أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - إكرام فكري - كيف تحول -التمرير- إلى أداة لقياس الوجود؟














المزيد.....

كيف تحول -التمرير- إلى أداة لقياس الوجود؟


إكرام فكري

الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 23:03
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لا يحدث الأمر لأن أحدًا قرر فجأة أن حياته أقل قيمة من حياة غيره. بل في لحظة بسيطة جدًا، بمجرد أن تمرر إصبعك على شاشة الهاتف، تبدأ بشكل غير واعٍ في الدخول إلى حالة صامتة من المقارنة. لا تشعر أنك تقارن، لكنك تفعل ذلك تلقائيًا. ترى حياة، ثم أخرى، ثم عشرات المشاهد المتتالية. ومع كل مشهد، يتشكل بداخلك معيار جديد لما "يجب" أن تكون عليه الحياة.

المقارنة هنا ليست فكرة عقلانية، بل إحساس يتراكم تدريجيًا عبر طبقات نفسية ثابتة. هو شعور بأن ما تعيشه الآن يوضع بشكل غير علني بجانب ما تراه على الشاشة. ومع الوقت، يتحول هذا التمرير العابر إلى تجربة وجودية. كل حياة تُعرض تصبح مرجعًا، وكل لحظة تعيشها تصبح قابلة للقياس، حتى دون أن تدرك ذلك.

في البداية، تظهر الحياة الأولى. حياة الطبقة الأرستقراطية، حياة العائلات العليا التي وُلدت في القمة أصلًا. هنا، يبدو كل شيء مثاليًا بشكل طبيعي. بيوت واسعة، أسماء معروفة، تعليم مرموق، وحضور اجتماعي ثابت داخل البنية الاجتماعية.
الصور هنا لا تُصنع لإثبات شيء، بل لتوثيق حياة مكتملة أصلًا. تفاصيل يومية تبدو سلسة دون صراع ظاهر. لا أحد يفكر في الإبهار، لأن الحياة نفسها تُعتبر "طبيعية أن تكون في الأعلى". الجسد هنا لا يُقدم كرسالة أو وسيلة للاعتراف. بل يُرى كجزء من حضور اجتماعي مُسلّم به. القيمة هنا ليست شيئًا يُنتَج أو يُسوّق، بل هي "بنية" ينتمي إليها الشخص. وهذا يتقاطع بقوة مع سوسيولوجيا بيير بورديو حول "رأس المال الثقافي والرمزي" الذي يُعاش كطبيعة ثانية دون تكلّف. ولهذا تبدو هذه الحياة مغلقة من ناحية الصراع المفتوح. ليس لأنها بلا مشاكل، بل لأنها لا تعيش سؤال "هل نحن مرئيون؟" من الأساس.

ثم تنتقل إلى الحياة الثانية. وهنا يبدأ التوتر الحقيقي في الظهور؛ حياة المؤثرين وصناعة الانطباع. الظهور يصبح شرطًا أساسيًا للوجود الاجتماعي بناءً على الفكرة الفلسفية القديمة: (أن تكون يعني أن تُدرك). لا يكفي هنا أن تعيش اللحظة، بل يجب أن تعرضها بطريقة تجعل الآخرين يلاحظونها ويشعرون بقيمتها. كل شيء مُعاد ترتيبه: الجسد، المكان، الإضاءة، والتعبير. اللحظة تُهذّب وتمر عبر رقابة بصرية صارمة قبل نشرها. الجسد هنا ليس حضورًا طبيعيًا، بل رسالة مستمرة وعرض محسوب بدقة.

في هذا السياق، يتحول القرب، والاهتمام، والمتابعة إلى أدوات تبادل للحصول على الاعتراف.

ثم تنتقل إلى الحياة الثالثة. حياة الكفاح والواقع، وهي الحياة الأكثر حقيقية وأصالة، لكنها في نفس الوقت "الأقل مرئية". هنا لا يوجد وقت كافٍ لصناعة صورة مثالية، ولا طاقة لتحويل كل لحظة إلى عرض بصري. يعيش الناس بشكل مباشر أكثر: عمل، دراسة، تعب، ومحاولات متكررة لبناء الذات من الصفر أو من نقاط متأخرة. هذه الحياة تبدو أقل وزنًا وقيمة لمجرد أنها غير مرئية.
فتاة تبدأ أول وظيفة وهي تحمل توتر البدايات، شاب يعود من عمل مرهق لكنه يستمر، وإنسان في الغربة يحاول الحفاظ على استمراريته فقط. هذه الحياة ليست غير مهمة، لكن مشكلتها الحقيقية أنها "غير مصممة للعرض". صورها بسيطة، غير مرتبة، لكنها تحمل أثر الواقع غير المعدّل. ومع ذلك، بسبب غياب البريق، تبدو في وعي المتلقي وكأنها "أقل وزناً".

