محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)
الحوار المتمدن-العدد: 8664 - 2026 / 4 / 1 - 16:11
المحور:
القضية الفلسطينية
في لحظةٍ قاتمةٍ من تاريخ الصراع، تتكثّف المأساة الفلسطينية في صورةٍ أشدّ قسوة: أسرى مقيّدون خلف القضبان، يواجهون مصيراً غامضاً، وسط أنباءٍ عن تشريعاتٍ صادرة عن برلمان كيان الاحتلال، من شأنها تشديد العقوبات إلى حدّ الإعدام. وبين الأرقام التي تتردّد عن آلاف الأسرى الفلسطينيين، يتسلّل الخوف كظلٍّ ثقيل، لا يغادر قلوب الأمهات، ولا يغيب عن ذاكرة شعبٍ اعتاد أن يُمتحن بالصبر.
ليس جديداً على الفلسطيني أن يُترك وحيداً في الميدان؛ فمنذ عقود، تتكرّر المشاهد ذاتها: بيانات إدانة، صمتٌ دولي، وانشغالٌ عربي وإسلامي بخلافاتٍ داخليةٍ لا تنتهي. في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، يبدو أنّ القضايا الكبرى قد تراجعت أمام حسابات السياسة الضيّقة، حتى باتت معاناة الأسرى شأناً مؤجّلاً في سلّم الأولويات.
في الشارع العربي، تتصاعد المرارة: كيف يمكن لقضيةٍ كانت يوماً محور الإجماع أن تتراجع إلى هذا الحد؟ وكيف أصبح الانقسام، تحت عناوين طائفية مثل "سنّي" و"شيعي"، أكثر حضوراً من معاناة إنسانٍ يواجه الموت؟ أسئلةٌ موجعة تعكس حالةً من التيه الجماعي، حيث تضيع البوصلة، وتُستنزف الطاقات في صراعاتٍ جانبية.
أمّا العالم الذي طالما تغنّى بحقوق الإنسان، فيقف مرةً أخرى أمام اختبار الأخلاق؛ غير أنّ التجربة تُظهر أنّ المصالح كثيراً ما تتقدّم على المبادئ. فحين تتعارض القيم مع الحسابات السياسية، تميل الكفّة لصالح القوة، ويُترك الضعفاء لمصيرهم. هكذا يبدو المشهد اليوم: عالمٌ يرى ويسمع، لكنه يختار الصمت.
وفي خضمّ هذا كلّه، يبقى الأسرى الفلسطينيون في مواجهة قدرهم، بلا سندٍ حقيقي سوى إيمانهم وصبرهم، وقناعةٍ راسخةٍ بأنّ لهم رباً لا يغفل، ولا يترك المظلومين. هذه القناعة ليست هروباً من الواقع، بل تعبيرٌ عن آخر ما يملكه الإنسان حين تُغلق في وجهه كلّ الأبواب.
لم تكن هذه المرّة الأولى التي يُترك فيها الفلسطيني وحيداً؛ فقد تُرك من قبل يواجه الانتهاكات، وكأنّ قداسته لم تعد تكفي لتحريك الضمائر. وتُركت غزة وشعبها تحت الحصار والإبادة والنار، يصارعون الحياة في ظروفٍ لا تُحتمل، بينما يكتفي العالم بالمشاهدة.
إنّها سلسلةٌ متواصلةٌ من الخذلان، تتبدّل وجوهها، لكنّ جوهرها واحد: شعبٌ يطالب بحقّه في الحياة، ويُقابل بالصمت. ومع ذلك، لم تنكسر الحكاية؛ فبين جدران السجون، وفي أزقّة المخيمات المحاصرة، ما زال هناك من يتمسّك بالأمل، ولو كان خافتاً.
ربما يبدو المشهد مظلماً، وربما يطول الليل، لكنّ التاريخ يُعلّمنا أنّ الظلم، مهما اشتدّ، لا يدوم، وأنّ القضايا العادلة، وإن خذلها الجميع، تجد طريقها يوماً إلى النور.
حتى ذلك الحين، يبقى الأسرى ليسوا وحدهم… فهناك دعاء الأمهات، وذاكرة الشعوب، وعدالة السماء التي لا تغيب.
#محمود_كلّم (هاشتاغ)
Mahmoud_Kallam#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