أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - إكرام فكري - المزايدة على المعاناة














المزيد.....

المزايدة على المعاناة


إكرام فكري

الحوار المتمدن-العدد: 8631 - 2026 / 2 / 27 - 00:17
المحور: المجتمع المدني
    


حين يمر الإنسان بالفقر أو الإهمال أو القسوة، فإنه لا يخرج من التجربة كما دخلها. الألم لا يكون مجرد حدث، بل يصبح جزءًا من الهوية. وهنا تبدأ المعضلة النفسية الحقيقية: هل أواجه التجربة باعتبارها ظلمًا تعرضت له، أم أعيد تفسيرها كفضيلة صنعتني؟ الاعتراف بأنها كانت ظلمًا يعني مواجهة خسارة معنوية: سنوات من الصمت، تنازلات، انكسارات، وربما خضوع لم يكن ضروريًا. هذا الاعتراف يهز صورة الذات، ويضع الشخص أمام سؤال ثقيل: لماذا قبلتُ؟ لماذا سكتُّ؟ لماذا لم أحمِ نفسي؟

ولأن هذا السؤال موجع، يلجأ البعض إلى طريق أقل ألمًا: تحويل المعاناة إلى بطولة. يصبح الصمت نبلًا، والتحمل شرفًا، والطاعة حكمة، والتنازل تضحية سامية. بهذه الطريقة يُعاد بناء القصة بحيث لا يكون الشخص ضحية، بل بطلًا أخلاقيًا. لكن هذه السردية تحتاج إلى حماية مستمرة، لأنها هشة من الداخل. وأي صوت مختلف يهددها.

من هنا تنشأ المزايدة بالمعاناة. لم تعد المعاناة مجرد تجربة شخصية، بل أصبحت رأسمالًا رمزيًا يمنح صاحبه سلطة أخلاقية. الشخص لا يروي قصته ليُفهم، بل ليرتفع بها فوق غيره. يقول ضمنًا: نحن لم نشتكِ، نحن لم نتمرّد، نحن بقينا أوفياء مهما حدث. وكأن الأخلاق تُقاس بقدرتك على احتمال الأذى، لا بقدرتك على منعه. وكأن النضج يعني أن تتألم بصمت، لا أن تضع حدودًا.

في هذا السياق ينقلب الميزان: يصبح الخضوع فضيلة، والدفاع عن النفس وقاحة، والاستقلال العاطفي اتهامًا. ويُختزل مفهوم الأخلاق في الطاعة، بينما تُهمَّش قيمة العدالة. من يختار طريقًا مختلفًا لا يُنظر إليه كشخص اتخذ قرارًا واعيًا، بل كتهديد للنظام الرمزي الذي بُني على الصمت.

الدفاع المستميت عن نماذج مؤذية ليس دائمًا قوة، بل قد يكون آلية دفاع عميقة. لأن الاعتراف بالظلم يعني إعادة تقييم الماضي كله، وربما الاعتراف بأن الألم لم يكن ضرورة أخلاقية بل نتيجة اختلال في موازين القوة. لذلك يُعاد تأطير القهر كاختبار إلهي، أو كتربية قاسية صنعت الشخصية، أو كمرحلة لا يجوز نقدها. هذا التماهي مع المصدر المؤلم لا يكون دائمًا حبًا فيه، بل حماية للذات من الانهيار.

وعندما يظهر شخص يرفض هذه السردية، يشعر من صمت طويلًا بأن توازنه مهدد. ليس لأن الصوت الجديد خاطئ بالضرورة، بل لأنه يفتح جرحًا قديمًا تم إغلاقه بالتبرير. لذلك تأتي ردود الفعل حادة أحيانًا: اتهامات، تشكيك في النوايا، تشويه للموقف، أو إحالة مباشرة إلى معايير أخلاقية مطلقة. الهدف ليس إقناع الآخر، بل تثبيت الرواية الداخلية.

في هذا المناخ يُستدعى الخطاب الديني كثيرًا بوصفه سلطة رمزية. تُرفع شعارات عن البر والطاعة والفضل، بينما يُغفل الحديث عن الكرامة والعدل والأذى النفسي. المشكلة لا تكمن في القيم الدينية نفسها، بل في استخدامها لإغلاق النقاش. عندما يتحول الدين إلى أداة لإبقاء التوازن الاجتماعي كما هو، حتى لو كان قائمًا على ألم غير معترف به، فإنه يفقد بعده الروحي ويتحول إلى وسيلة ضبط.

