أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - النكبة 78: محمود كلّم (أبو فهد)… رجُلٌ لم يُغادر أرضهُ














المزيد.....

النكبة 78: محمود كلّم (أبو فهد)… رجُلٌ لم يُغادر أرضهُ


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 13 - 18:35
المحور: القضية الفلسطينية
    


منذ عام 1948، لم تكن الحكاية مجرد حربٍ انتهت، ولا حدودٍ تغيّرت على الخرائط…
كانت اقتلاع شعبٍ كامل من ذاكرته الأولى.

منذ ذلك العام، بدأ التهجير القسري لمئات آلاف الفلسطينيين، يحملون مفاتيح بيوتهم على أمل أن تكون الغربة قصيرة، وأن العودة قريبة… لكن الأعوام تحولت إلى عقود، والوجع صار يُورّث كما تُورّث الأسماء.

ثمانية وسبعون عاماً مرّت على النكبة، وما زالت فلسطين تسكن القلب كأنها غابت بالأمس فقط.
وما زالت الحكايات تبدأ بعبارة: " كان إلنا دار..."

دارٌ بقي بابها مفتوحاً للغائبين، وشجرة زيتون تنتظر أصحابها، ونافذة لم تُغلق منذ خرج أهلها على عجل وهم يظنون أنهم سيعودون بعد أيام.

كبر الأبناء في المنافي وهم يحفظون أسماء القرى أكثر مما يحفظون أسماء الشوارع التي يعيشون فيها.
حيفا، يافا، عكا، القدس، الناصرة، نابلس، شعب، غزة… وعرب السّمنيّة.
أسماء ليست مجرد مدن، بل نبضٌ قديم يسكن الروح، كلما ذُكرت ارتجف القلب حنيناً.

في مخيمات اللجوء، لم يكن الفلسطيني يبحث فقط عن وطنٍ ضاع، بل عن طفولةٍ سُرقت، وعن أمٍّ دفنت حنينها في الدعاء، وعن جدٍّ مات وهو يوصي أبناءه:
“لا تنسوا الطريق إلى البيت.”

ثمانية وسبعون عاماً، وما زال المفتاح معلقاً على الجدار، لا كقطعة حديد، بل كشاهدٍ على حكاية لم تنتهِ.
وما زالت الجدّات يخبزن خبز الطابون وكأن أبناء القرية سيعودون مساءً، وما زال الأطفال يرسمون فلسطين كاملة، بلا حدودٍ ولا حواجز.

النكبة لم تكن يوماً مجرد ذكرى تُستعاد في يومٍ من السنة، بل جرحاً مفتوحاً في قلب كل فلسطيني.
ومع ذلك، لم يستطع المنفى أن يهزم الحنين، ولم تستطع السنوات أن تُطفئ صورة العودة.

فلسطين لم تغب…
هي تسكن في صوت الأذان العتيق، في رائحة الزعتر، في مواويل الجدات، وفي العيون التي تتجه دائماً نحو الجنوب حيث البيت الأول.

ورغم كل هذا الحزن، بقي الفلسطيني يؤمن أن للأرض أصحاباً لا تنساهم الأرض، وأن أرواح الشهداء ما زالت تحرس ترابها وتهمس للغائبين:
“ستعودون يوماً… ولو بعد حين.”

حكاية من وجع النكبة

جدي، محمود حسن صالح كلّم (أبو فهد)، كما رواها لنا والدي، لم يكن مجرد فلاحٍ يزرع الأرض…
بل كان عاشقاً لفلسطين حتى آخر نبضةٍ في قلبه.

كان يملك أراضي واسعة في أرض عشيرة عرب السّمنيّة، وكان كلما جمع شيئاً من المال، اشترى قطعة أرض جديدة ليزرعها.
لم يكن يرى التراب مجرد ملكية، بل كان يراه روحاً وانتماءً وامتداداً للعمر.

لكن حياة جدي لم تكن مليئة بخسارة الأرض وحدها…
بل سبقتها خسارات موجعة حفرت الألم عميقاً في قلبه.

فقد خسر ابنه البكر، الشهيد فهد، سنة 1945، ودُفن في مقبرة سُمح بأرض عشيرة عرب السّمنيّة.
وكان وقع الفاجعة ثقيلاً على قلبه، لكن المصيبة الأكبر لم تتأخر كثيراً، إذ جاءت بعدها بوقتٍ قصير، حين رحلت زوجته عليا الجمعة سنة 1947، ودُفنت في مقبرة جالين.

منذ ذلك اليوم، بقي جدي محمود (أبو فهد) وفياً لزوجته كما كان وفياً لأرضه، ولم يتزوج بعدها أبداً.
كأن قلبه اكتفى بما حمله من حبٍ وخسارة، وكأن فلسطين وعليا وفهد أصبحوا جميعاً حكايةً واحدة تسكن روحه.

