أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - بوتان زيباري - الكورد بين هندسة الاحتواء ووعد الفجر














المزيد.....

الكورد بين هندسة الاحتواء ووعد الفجر


بوتان زيباري

الحوار المتمدن-العدد: 8712 - 2026 / 5 / 21 - 01:06
المحور: القضية الكردية
    


ليست المأساة الكوردية في أن المستعمر الطوراني التركي أنكر وجود الكورد لعقود طويلة فحسب، بل في أنه أتقن فنّ صناعة الأقنعة، حتى صار بعض السجّانين يتحدثون بلهجة الضحية، وبعض الأدوات تُقدَّم على أنها خلاص الأمة. فالدولة التي ارتعبت في ثمانينيات القرن الماضي من صعود الحركات التحررية الكوردية، حين كانت الجبال تنطق باسم الحرية، أدركت مبكرًا أن الرصاص وحده لا يكفي لإخماد شعبٍ يرى نفسه أقدم من الحدود وأبقى من الخرائط. لذلك لم يكن القضاء على معظم الحركات الكوردية آنذاك حدثًا عابرًا، بل كان مشروعًا استراتيجيًا طويل النفس، شاركت فيه أجهزة الأمن، وعقائد الدولة العميقة، وشخصيات جرى زرعها داخل الجسد الكوردي كي تتحول لاحقًا إلى مفاتيح للتحكم بالمصير الكوردي نفسه.

لقد فهمت أنقرة، منذ زمن بعيد، أن العنصر التركي ليس أكثرية مطلقة داخل تركيا، وأن بقاء السلطة الطورانية مرهون بإبقاء الكورد داخل دائرة التبعية السياسية والنفسية. ولهذا تحوّلت القضية الكوردية من قضية إنكار إلى قضية إدارة، ومن حرب إبادة مباشرة إلى سياسة احتواء ناعمة، تقوم على إنتاج قيادات مرتبطة عضوياً بمصالح النظام، حتى وإن ظهرت في هيئة المعارض أو السجين أو الثائر القديم. فبعض السجون ليست إلا مسارح سياسية تُدار بعناية، وبعض الرموز التي يُسوَّق لها باعتبارها ضمير الشعب ليست سوى أوراق احتياط تستخدمها الدولة حين تفشل الدبابات والطائرات.

واليوم، بينما تتحدث أنقرة عن “السلام” و”الاندماج” و”الحلول الواقعية”، فإنها في الحقيقة تحاول إعادة تشكيل الكوردي وفق المقاس التركي، لا الاعتراف بحريته. إنها تريد كوردياً منزوع الحلم، بلا ذاكرة تاريخية، بلا مشروع قومي، وبلا قدرة على إنتاج مستقبل مستقل. لذلك يجري الترويج لصيغٍ سياسية تجعل الكوردي مجرد وظيفة أمنية داخل الدولة، أو رقماً عسكرياً في جيش لا يعترف حتى بلغته الأم. وما يجري في سوريا ليس بعيداً عن هذا السياق، فكل محاولات دمج القوى الكوردية داخل بنى خاضعة للمركز ليست بريئة، بل تهدف إلى تفريغ التجربة الكوردية من مضمونها التحرري، وتحويلها إلى إدارة محلية بلا روح.

ومع ذلك، فإن أكثر ما يقلق العقل الطوراني ليس السلاح الكوردي، بل الوعي الكوردي. فالدولة التي استطاعت احتلال الأرض، لم تستطع احتلال الذاكرة. لهذا نراها ترتعب من اللغة الكوردية، من الأغنية، من أسماء القرى، من تعليم الأطفال بلغتهم، ومن كل تفصيل يذكّر الكوردي بأنه ليس تابعاً لأحد. وحين توهّمت أن الحرب أنهكت الكورد، اكتشفت أن أجيالاً جديدة وُلدت من بين الركام، تحمل وعياً أكثر خطورة من البنادق، وعياً يعرف كيف يقرأ الخرائط الدولية، ويفضح التلاعب الجيوسياسي، ويرى كيف تُستخدم بعض القيادات لتحويل القضية الكوردية إلى ملف أمني يخدم مصالح الدول لا تطلعات الشعوب.