كذلك، الهروب إلى مقارنة مجتمعات أخرى أو السخرية من قوانين تحمي الأطفال قد يكون محاولة لتجنب مواجهة الداخل. نقد الخارج أسهل من مراجعة الذات. من الأسهل القول إن الآخرين مبالغون أو متطرفون، من الاعتراف بأن خلف الأبواب المغلقة قصصًا تحتاج إلى مساءلة. وهكذا يُقدَّس الشكل، حتى لو كان الجوهر هشًا، وتُحارب أي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الفرد والمحيط على أساس الاختيار والاحترام المتبادل.

مع ذلك، من الضروري الحفاظ على توازن فكري. ليس كل من صبر منافقًا، وليس كل من اختار البقاء في علاقة مؤذية فاقدًا للوعي. بعض الناس وجدوا في الصبر معنى حقيقيًا، وبعضهم سامح عن اقتناع عميق، وبعضهم لم تكن أمامه خيارات واقعية. الفرق الجوهري ليس بين من صمت ومن تكلم، بل بين من يحوّل تجربته إلى قانون أخلاقي ملزم للآخرين، ومن يتركها خيارًا شخصيًا.

التحرر الحقيقي لا يكون في إعلان حرب على المجتمع، ولا في قلب المعادلة بحيث يصبح كل صبر تواطؤًا. التحرر هو أن تعترفي بقصتك دون أن تبتلعي قصص الآخرين، وأن تختاري طريقك دون أن تحتاجي إلى هدم طرقهم. القوة ليست في كسر الصورة فقط، بل في أن تبني لنفسك حياة لا تُدار برد الفعل على الماضي، بل بوعي حاضر يختار ما يريده بوضوح و مسؤولية .



#إكرام_فكري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المصانع الأولى: كيف يخلق الماضي أنماط الحاضر
- ما وراء الرأسمالية والاشتراكية: سؤال الإنسان الضائع بين السو ...
- الالتزام كدرع للبقاء: من الانضباط القسري إلى ثورة الاكتشاف
- المجتمع التنكري
- فخ -العظمة المستعارة-: المشاريع الكبرى كآليات لاستدامة المدي ...
- من العدالة إلى الاستعراض: أزمة توزيع الموارد وسياسة الإقصاء
- إنسان للبيع
- بين ضجيج الآخرين وصمت الحقيقة
- صدى الغرفة المجاورة
- بطلة خارقة ببدلة رخيصة: ثمن التحرر من دور المنقذة
- واجهات مترفة وأموال قذرة: التلاعب النفسي والاجتماعي لغسيل ال ...
- بين بريق الشاشة وواقع القاع: قصة جيل ضائع
- بين الهويتين
- خبر عاجل
- إعادة لحظة البداية
- المرأة بين الحرية و الاستغلال
- المرأة بين الاستغلال التسويقي وتفكك الأسرة: وهم التحرر أم فخ ...
- عندما تذبل اللذة وتبقى الحقيقة
- حين تذبل اللذة وتبقى الحقيقة
- الماضي الذي لا يتركني


المزيد.....




- مفوض حقوق الإنسان يحذر من -تطهير عرقي- وتغيير ديموغرافي دائم ...
- أطباء السودان: الواقع الإنساني في البلاد تجاوز مرحلة المجاعة ...
- وزير الخارجية السوري يبحث مع وفد أوروبي تعزيز التعاون وعودة ...
- الأمم المتحدة تحذر من -مخططات إسرائيل- في الضفة وغزة
- جولة إنسانية في الأردن.. الأمير هاري وزوجته يزوران اللاجئين ...
- المفوض الأممي لحقوق الإنسان يعتبر أن إسرائيل تهدف لإحداث -تغ ...
- الجهاد الإسلامي: ممارسات العدو الصهيوني في حق الأسرى تجاوزت ...
- تصعيد إسرائيلي واسع في الضفة: اعتقالات تطال 16 مواطناً وإخطا ...
- تصعيد متسارع بالضفة.. اعتقالات وهدم ومصادرة أراض
- مكتب أممي لحقوق الإنسان بموزمبيق.. خطوة رمزية أم تحول مؤسسي؟ ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - إكرام فكري - المزايدة على المعاناة