أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - بوتان زيباري - حين تُطفئ المصالحُ مصابيحَ الديمقراطية














المزيد.....

حين تُطفئ المصالحُ مصابيحَ الديمقراطية


بوتان زيباري

الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 00:13
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


في الأزمنة التي تتعب فيها الديمقراطيات من الدفاع عن نفسها، تتحول الحرية إلى عبء أخلاقي مؤجل، وتصبح حقوق الشعوب مجرد تفاصيل هامشية في دفاتر المصالح الكبرى. هكذا يبدو المشهد التركي اليوم، لا بوصفه حادثة سياسية عابرة، بل باعتباره مرآة لعصرٍ عالمي يتراجع فيه الإيمان بالإنسان أمام صعود القوة العارية. الصمت الغربي تجاه ما يجري داخل تركيا ليس صدفة دبلوماسية، بل نتيجة تحوّل عميق في بنية النظام الدولي، حيث لم تعد الديمقراطية قيمة ثابتة، بل أداة تُستخدم حين تخدم النفوذ، وتُهمَل حين تتعارض مع الحسابات الجيوسياسية.

في السنوات الأولى من حكمه، أدرك أردوغان أن الطريق إلى تثبيت سلطته يمر عبر بوابة أوروبا. رفع شعارات الإصلاح، وارتدى خطاب الديمقراطية، وقدّم نفسه باعتباره نموذجًا إسلاميًا متصالحًا مع الغرب. يومها، لم يكن الاتحاد الأوروبي مجرد حلم خارجي، بل وسيلة داخلية لتفكيك خصومه وإعادة تشكيل الدولة وفق توازنات جديدة. كانت عضوية الاتحاد الأوروبي أشبه بدرعٍ سياسي مكّنه من تحييد المؤسسة العسكرية وجمع تيارات متناقضة داخل تحالف واحد، من الليبراليين إلى المحافظين، تحت راية “تركيا الديمقراطية الجديدة”. لكن السنوات كشفت أن ذلك الانفتاح لم يكن تحولًا فلسفيًا بقدر ما كان تكتيكًا مرحليًا في معركة السلطة.

ومع كل محطة انتخابية خسر فيها جزءًا من السيطرة، كان وجه النظام الحقيقي يخرج من خلف الأقنعة. في انتخابات حزيران 2015، حين خسر الحزب الحاكم أغلبيته البرلمانية بعد صعود حزب الشعوب الديمقراطي، ظهرت أول إشارة واضحة إلى أن الإرادة الشعبية تصبح غير قابلة للاعتراف حين لا تنتج النتيجة المطلوبة. ثم جاءت انتخابات إسطنبول عام 2019 لتكشف مرحلة أكثر خطورة، عندما أُعيد الاقتراع بعد خسارة مرشح السلطة، وكأن الصندوق لم يعد معيارًا للحقيقة بل أداة قابلة للتعديل. أما اعتقال أكرم إمام أوغلو، بعد تحوله إلى رمز جماهيري واسع، فقد بدا للكثيرين إعلانًا صريحًا بأن السلطة لم تعد تخشى الاتهام بالاستبداد، لأنها لم تعد ترى في العالم من سيحاسبها.

غير أن فهم المشهد التركي بمعزل عن البيئة الدولية يظل قراءة ناقصة. أوروبا التي رفعت يومًا راية حقوق الإنسان، هي ذاتها التي عقدت اتفاق اللاجئين عام 2016، وقدّمت حماية سياسية غير معلنة لأنقرة مقابل وقف تدفق المهاجرين. منذ تلك اللحظة، فهمت السلطة التركية أن الغرب مستعد لغضّ البصر عن التراجع الديمقراطي إذا ضمنت له أنقرة أمن الحدود والمصالح الاستراتيجية. أما الولايات المتحدة، فلم تكن يومًا جمعية أخلاقية تُعنى بحريات الشعوب بقدر ما كانت قوة تبحث عن توازنات النفوذ. ومع صعود ترامب، اكتسب المشهد بعدًا أكثر صراحة، إذ تحولت العلاقة مع القادة السلطويين إلى نوع من الإعجاب المعلن بالقوة المجردة، لا بطريقة وصولها إلى الحكم.

