أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلاقات الجنسية والاسرية - إكرام فكري - جرح مؤجل














المزيد.....

جرح مؤجل


إكرام فكري

الحوار المتمدن-العدد: 8720 - 2026 / 5 / 29 - 00:30
المحور: العلاقات الجنسية والاسرية
    


أحيانًا لا يكون الإنسان عالقًا داخل علاقة سيئة بالمعنى التقليدي، بل داخل نظام كامل يعمل بمنطق يختلف كلياً عن منطقه. نظام قديم، مغلق، يستهلك الطاقة ببطء، ويحوّل أبسط التفاصيل اليومية إلى تجربة ثقيلة ومربكة…
في الظاهر، يبدو المشهد عاديًا؛ عيد، لحم، بيت، وابنة تزور أمها. لكن داخل التفاصيل الصغيرة يبدأ شيء آخر بالظهور. فالمسألة لم تعد مرتبطة بالحاجة الفعلية للطعام بقدر ما أصبحت مرتبطة بعلاقة مضطربة مع فكرة النقص نفسها. شراء المزيد، طلب المزيد، تخزين المزيد… رغم أن الكمية الموجودة تكفي أصلًا. كأن الامتلاء المؤقت للفريزر يمنح شعورًا قصيرًا بالأمان، أو يعوض فراغًا أقدم بكثير من مناسبة العيد… لهذا لم يكن المشهد مجرد “لحم كثير”، بل صورة لحياة كاملة تُدار بمنطق التكديس والانغلاق بدل الراحة والاستمتاع.
تُشترى الأشياء بكثرة، ثم تُحفظ بعيدًا، بينما يبقى البيت نفسه غارقًا في الصمت والثقل، وكأن كل شيء موجود إلا الشعور الحقيقي .. خوف قديم من النقص، هوس بالتخزين، أو محاولة لملء فراغ داخلي عبر التكديس المستمر.
تصلين من العمل في عز الحر، حاملةً أكياس اللحم وحاسوبكِ الذي كنتِ تأملين أن يكون جسركِ نحو بضعة أيام من الهدوء، لتجدي أن البيت قد تحول إلى سجن؛ النوافذ مغلقة، الأبواب موصدة، والعيد نفسه ممنوع من الدخول. في الخارج يضج العالم بالحياة، بينما في الداخل لا صوت يعلو فوق صدى الماضي، والمقارنات، وأحاديث الموت التي لا تنتهي. هنا، تكتشفين أن أبسط المحاولات لا تنجح؛ فتناول طاجين ينهيه ادعاء المرض، واقتراح الخروج للبحر يواجه برفض قاطع، وحتى محاولة العودة تُقابل بانتقاد و عقده الذنب كل مبادرة لخلق لحظة خفيفة تُقابل بصدٍّ واعٍ، لتدركي حينها أن المشكلة ليست في حدث عابر، بل في نسق حياة كامل. هناك بشر اعتادوا التوتر لدرجة أن الراحة أصبحت بالنسبة لهم حالة غريبة ومستفزة، فيعيدون إنتاج العزلة، والخوف، والحديث الثقيل أينما حلوا. والخطأ الأكبر الذي نقع فيه، هو اعتقادنا أن هذا النظام قابل للإصلاح بالإصرار أو بالشرح أو ببذل المزيد من الجهد العاطفي. لكن الحقيقة هي أن بعض الأنظمة لا يمكن إعادة برمجتها من الخارج، وهنا تظهر فكرة "العزلة التقنية"؛ حين يصبح الحل الوحيد هو تقليل صلاحيات هذا النظام داخل حياتكِ. ليس بدافع القسوة، بل بدافع الحفاظ على استقراركِ الداخلي. العلاقة تستمر، لكن بطريقة مختلفة: دون محاولة دائمة لإنقاذ الجو، دون انتظار لحظة مثالية لن تأتي، ودون السماح لهذا الثقل بأن يتسرب إلى مفاصل حياتكِ اليومية. إنها أشبه بتشغيل برنامج قديم داخل مساحة معزولة، كي لا يفسد النظام بأكمله. الحياة الحقيقية تبدأ خارج تلك الدائرة؛ في العمل، في الطموح، وفي كل تفصيل يشعركِ أنكِ تتنفسين بحرية.
إن النضج أحيانا ليس في إصلاح كل شيء، بل في معرفة ما الذي يجب أن نتوقف عن إصلاحه. فبعض الأنظمة لا تتغير، لا لأنها مستحيلة فقط، بل لأنها استمرأت منطقها القديم، ومحاولة الدخول معها في حرب دائمة لا تؤدي إلا إلى استنزافكِ، أنتِ التي ما زلتِ تعتقدين أن بإمكانكِ تحويل الجدران المغلقة إلى نوافذ. لذا، ربما تكون الحرية الحقيقية هي التوقف عن محاولة فهم كل شيء، والتوقف أيضًا عن منح بعض المساحات قدرة الوصول الكامل إلى أعماقكِ. ليس هذا هروبًا، بل إدارة ذكية للطاقة؛ وليس برودًا، بل حماية للبنية النفسية من تعطلٍ مستمر.



