتشظية؛ إذ لا يمكن للكائن البشري أن يحتمل قبح تناقضه دون أن يغلفه بغطاء من "المسؤغ الأخلاقي" أو "الضرورة الواقعية". إننا، في جوهر الأمر، نعيش في مساحة رمادية شاسعة، حيث يتم تحويل النفاق إلى "مرونة"، والزيف إلى "دبلوماسية وجودية".
في الفضاء الروحي، تحول التدين من فعل "اتصال" مع المطلق إلى أداة "تبرئة" للذات من أخطائها. نحن لا نبرر ازدواجيتنا الدينية بالجهل، بل بـ "التدرج" أو "الضعف البشري"، محولين المقدّس إلى مظلة تحمينا من وخز الضمير لا من غواية السلوك. الفرد منا قد يمارس أقصى درجات الإقصاء أو الظلم، ثم يلوذ بـ "يقين المظهر" ليوهم نفسه بأن صِلاته الشكلية كفيلة بترميم انكساراته الأخلاقية. هنا، يصبح الدين "مرفأ تبرير" وليس "بوصلة تقويم"، مما يمنحنا الراحة الزائفة لنستمر في ممارسة ذواتنا القديمة تحت مسميات جديدة.
أما في البنية الاجتماعية، فإن التبرير يتخذ لبوس "الحكمة والرزانة". نحن نبرر مهادنة القبح الاجتماعي بأنها "حفاظ على النسيج العام"، ونبرر ازدواجية معاييرنا بين القريب والغريب بأنها "صلة رحم" أو "ولاء للقبيلة". لقد استبدلنا الأصالة بـ "فن المدارة"، فأصبح الشخص الذي يواجه تناقضاته بصدق يُوصف بالرعونة، بينما يُحتفى بالمنافق بوصفه "خبيراً بشؤون الحياة". إننا نبرر السقوط في فخ العرف الاجتماعي الظالم لننجو من ثمن العزلة، مؤكدين لأنفسنا أن "العين لا تعلو على الحاجب"، وهي عبارة ليست إلا صياغة مهذبة للاستسلام أمام الزيف الجمعي.
وعلى مستوى الذات والوعي الرقمي، يبلغ التبرير ذروته حين نمارس "تسليع ذواتنا" تحت ذريعة "التواصل الفعال". نحن نبرر حاجتنا المرضية للاعتراف الخارجي بأنها "رغبة في التأثير"، ونبرر اختباءنا خلف الأقنعة الرقمية بأنه "حماية للخصوصية". الحقيقة أننا نخشى مواجهة "عُرينا الفكري"، فنتدثر بأردية مستعارة من الاقتباسات العميقة والصور المثالية، مبررين ذلك بأن "العالم لا يقبل إلا الوجوه البراقة". إن هذا التبرير المستمر هو ما يمنعنا من التطور الحقيقي؛ لأننا ببساطة، توقفنا عن رؤية جروحنا، واكتفينا برسم وجوه جميلة فوق الضمادات.
إن الأصالة الحقيقية تبدأ حين نكف عن اختراع "الأعذار" لتناقضاتنا، وحين ندرك أن التبرير ليس إلا مخدراً يطيل أمد الغيبوبة الفكرية. إن مواجهة الذات، بصدقها وقبحها، هي الخطوة الأولى نحو الخروج من "المجتمع التنكري" إلى فضاء الحرية، حيث لا يحتاج الإنسان لستار من الكلمات ليثبت نبالة لم تعد موجودة إلا في الادعاء.



#إكرام_فكري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فخ -العظمة المستعارة-: المشاريع الكبرى كآليات لاستدامة المدي ...
- من العدالة إلى الاستعراض: أزمة توزيع الموارد وسياسة الإقصاء
- إنسان للبيع
- بين ضجيج الآخرين وصمت الحقيقة
- صدى الغرفة المجاورة
- بطلة خارقة ببدلة رخيصة: ثمن التحرر من دور المنقذة
- واجهات مترفة وأموال قذرة: التلاعب النفسي والاجتماعي لغسيل ال ...
- بين بريق الشاشة وواقع القاع: قصة جيل ضائع
- بين الهويتين
- خبر عاجل
- إعادة لحظة البداية
- المرأة بين الحرية و الاستغلال
- المرأة بين الاستغلال التسويقي وتفكك الأسرة: وهم التحرر أم فخ ...
- عندما تذبل اللذة وتبقى الحقيقة
- حين تذبل اللذة وتبقى الحقيقة
- الماضي الذي لا يتركني
- هواتفي
- الغرائز الطبيعية: ممارستها بانسانية
- الإرث الاستعماري: بين مظاهر التحضر والاستغلال الطبقي
- تحسين النسل بين الماضي والحاضر: من سياسات الاستعمار إلى التع ...


المزيد.....




- بالبلوتوث.. أداة مبتكرة قد تحدد موقع نانسي غوثري عبر جهاز تن ...
- كيف نشجع الأطفال على بدء خطواتهم الأولى لصيام شهر رمضان؟
- بنعبد الله يستقبل وفداً من سفارة المملكة المتحدة بالمغرب
- جنيف: جولة جديدة المفاوضات بين موسكو وكييف وواشنطن في ظل تصع ...
- وول ستريت جورنال: المناطيد سلاح قديم يعيد صياغة الحروب الحدي ...
- عاجل | المرشد الإيراني: تحديد نتائج المفاوضات مسبقا أمر خاطئ ...
- عقب نجاحه الكبير.. مطور -أوبن كلو- ينضم إلى صفوف أوبن إيه آي ...
- روسيا وأوكرانيا تتبادلان القصف قبل مفاوضات جنيف
- قتلى وجرحى بينهم مدنيون في هجمات بشمال غرب باكستان
- متاهة الثلاثة ملايين وثيقة.. تفكيك شبكة إبستين


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - إكرام فكري - المجتمع التنكري