أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - إكرام فكري - ما وراء الرأسمالية والاشتراكية: سؤال الإنسان الضائع بين السوق والدولة














المزيد.....

ما وراء الرأسمالية والاشتراكية: سؤال الإنسان الضائع بين السوق والدولة


إكرام فكري

الحوار المتمدن-العدد: 8625 - 2026 / 2 / 21 - 09:51
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


كان العالم، في لحظة حاسمة من تاريخه الحديث، واقفاً أمام وعدَين عظيمين: وعدُ الاشتراكية بأن نكون جميعاً شركاء في الرزق والعمل، فلا يُترك أحد على الهامش؛ ووعدُ الرأسمالية بأن الاجتهاد الفردي كفيل بأن يفتح لصاحبه أبواب العالم. غير أن ما جرى لم يكن تحقيقاً كاملاً لأيٍّ من الوعدين، بل انزلاقاً هادئاً حوّلهما إلى ما يشبه “كوابيس ناعمة” تُدار بآليات معقّدة لا تُرى بسهولة.

في التجربة الرأسمالية، لم يعد “السوق الحر” فضاءً للمغامرة الخلّاقة كما بشّرت به النصوص الكلاسيكية لرواد مثل آدم سميث، بل تحوّل تدريجياً إلى سجنٍ أنيق الجدران. لم تعد الحرية الاقتصادية تعني ببساطة حق المبادرة، بل صارت مشروطة بالقدرة على تحمّل الدَّين. التعليم الجيد، السكن اللائق، العلاج الضروري — وهي شروط الحياة الكريمة — تحولت إلى بواباتٍ نحو التزامات مالية طويلة الأمد. يدخل الشاب الحياة مثقلاً بقروض قبل أن تتكوّن له فرصة حقيقية لبناء ذاته. يعمل لا ليؤسس مستقبلاً، بل ليسدّد أثمان ماضٍ استدانه ليعيش الحد الأدنى. وهكذا لم يعد الإنسان “صانعاً” بقدر ما صار “مستهلكاً دائماً”، زبوناً للبنوك، ومورداً لبياناته في اقتصادٍ رقميٍّ يحوّل الانتباه إلى سلعة.

أما في التجارب التي تبنّت الاشتراكية، متأثرة بأفكار كارل ماركس، فقد حدث انحراف من نوع آخر. الفكرة التي بشّرت بتمكين العمال من أدوات الإنتاج انتهت، في بعض السياقات، إلى تركّز السلطة في يد جهاز بيروقراطي مركزي. لم يمتلك العمال المصانع، بل امتلكتهم الإدارة. تحوّل النظام إلى ما يشبه شركة عملاقة تديرها الدولة، والموظف فيها مجرد ترس صغير في آلة ضخمة. الراتب مضمون، نعم، لكنه محدود الأفق؛ والطموح يذبل لأن “المساواة” تحولت إلى مساواة في السقف المنخفض لا في الارتقاء المشترك. لم يعد السؤال: كم تستطيع أن تبدع؟ بل: إلى أي مدى تلتزم بالقواعد؟ وهكذا انكمشت الأحلام من تغيير العالم إلى انتظار ترقية إدارية أو دعم حكومي.

غير أن المأساة تتجلّى بأوضح صورها في النماذج الهجينة التي جمعت أسوأ ما في الطرفين. أنظمة تأخذ من الاشتراكية ثقل البيروقراطية وتعقيد المساطر، وتأخذ من الرأسمالية منطق الأسعار المنفلتة وخصخصة الخدمات الأساسية. في هذا الواقع، يجد الشاب نفسه محاصراً بين جدارين: إن أراد أن يؤسس مشروعاً، اصطدم بمتاهة التراخيص والانتظار؛ وإن أراد تعليماً جيداً أو علاجاً لائقاً، صدمته كلفة الحياة الباهظة. هنا، لا يشعر الفرد بأنه مواطن فاعل ولا مستثمر حرّ، بل كيانٌ معلّق بين أن يكون “رقماً” في أرشيف دولة جامدة، أو “سلعة” في سوق لا يعرف الرحمة.