لقد نشأ عالم جديد يُكافَأ فيه الحاكم القوي حتى لو صادر الحريات، ما دام يحفظ التوازنات الكبرى. لهذا لم تعد أوروبا ترى في تركيا مشروعًا ديمقراطيًا، بل شريكًا عسكريًا وجيوسياسيًا لا يمكن الاستغناء عنه في البحر الأسود، والشرق الأوسط، والملف الروسي. وفي ظل هذا المناخ، بات الاستبداد يُعامل كأمر واقع لا كفضيحة سياسية.

ومع ذلك، فإن أكثر ما يكشف هشاشة الأنظمة السلطوية هو خوفها الدائم. الدكتاتور الذي يملأ السجون بالخصوم ليس قويًا كما يبدو، بل مرتعب من احتمال أن يكتشف الناس ضعفه. السلطة التي تلغي معنى الانتخابات، وتعتقل المنافسين، وتطارد الأحزاب، تفعل ذلك لأنها تشعر بتآكل شرعيتها. الزعيم الواثق لا يخشى صندوق الاقتراع، أما المرتجف من الداخل فيحوّل الدولة كلها إلى جهاز دفاع عن بقائه الشخصي. ولهذا فإن القمع، مهما بدا صلبًا، يحمل في جوهره اعترافًا خفيًا بالخوف، لأن الطغيان ليس ذروة القوة، بل ذروة القلق.



#بوتان_زيباري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكورد بين هندسة الاحتواء ووعد الفجر
- انعتاق المبدأ وجدلية الحصار: قراءة في كواليس القرار والإرادة
- تأملات في جغرافيا الروح وبوصلة الكيان
- حين تتحوّل المساواة إلى تهمة تأملات في الجرح الكوردي داخل جم ...
- كوردستان في مهبّ الخرائط: صمود الهوية أمام ميكافيلية المصالح ...
- حين تتحوّل الهوية إلى جسر لا إلى خندق
- تشرذم المرايا: صراع السيادة في مهب التحولات الكبرى
- حين تتكلم الحروب بلغة المساومة وتُخفي الخراب في ثوب السياسة
- حين يصمت الكورد… يتكلم الزمن باسمهم
- أفق الانعتاق ومخاض الكينونة: الكورد في مرايا الجغرافيا والقد ...
- الهوية الكوردية.. ركيزة الائتلاف لا عائق الاتحاد
- ما وراء الرموز المصطنعة: انبعاث الإرادة الحرة من أقبية الدول ...
- نار في شريان الحياة: محاسبة عصر
- تصفية القضية الكوردية بشعارات هلامية
- تراتيل الصحوة بين غسق الاستحمار وفجر النباهة
- بين ضجيج البيانات وصمت المقابر
- مَواثيقُ القِيامةِ: صَرخةُ الأرضِ في وَجهِ الرَّماد
- ميزان الروح في محكمة التراب والخلود
- فجر الذات الكوردية: في مديح الأرض ونقد الوهم الأيديولوجي
- ميثاق الوعي في زمن الإخضاع الهادئ


المزيد.....




- -تحويل بلوتونيوم الأسلحة النووية إلى كهرباء-.. تفاصيل صفقة - ...
- كوبا تناشد المجتمع الدولي مساعدتها على تجنب كارثة بسبب الحصا ...
- لبنان يعلن مقتل 31 شخصاً إثر غارات إسرائيلية
- ما تجب معرفته عن الإقامة الدائمة بأمريكا بعد قرار ترمب الجدي ...
- بيونغ يانغ تختبر منظومة صواريخ جديدة وقذائف محسّنة
- تحقيق فرنسي في شبهة تدخل إسرائيلي استهدف مرشحين داعمين لفلسط ...
- بين تقلبات ترمب ونفوذ الصين.. مساع آسيوية لإعادة رسم التحالف ...
- لماذا يتعرض نتنياهو لـ-ضغوط- من حلفائه ومعارضيه بسبب -حزب ال ...
- قطر تبحث مع السعودية والأردن ومصر جهود الوساطة الباكستانية
- طحنون بن زايد ورئيس وزراء قطر يبحثان التطورات الإقليمية


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - بوتان زيباري - حين تُطفئ المصالحُ مصابيحَ الديمقراطية