أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - إكرام فكري - ميراثُ القلق.. وترفُ الاستغناء














المزيد.....

ميراثُ القلق.. وترفُ الاستغناء


إكرام فكري

الحوار المتمدن-العدد: 8635 - 2026 / 3 / 3 - 09:38
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


هل سبق لك أن تأملت الزوايا الممتلئة في بيوتنا القديمة وتساءلت عن تلك اليد الخفية التي تدفع الإنسان للتمسك بأشياء انتهى عمرها الافتراضي منذ عقود؟ لماذا يبدو وكأن هناك جيلاً كاملاً قد اتحد على ميثاق غليظ عنوانه "الاكتناز والتحوط"، بينما يميل الجيل الذي يليه إلى "الاستغناء والتبسيط"؟ إنها إشكالية تتجاوز مجرد اختلاف الطباع، لتفتح باباً واسعاً على سيكولوجية الحرمان وتأثير الصدمات التاريخية التي تُنقش في الذاكرة الجمعية قبل أن تظهر في سلوك الأفراد كآليات دفاع صامتة.
إن هذا "النهم للتملك" أو الخوف المرضي من شبح الفقر ليس وليد اللحظة، بل هو صدى لسنوات القحط الروحي والمادي التي عُجنت بها طفولة جيل السبعينات وما قبله. حين ينمو الإنسان في بيئة تُجبره على الركض قبل أن يتعلم المشي، وحين تُسرق منه براءة الطفولة لتُستبدل بمسؤوليات شاقة ومبكرة كخدمة في البيوت أو كفاح لإعالة الآخرين بينما الأقران نيام، يتبرمج عقله الباطن على أن العالم مكان موحش لا يعطي إلا لمن يغالب. بالنسبة لهذا الجيل، الفقر ليس نقصاً في المال فحسب، بل هو "وحش" قد يعود في أي لحظة ليخطف الاستقرار الهش، ولذلك يصبح الاكتناز هنا "درعاً واقياً"؛ فكل غرض مخزن—مهما بدا تافهاً—هو صرخة صامتة تقول: "لن أحتاج لأحد مجدداً، ولن أسمح للحرمان بأن يكسرني ثانية".
هذا الخوف يتجذر أكثر حين تقترن الحاجة المادية بانسداد الآفاق التعليمية والاجتماعية. ففي تلك الظروف التي فُرضت فيها المسؤوليات الكبرى، كزواج مبكر في سن المراهقة لمجرد مداراة "خوف المجتمع من الفضيحة" أو لسد ثغرات عائلية، خلقت فجوة هائلة بين رغبات الذات وواقع المفروض. هذا الاغتراب عن النفس، وحرمان الإنسان من حقه الفطري في التعليم والنمو الطبيعي، يولد حالة من عدم القناعة المزمنة التي لا يشفيها إلا "التملك المادي". إنهم لا يجمعون الأشياء لأنهم يحبونها، بل لأنهم يحاولون "ترميم" طفولة لم تكتمل، وسد فجوات عاطفية تركتها الحاجة في نفوسهم الصغيرة؛ فامتلاك الأغراض يصبح هو الطريقة الوحيدة للشعور بالسيطرة على حياةٍ سُلبت منهم في البداية ولم يملكوا حق اختيار مساراتها.
والمفارقة المدهشة في هذا السياق هي "انقطاع السلسلة" لدى الأجيال اللاحقة. فرغم العيش تحت سقف واحد، يظهر الأبناء بعقلية مختلفة تماماً، لا تعرف للاكتناز طريقاً ولا للخوف من الفقر مكاناً. هذا التباين ليس مجرد اختلاف في الأذواق، بل هو نتيجة طبيعية لأن الأبناء لم يتنفسوا غبار الحرمان الذي خنق طفولة من قبلهم. لقد نجح الجيل القديم، بوعي أو بغير وعي، في أن يكون "ممتص الصدمات"؛ فبينما كان هو يكدس الأشياء خوفاً من العدم، كان يبني لأبنائه جسراً من الأمان النفسي سمح لهم بالتحرر من سجن "الخوف من الندرة" إلى رحابة "اليقين بالوفرة". لقد كانت تلك الأكياس المكدسة والخوف من صرف الدرهم هي الثمن الذي دفعه الآباء لكي يولد الأبناء بقلوبٍ خفيفة، لا يثقلها هاجس العوز ولا ترهقها ذكريات الحرمان.
إن تحرر الجيل الجديد من عقدة الاكتناز هو في الحقيقة "الثمرة المرة" لجهاد جيل لم يعرف معنى الطمأنينة. نحن لا نملك "فوبيا الفقر" لأنهم بكل بساطة كانوا هم "السد" الذي منع ذلك الفقر من الوصول إلينا. إن ما نراه اليوم "هوساً" في أعين الكبار هو في الحقيقة أوسمة حرب من زمن مضى؛ هم اكتنزوا لكي لا نحتاج، وخافوا لكي نطمئن، وقبضوا أيديهم لكي نبسط نحن أيدينا للحياة بكل خفة وثقة، وكأنهم يقولون بصمت: "لقد شبعنا خوفاً، لكي تشبعوا أنتم حرية".



#إكرام_فكري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المزايدة على المعاناة
- المصانع الأولى: كيف يخلق الماضي أنماط الحاضر
- ما وراء الرأسمالية والاشتراكية: سؤال الإنسان الضائع بين السو ...
- الالتزام كدرع للبقاء: من الانضباط القسري إلى ثورة الاكتشاف
- المجتمع التنكري
- فخ -العظمة المستعارة-: المشاريع الكبرى كآليات لاستدامة المدي ...
- من العدالة إلى الاستعراض: أزمة توزيع الموارد وسياسة الإقصاء
- إنسان للبيع
- بين ضجيج الآخرين وصمت الحقيقة
- صدى الغرفة المجاورة
- بطلة خارقة ببدلة رخيصة: ثمن التحرر من دور المنقذة
- واجهات مترفة وأموال قذرة: التلاعب النفسي والاجتماعي لغسيل ال ...
- بين بريق الشاشة وواقع القاع: قصة جيل ضائع
- بين الهويتين
- خبر عاجل
- إعادة لحظة البداية
- المرأة بين الحرية و الاستغلال
- المرأة بين الاستغلال التسويقي وتفكك الأسرة: وهم التحرر أم فخ ...
- عندما تذبل اللذة وتبقى الحقيقة
- حين تذبل اللذة وتبقى الحقيقة


المزيد.....




- هذا ما حلّ بقصر كلستان المدرج ضمن قائمة اليونيسكو في طهران
- ازدحامات مرورية خانقة ببيروت مع فرار السكان بعد الغارات الإس ...
- لحظة انهيار مبنى شاهق بعد غارة إسرائيلية في جنوب لبنان
- بعد تعرضها لهجوم.. إغلاق السفارة الأمريكية في السعودية
- السفارة الأمريكية بالرياض تتعرض لهجوم بما يُشتبه أنها طائرات ...
- الكويت.. إغلاق السفارة الأمريكية في البلاد حتى إشعار آخر
- صور أقمار صناعية ترصد أضرارا في مجمع نطنز النووي في إيران
- غارات على بيروت وتحذيرات إسرائيلية بإخلاء 53 قرية لبنانية
- رابع أيام الحرب.. حشد واسع لناقلات الوقود الأمريكية فوق إسرا ...
- من مضيق هرمز إلى بروكسل.. هل تتجاوز ارتدادات الحرب الجغرافيا ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - إكرام فكري - ميراثُ القلق.. وترفُ الاستغناء