غير أن الإشكال الأعمق ربما لا يكمن في فشل هذا المعسكر أو ذاك، بل في الإيمان الساذج بأن أيَّ نظامٍ اقتصادي قادر، بذاته، على إنقاذ الإنسان من هشاشته الوجودية. الاشتراكية حين تحولت إلى جهازٍ فوقيٍّ يضبط كل شيء، قتلت روح المبادرة. والرأسمالية حين أُطلقت بلا ضوابط أخلاقية، حولت الحرية إلى قدرة على الشراء لا إلى قدرة على الاختيار. في الحالتين، تم اختزال الإنسان: مرة إلى ترس في آلة الدولة، ومرة إلى مستهلك في آلة السوق.

لعل الأفق الثالث لا يقوم على استبدال نظام بآخر، بل على إعادة تعريف مركز الثقل: أن يكون الإنسان، لا السوق ولا الدولة، هو الغاية. اقتصادٌ يعترف بأن الكرامة ليست سلعة، وأن التعليم والصحة والسكن ليست امتيازات مرتبطة بالقدرة الشرائية، بل شروطاً أولية للمواطنة. ونظامٌ يسمح بالمبادرة الفردية دون أن يترك الضعفاء فريسة المنافسة العمياء، ويضمن الحماية الاجتماعية دون أن يخنق الطموح.

هذا الأفق ليس شعاراً سياسياً بقدر ما هو تحوّل في الوعي: من سؤال “أيّ نظام نختار؟” إلى سؤال “أيّ إنسان نريد أن نكون؟”. فالأنظمة تُصاغ وفق القيم السائدة، وإذا بقيت القيم أسيرة الجشع أو الخوف، فلن ينتج عنها سوى نسخٍ معدّلة من الكابوس نفسه.

ربما تبدأ القطيعة الحقيقية حين نرفض أن نكون مجرد أرقام في تقارير النمو، أو مجرد زبائن في نشرات الأرباح. حين نطالب بنظامٍ يُقاس نجاحه لا بارتفاع المؤشرات الاقتصادية فحسب، بل بانخفاض القلق، واتساع الأمل، وإمكانية أن يحلم الشاب دون أن يرهن حياته مسبقاً. عندها فقط يمكن للوعد القديم — بالعدالة أو بالحرية — أن يستعيد معناه، لا كدعايةٍ أيديولوجية، بل كشرطٍ إنسانيٍّ أولي



#إكرام_فكري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الالتزام كدرع للبقاء: من الانضباط القسري إلى ثورة الاكتشاف
- المجتمع التنكري
- فخ -العظمة المستعارة-: المشاريع الكبرى كآليات لاستدامة المدي ...
- من العدالة إلى الاستعراض: أزمة توزيع الموارد وسياسة الإقصاء
- إنسان للبيع
- بين ضجيج الآخرين وصمت الحقيقة
- صدى الغرفة المجاورة
- بطلة خارقة ببدلة رخيصة: ثمن التحرر من دور المنقذة
- واجهات مترفة وأموال قذرة: التلاعب النفسي والاجتماعي لغسيل ال ...
- بين بريق الشاشة وواقع القاع: قصة جيل ضائع
- بين الهويتين
- خبر عاجل
- إعادة لحظة البداية
- المرأة بين الحرية و الاستغلال
- المرأة بين الاستغلال التسويقي وتفكك الأسرة: وهم التحرر أم فخ ...
- عندما تذبل اللذة وتبقى الحقيقة
- حين تذبل اللذة وتبقى الحقيقة
- الماضي الذي لا يتركني
- هواتفي
- الغرائز الطبيعية: ممارستها بانسانية


المزيد.....




- دراسات اقتصادية: مأسسة الزكاة قادرة على إنهاء الفقر عالمياً ...
- المحكمة العليا تُقيّد ترمب.. وخمسة مسارات لإحياء جدار الرسوم ...
- محللون يعلقون على قرار المحكمة العليا بشأن رسوم ترامب الجمرك ...
- شبح -تضخم ما بعد الحرب- يهدد الاقتصاد الإسرائيلي
- الاقتصاد الإيراني في مواجهة -الضغط الأقصى-: هل تصمد الأسواق ...
- شبح الحرب يلوّح في الأفق.. من يتحمّل التكلفة الاقتصادية؟
- استثمارات قياسية في الأسهم الأوروبية بعيدا عن الشركات الأمري ...
- ألمانيا.. 1.9 مليون خريج جامعي يواجهون شبح الفقر
- الصين تتجاوز أمريكا وتتصدر الشركاء التجاريين لألمانيا
- شركة واحدة تضع اقتصاد الدنمارك على شفا الركود


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - إكرام فكري - ما وراء الرأسمالية والاشتراكية: سؤال الإنسان الضائع بين السوق والدولة