#إكرام_فكري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف تحول -التمرير- إلى أداة لقياس الوجود؟
- الاستهبال
- -الارتهان للمؤسسات المانحة- وتأثير ذلك على التوظيف والأجور.
- عقل عام تحت السيطرة: الإعلام بين الاستقلال المالي والتنويم ا ...
- هندسة الضبط الرقمي
- البطلة المجهدة والمنقذ النائم: فخ الاستقلال في عصر التسليع
- ميراثُ القلق.. وترفُ الاستغناء
- المزايدة على المعاناة
- المصانع الأولى: كيف يخلق الماضي أنماط الحاضر
- ما وراء الرأسمالية والاشتراكية: سؤال الإنسان الضائع بين السو ...
- الالتزام كدرع للبقاء: من الانضباط القسري إلى ثورة الاكتشاف
- المجتمع التنكري
- فخ -العظمة المستعارة-: المشاريع الكبرى كآليات لاستدامة المدي ...
- من العدالة إلى الاستعراض: أزمة توزيع الموارد وسياسة الإقصاء
- إنسان للبيع
- بين ضجيج الآخرين وصمت الحقيقة
- صدى الغرفة المجاورة
- بطلة خارقة ببدلة رخيصة: ثمن التحرر من دور المنقذة
- واجهات مترفة وأموال قذرة: التلاعب النفسي والاجتماعي لغسيل ال ...
- بين بريق الشاشة وواقع القاع: قصة جيل ضائع


المزيد.....




- إسرائيل تقطع علاقاتها مع مكتب غوتيريش بعد إدراجها بقائمة الع ...
- الاحتلال يجمد علاقاته مع مكتب الأمين العام للأمم المتحدة أن ...
- إسرائيل تقرر تجميد علاقاتها مع غوتيريش بعد إدراجها في -قائمة ...
- الحجاب وقميص أرسنال.. كيف تحولت مشاركة ممداني في صلاة العيد ...
- الأمم المتحدة تدرج كيان الاحتلال في القائمة السوداء لمرتكبي ...
- القناة -12 العبرية-: الأمم المتحدة تدرج -إسرائيل- مرة أخرى ف ...
- ريبورتاج: الحرب والأزمة الاقتصادية تدفعان الشباب اللبناني إل ...
- خلف الأرقام.. شهادات نساء غزة توثق تفاصيل النجاة اليومية في ...
- لماذا تعيش النساء عمراً أطول من الرجال؟
- الأزهر أم البرلمان.. من يحسم قانون الأسرة في مصر؟


المزيد.....

- الجندر والجنسانية - جوديث بتلر / حسين القطان
- بول ريكور: الجنس والمقدّس / فتحي المسكيني
- المسألة الجنسية بالوطن العربي: محاولة للفهم / رشيد جرموني
- الحب والزواج.. / ايما جولدمان
- جدلية الجنس - (الفصل الأوّل) / شولاميث فايرستون
- حول الاجهاض / منصور حكمت
- حول المعتقدات والسلوكيات الجنسية / صفاء طميش
- ملوك الدعارة / إدريس ولد القابلة
- الجنس الحضاري / المنصور جعفر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلاقات الجنسية والاسرية - إكرام فكري - جرح مؤجل