ثم جاءت النكبة، فلجأ جدي مع ولده الوحيد إلى قرية الحنيّة في جنوب لبنان، قرب الحدود الفلسطينية.
لكن اللجوء لم يستطع أن يقطع خيط القلب بينه وبين أرضه.

كان يستيقظ كل صباح، يركب حماره، ويتجه نحو أرض عرب السّمنيّة، يبقى هناك حتى المساء، ثم يعود إلى الحنيّة.
كانت المسافة قصيرة…
لكنها كانت تفصل بين وطنٍ مسلوب وقلبٍ لم يغادره أبداً.

وحين أثقل المرض جسده، لم يتوقف عن الذهاب.
كان يصل إلى منطقة اللبونة، المقابلة لأرضه، يجلس ساعات طويلة يتأمل كروم التين والزيتون والعنب، كأنه يحادث أشجاره بصمت، وكأن الأشجار تعرف صاحبها وتنتظره.

ظلّ على هذه المنوال حتى رحيله عام 1966، ودُفن في مقبرة قرية الحنيّة، لكن روحه بقيت تحلّق فوق تلال عرب السّمنيّة، بين الزيتون والتين والعنب الذي أحبّه طوال حياته.

وبعد وفاته، بقي صديقه أبو الياس، من قرية إقرث، يأتي إلى أرض جدي ليعتني بالأشجار، يقلم أغصان التين والعنب، ويحفظ وصية الصداقة والأرض معاً.

ظل أبو الياس يخدم أرض صديقه محمود كلّم (أبو فهد) حتى صيف عام 2006، حين أصيب بنيرانٍ صديقة أثناء تبادل إطلاق النار على جانبي الحدود، فلحق بصديقه القديم…

ورحل الاثنان، وبقي حلم العودة معلقاً بين السماء والتراب، ينتظر أبناءه الذين ما زالوا يؤمنون أن للأرض أصحاباً لا تنساهم الأرض أبداً.

ثمانية وسبعون عاماً من الغياب…
لكن فلسطين ما زالت تُنادي في القلب:
سنعود... مهما طال ظلامُ الليل.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العالم الذي بكى على النفط... ونام على جوع غزة
- لا تركب القطار الخطأ لأنك مللت الانتظار! من أقوال «أبو الأفك ...
- وجع خلف القضبان: حين يموت الأسرى بصمت
- غزة… قصيدةُ ألمٍ تُكتبُ بالدّم
- العملاء وخيانة الأوطان: حين يتحوّل الإنسان إلى أداة ضد شعبه ...
- حين يُستهدف الأمل: حكاية -أبو الأمير- في غزة
- بين القضبان والصمت: حكاية الأسرى الذين ترويهم الجدران وينساه ...
- لكلِّ فرعون بحرٌ… والأسرى الفلسطينيون بين الألم والأمل
- الشيخ فرحان السعدي: شيخٌ أشعل الثورة ولم تُطفئه القيود
- مصطفى مراد الدباغ… من يوثّق الذاكرة حين يرحل حرّاسها؟
- -كم مرّة هزمتنا الخيانة دون قتال-… حين يصبح السقوط خياراً
- سعد صايل (أبو الوليد)… القائد الذي اغتاله الغدر ولم تُسقطه ا ...
- صباح الخير يا بيروت… المدينة التي لا تعرف الاستسلام
- التونسي فارس خالد… شهيد العلم الفلسطيني
- ليليانا السّمنيّة: رمز الجيل الجديد في الشتات الفلسطيني
- يموتُ الأَسرى وحدهُم… حين يموتُ الحُزنُ
- قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: مسار 11 عاماً في الكنيست
- بين زنازين القهر والموت وصمت العالم… حكاية شعبٍ لا يُهزم
- حين يُترك الأسرى وحدهم… بين حبال الموت وصمت العالم
- من سواد دجلة إِلى رماد غزة… حكايةُ علمٍ يُغتالُ


المزيد.....




- الإمارات تنفي ما يتم تداوله بشأن -زيارة نتنياهو أو استقبال و ...
- نتنياهو زار الإمارات سرا خلال الحرب مع إيران والتقى بن زايد ...
- سويسرا تبحث عن بديل أوروبي أو آسيوي لـ-باتريوت- الأمريكي
- طفل تونسي يتوج بطلا عالميا للحساب الذهني
- فرنسا تحقق في تدخل شركة إسرائيلية بالانتخابات المحلية
- مكتب نتنياهو يكشف قيامه بـ-زيارة سرية- إلى الإمارات خلال الح ...
- قرقاش: العلاقات العربية الإيرانية -لا يمكن أن تُبنى على المو ...
- ترامب يصل الصين في زيارة نادرة، وملفات التجارة وإيران وتايوا ...
- -لا ترقى الى المعايير الدولية-.. فولكر تورك يطالب إسرائيل بإ ...
- فنزويلا الولاية 51.. -أمريكا أولا- تتوسع نفطيا


المزيد.....

- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - النكبة 78: محمود كلّم (أبو فهد)… رجُلٌ لم يُغادر أرضهُ