إن أخطر ما في المرحلة الراهنة ليس القمع المباشر، بل محاولة تحويل الكورد إلى حراس للمشروع التركي نفسه، عبر شبكات النفوذ، والخطاب العاطفي، وتقديس الأشخاص بدل تقديس الحرية. وهنا تكمن المأساة الكبرى، حين يصبح بعض الكورد أدوات لترويض شعبهم، وحين يُطلب من الأمة أن تشكر السجّان لأنه خفّف قيودها قليلاً. لكن التاريخ لا يُخدع طويلاً، والشعوب التي دفعت أنهاراً من الدم لا يمكن أن تنام داخل قفص مهما جرى تزيينه بالشعارات.

الكورد اليوم ليسوا كما كانوا قبل أربعين عاماً. لقد تغيّر العالم، وتغيّرت خرائط القوة، وسقطت أقنعة كثيرة. أما الشمس الكوردية التي حاولت الإمبراطوريات دفنها مراراً، فإنها لا تزال تصعد ببطء من خلف الجبال. قد تتأخر، قد تُحاصر، وقد تُثقَل بالخيانة والانقسامات، لكنها لن تنطفئ. لأن الشعوب التي تعلّمت كيف تحوّل الألم إلى هوية، والخذلان إلى وعي، لا يمكن أن تُهزم إلى الأبد. وفي النهاية، لن يبقى من كل هذا الضجيج سوى حقيقة واحدة: الكورد ليسوا طارئين على التاريخ، بل أحد آخر الشعوب التي ما زالت تقاتل كي لا يُسرق منها اسمها تحت رايات السياسة الحديثة.



#بوتان_زيباري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انعتاق المبدأ وجدلية الحصار: قراءة في كواليس القرار والإرادة
- تأملات في جغرافيا الروح وبوصلة الكيان
- حين تتحوّل المساواة إلى تهمة تأملات في الجرح الكوردي داخل جم ...
- كوردستان في مهبّ الخرائط: صمود الهوية أمام ميكافيلية المصالح ...
- حين تتحوّل الهوية إلى جسر لا إلى خندق
- تشرذم المرايا: صراع السيادة في مهب التحولات الكبرى
- حين تتكلم الحروب بلغة المساومة وتُخفي الخراب في ثوب السياسة
- حين يصمت الكورد… يتكلم الزمن باسمهم
- أفق الانعتاق ومخاض الكينونة: الكورد في مرايا الجغرافيا والقد ...
- الهوية الكوردية.. ركيزة الائتلاف لا عائق الاتحاد
- ما وراء الرموز المصطنعة: انبعاث الإرادة الحرة من أقبية الدول ...
- نار في شريان الحياة: محاسبة عصر
- تصفية القضية الكوردية بشعارات هلامية
- تراتيل الصحوة بين غسق الاستحمار وفجر النباهة
- بين ضجيج البيانات وصمت المقابر
- مَواثيقُ القِيامةِ: صَرخةُ الأرضِ في وَجهِ الرَّماد
- ميزان الروح في محكمة التراب والخلود
- فجر الذات الكوردية: في مديح الأرض ونقد الوهم الأيديولوجي
- ميثاق الوعي في زمن الإخضاع الهادئ
- تراجيديا الجدران: حين تخاف الخرائط زفير الأحرار


المزيد.....




- عقيدة التنكيل الإسرائيلية: من قمع أساطيل كسر الحصار إلى تعذي ...
- إسرائيل وعقيدة التنكيل.. من الأسرى إلى أساطيل كسر الحصار
- حملة تنكيل واسعة في القدس: عشرات الاعتقالات وإخطارات هدم وإغ ...
- الاتحاد الأوروبي يقترب من إقرار تعديلات في سياسة الهجرة تفتح ...
- شهادات مروعة لأطباء غزة: قصف واعتقال وتعذيب ممنهج يستهدف الك ...
- قصف واعتقال وتعذيب.. شهادات عن استهداف الاحتلال الطواقم الطب ...
- إيران بعد حرب الأربعين يوما.. اعتقالات وملاحقات تمتد من الشو ...
- هيومن رايتس ووتش: الاحتلال يواصل تقطيع شرايين الحياة في غزة ...
- رايتس ووتش: إسرائيل تقطّع شرايين الإغاثة بغزة وتواصل هجماتها ...
- إعدام واستيطان.. الضفة الغربية في قبضة -قانون الموت- الإسرائ ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - بوتان زيباري - الكورد بين هندسة الاحتواء ووعد الفجر