أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بوتان زيباري - تأملات في جغرافيا الروح وبوصلة الكيان














المزيد.....

تأملات في جغرافيا الروح وبوصلة الكيان


بوتان زيباري

الحوار المتمدن-العدد: 8706 - 2026 / 5 / 15 - 18:43
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تقف الذاكرة السياسية في فضاء الشرق على حافة هيكل خارجي، جسدٌ ممتد على خارطة رسمتها الحدود والأسوار، لكنه يفتقد النفخة التي تمنحه الحياة والخلود. إن الأزمة الجوهرية التي تعصف بوعينا المعاصر تنبع من فجوة عميقة بين شكل الكيان ومضمونه الفلسفي؛ إذ شُيدت المعاهدات والمؤسسات والشركات، بينما أُهمل الإنسان الذي هو غاية الوجود ومنطلق الحضارة. صِيغت القوانين والدساتير بحبر جاف لم يلامس وجدان الجماهير، فبقيت الكلمات نصوصاً باردة تعجز عن ردم فجوة الجفاء التاريخية بين الفرد وسدّة الحكم. تحول الوطن في هذا المشهد إلى مجرد سلطة تطالب بالخضوع المطلق، وصار العقد الاجتماعي غائباً، في حين أن جوهر السياسة الحقة يكمن في الشراكة الحرة، لا في ثنائية الحاكم والمحكوم التي تلغي إرادة الأمة.

إن هذا الغياب الطويل للميثاق الاجتماعي الحُر أنتج شروخاً بنيوية عميقة في جدار الوعي الجمعي؛ أولها تلك العزلة الشعورية التي جعلت المواطن يرى في مؤسسات بلاده كياناً غريباً وقاسياً، وليس بيتاً آمناً يلوذ به. كما تسبب في خلط معرفي خطير بين مفهوم الدولة الثابتة والنظام السياسي المتغير، فغدت الدولة في الأذهان شخصاً متقلب الأهواء يُرضيه التملق ويسخطه النقد، بدل أن تكون مظلة قانونية راسخة تتجاوز الوجوه والمراحل الزمنية. ومع كل هزة سياسية أو تحول في هرم السلطة، يعيش المجتمع زلزالاً مدمراً يهدد كيانه، نظراً لغياب البنية المؤسسية الحقيقية القادرة على امتصاص الأزمات وحماية الإنسان من تقلبات العواصف السياسية.

ولم تقف آثار هذا التغييب عند السياسة فحسب، بل امتدت لتخنق شرايين الحياة الاقتصادية؛ فالنمو الاقتصادي لا يستقيم دون بيئة تشريعية مستقرة، والأمن القانوني يظل وهماً ما لم يتربع القانون فوق الجميع دون استثناء. لقد تحول الاستثناء في واقعنا إلى قاعدة عامة، مما اغتال فكرة العدالة في مهدها. وترافق ذلك مع أزمة أشد فتكاً تمثلت في ضياع الهوية والبوصلة؛ إذ تاهت الكيانات بين الولاءات الفرعية، من عشائرية وطائفية وحزبية، دون الاتفاق على مفهوم ناصع للمواطنة، مما جعلها مجرد آلات إدارية تفتقر إلى أي مشروع حضاري ملهم.

لقد توّج هذا التيه بإنتاج فوبيا السلطة من الحرية، حيث ساد ذعر جماعي من النقد والمساءلة والصوت المختلف، في حين أن القوة الحقيقية لأي كيان تكمن في قدرته على استيعاب الأسئلة الصعبة وتوسيع مساحات الحوار المعرفي. ومع انشغال المجتمعات بإطفاء الأزمات اليومية والمعيشية، انطفأ الخيال السياسي وجفّ الحلم الجماعي بالمستقبل، لتختزل الصورة في أذهان الناس إلى مجرد جهاز خدماتي شحيح، يفقد بريق الفكرة المُلهمة.

إن الانعتاق من هذا المأزق التاريخي يتطلب صياغة ميثاق إنساني جديد، عقد تولد فيه سلطة عاقلة تحتضن مواطناً حراً وواعياً، تحت سيادة قانون عادل واقتصاد متوازن وهوية مرنة تفخر بالتنوع البشري. إننا بحاجة إلى كيان سياسي يحمل ضميراً حياً، يمنح الحقوق طوعاً دون استجداء، ويزرع الأمان في النفوس، لتتضح فيه أخيراً حدود الواجبات والمسؤوليات، وينطلق الإنسان نحو آفاق الإبداع والحرية.



#بوتان_زيباري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تتحوّل المساواة إلى تهمة تأملات في الجرح الكوردي داخل جم ...
- كوردستان في مهبّ الخرائط: صمود الهوية أمام ميكافيلية المصالح ...
- حين تتحوّل الهوية إلى جسر لا إلى خندق
- تشرذم المرايا: صراع السيادة في مهب التحولات الكبرى
- حين تتكلم الحروب بلغة المساومة وتُخفي الخراب في ثوب السياسة
- حين يصمت الكورد… يتكلم الزمن باسمهم
- أفق الانعتاق ومخاض الكينونة: الكورد في مرايا الجغرافيا والقد ...
- الهوية الكوردية.. ركيزة الائتلاف لا عائق الاتحاد
- ما وراء الرموز المصطنعة: انبعاث الإرادة الحرة من أقبية الدول ...
- نار في شريان الحياة: محاسبة عصر
- تصفية القضية الكوردية بشعارات هلامية
- تراتيل الصحوة بين غسق الاستحمار وفجر النباهة
- بين ضجيج البيانات وصمت المقابر
- مَواثيقُ القِيامةِ: صَرخةُ الأرضِ في وَجهِ الرَّماد
- ميزان الروح في محكمة التراب والخلود
- فجر الذات الكوردية: في مديح الأرض ونقد الوهم الأيديولوجي
- ميثاق الوعي في زمن الإخضاع الهادئ
- تراجيديا الجدران: حين تخاف الخرائط زفير الأحرار
- نداء الكرامة: بيان التحرر من صنميات الانكسار
- مرايا الحقيقة وانكسار موازين الروح


المزيد.....




- الاحتلال يجبر فلسطينية على هدم منزلها ويدمر منشآت تجارية بال ...
- خلافات تحت سقف التفاهم.. ماذا حققت قمة ترمب – شي في بكين؟
- استهداف -شبح القسام-.. كيف نفذت إسرائيل العملية وما دلالات ت ...
- واشنطن تعلن تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان
- إسرائيل تُعلن استهداف القائد العسكري الأبرز في -حماس- عز الد ...
- أمريكا تُعلن تمديد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لمدة 4 ...
- إسرائيل تعلن استهداف رئيس الجناح العسكري لحركة حماس في غزة، ...
- إسرائيل تعلن اغتيال قائد الجناح العسكري لحماس في غارة على غز ...
- هل عاد ترامب من قمته مع شي في بكين بخفي حنين؟
- من شقة الاختباء حتى القصف.. تفاصيل اغتيال الحداد


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بوتان زيباري - تأملات في جغرافيا الروح وبوصلة الكيان