ومع تكرار هذا التمرير اليومي، يحدث التحول الأكثر خطورة دون أن ننتبه. لم نعد نرى هذه العوالم كتنوع طبيعي في الحياة. بل بدأنا نقيسها كدرجات في القيمة. الحياة الأرستقراطية تبدو "مكتملة" وثابتة، الحياة الثانية تبدو دافعة نحو السعي للظهور لإثبات الذات، والحياة الثالثة تبدو ككفاح صامت لا يجد دائمًا من يمنحه الانتباه.
ومع الوقت، يتحول السؤال الوجودي من البحث عن المعنى الداخلي والذاتي: "كيف أعيش حياتي؟" إلى سؤال قاسي مستلب ومحكوم بمعيار خارجي واستعراضي: "كيف يجب أن تبدو حياتي… لكي لا أشعر أنها أقل من حياة الآخرين؟" هذا هو جوهر استلاب الهوية في العصر الرقمي. حيث تفقد الذات مركزها. تصبح نظرة الآخر

وهكذا، تتحول الشاشة من نافذة نرى من خلالها العالم إلى ميزان غير معلن نحكم به على الحياة نفسها. المأساة الوجودية هنا ليست في اختلاف الظروف، بل في تأثير المقارنة على هويتنا. إنها تحول التنوع الطبيعي إلى "تراتبية".



#إكرام_فكري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاستهبال
- -الارتهان للمؤسسات المانحة- وتأثير ذلك على التوظيف والأجور.
- عقل عام تحت السيطرة: الإعلام بين الاستقلال المالي والتنويم ا ...
- هندسة الضبط الرقمي
- البطلة المجهدة والمنقذ النائم: فخ الاستقلال في عصر التسليع
- ميراثُ القلق.. وترفُ الاستغناء
- المزايدة على المعاناة
- المصانع الأولى: كيف يخلق الماضي أنماط الحاضر
- ما وراء الرأسمالية والاشتراكية: سؤال الإنسان الضائع بين السو ...
- الالتزام كدرع للبقاء: من الانضباط القسري إلى ثورة الاكتشاف
- المجتمع التنكري
- فخ -العظمة المستعارة-: المشاريع الكبرى كآليات لاستدامة المدي ...
- من العدالة إلى الاستعراض: أزمة توزيع الموارد وسياسة الإقصاء
- إنسان للبيع
- بين ضجيج الآخرين وصمت الحقيقة
- صدى الغرفة المجاورة
- بطلة خارقة ببدلة رخيصة: ثمن التحرر من دور المنقذة
- واجهات مترفة وأموال قذرة: التلاعب النفسي والاجتماعي لغسيل ال ...
- بين بريق الشاشة وواقع القاع: قصة جيل ضائع
- بين الهويتين


المزيد.....




- ترامب يطلب من المفاوضين الأمريكيين -عدم التسرع- في إبرام اتف ...
- الصين ترسل 3 رواد فضاء في مهمة جديدة تمهيدا لبناء قاعدة على ...
- القسام تنشر رسالة لقائدها الراحل عز الدين الحداد.. ماذا قال ...
- بروباغندا الصور.. كيف يوظف ترمب الذكاء الاصطناعي في حرب إيرا ...
- انتهت اللعبة.. ونجحنا في باكستان في إيقاف كارثة عالمية
- حماية تحت الأرض.. ملاجئ فنلندا محط الأنظار في زمن الحرب
- مضيق هرمز.. اتفاق مبدئي على فتحه وغموض في الصياغة والتفعيل
- الدوحة والرياض تؤكدان دعمهما للوساطة الباكستانية بين واشنطن ...
- مسؤول أمريكي: إبرام اتفاق مع إيران قد يستغرق أيامًا
- مباشر: ترامب يقول إن واشنطن لا تعتزم -التسرّع- في إبرام اتفا ...


المزيد.....

- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - إكرام فكري - كيف تحول -التمرير- إلى أداة لقياس الوجود؟