أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - سعد محمد عبدالله - السودان والساحل الإفريقي: أبعاد الحوار الإقليمي وفرص الشراكات الإستراتيجية















المزيد.....

السودان والساحل الإفريقي: أبعاد الحوار الإقليمي وفرص الشراكات الإستراتيجية


سعد محمد عبدالله
- شاعر وكاتب سياسي


الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 11:25
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


نتابع بعيون مبصرة وقلوب قلقة مجريات الأحداث السياسية والأمنية في الساحل الإفريقي، والتي فرضت على الفاعلين الإقليميين والدوليين ضرورة التحرك للبحث عن مقاربات جديدة لمعالجة الأزمات المتراكمة التي تعاني منها المنطقة منذ سنوات؛ إذ ظلت دول الساحل تواجه تحديات متشابكة تتعلق بالإرهاب والهجرة غير الشرعية والإنقلابات العسكرية وتراجع مؤسسات الدولة وضعف التنمية الإقتصادية، الأمر الذي جعل الحاجة ملحة لإطلاق حوار سياسي جاد بين المجموعة الإقتصادية لدول غرب أفريقيا «إيكواس» وتحالف دول الساحل الذي يضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو، خاصة بعد حالة القطيعة التي أعقبت إنسحاب هذه الدول من المنظمة الإقليمية مطلع العام 2025م، وهي خطوة ألقت بظلالها على مستقبل العمل الإقليمي المشترك في غرب أفريقيا، وقد تحدثنا كثيرًا فيما سبق عن أهمية الإنخراط في حوار سياسي موضوعي وعاجل بين الطرفين لإنهاء حالة التوتر السائدة وفتح صفحة جديدة قائمة على المصالح المشتركة والإحترام المتبادل، وتوجيه الأنظار نحو المستقبل، لأن إستمرار القطيعة لن يؤدي إلا إلى مزيد من التعقيد السياسي والأمني والإقتصادي، في وقت تحتاج فيه شعوب الساحل الإفريقي إلى توفير مناخ الإستقرار والتكامل والتعاون لمواجهة الأزمات المتفاقمة التي تهدد المنطقة برمتها، لا سيما بعد تلك الأحداث الدامية التي شهدتها مؤخرًا، والتي أكدت أن الإنقسام بين القوى الإقليمية لن يخدم سوى الجماعات المتطرفة والقوى الساعية إلى زعزعة الأمن والإستقرار ونهب الموارد وإضعاف فرص التنمية وهدم آمال بناء الدولة الوطنية في فضاء الساحل الإفريقي بأكمله.

هناك جهود جادة تُبذل لإحتواء الأزمة وتهيئة المناخ السياسي للحوار الموضوعي، حيث برزت الوساطة التي تقودها السنغال وتوغو باعتبارها واحدة من أهم المبادرات الرامية إلى تقريب وجهات النظر المتباينة بين «إيكواس» وتحالف دول الساحل؛ فقد حمل الإعلام أنباء عن مباحثات أجراها الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي مع كبير مفاوضي المجموعة الإقتصادية لدول غرب أفريقيا لدى التحالف، لانسانا كوياتي، حول سبل تسريع الوساطة وإنهاء حالة الجمود السياسي القائمة بين الجانبين، وهي خطوة تعكس إدراك دولتي السنغال وتوغو لأهمية الحفاظ على وحدة المنظومة الإقليمية وعدم السماح أبدًا بانهيار مؤسسات العمل المشترك في غرب أفريقيا، وقد جاء لقاء داكار ضمن جولة دبلوماسية يجريها كوياتي، الذي عُيّن مبعوثًا لـ«إيكواس» في مارس الماضي، قبل توجهه إلى مالي والنيجر وبوركينا فاسو، بعد مشاورات مكثفة أجراها في أبيدجان مع الرئيس الإيفواري الحسن واتارا، وذلك في محاولة لإيجاد أرضية تفاهم جديدة تقوم على مفهوم الحوار بدلًا من التصعيد السياسي والإعلامي الذي يعقد الأزمة أكثر فأكثر، وتكمن أهمية هذه التحركات في أنها ستعيد فتح قنوات الإتصال بين الأطراف المتباعدة، وتؤكد أن الحلول السياسية ما تزال ممكنة رغم تعقيدات المشهد وتباعد المواقف، كما أنها تعكس قناعة متزايدة لدى دول المنطقة بأن مسألة الإستقرار الإقليمي لا يمكن حلها بفرض الوصايا أو عبر العزلة والقطيعة، وإنما من خلال خيار التعاون وتبادل المصالح وبناء الثقة بين الحكومات والشعوب، خاصة في ظل التحديات الأمنية الخطيرة التي تهدد المنطقة بأسرها، وتفرض على الجميع العمل بروح المسؤولية والشراكة الإقليمية.

في خضم هذا المشهد الإقليمي المعقد، يبرز السودان باعتباره دولة محورية في معادلات القرن الإفريقي والساحل، لما يمتلكه من موقع جغرافي إستراتيجي وإمكانات سياسية وإقتصادية تجعل منه محورًا مهمًا في توازنات النفوذ الدولي والإقليمي، ولذلك لم يكن مستغربًا أن تتزايد التحركات الدولية تجاه الخرطوم في ظل التطورات السياسية والأمنية التي يشهدها السودان منذ إندلاع تلك الحرب الشعواء، وفي هذا السياق، سجل وفد من البرلمان الفرنسي زيارة مهمة إلى السودان، حيث عقد إجتماعًا مع الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الإنتقالي، برئاسة كريستوفر ماريو، وبحضور مني أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور، وتناول اللقاء مجمل الأوضاع السياسية والأمنية والإنسانية في البلاد، إضافة إلى جهود الحكومة في إستعادة الأمن والإستقرار، وقد إطلع الوفد الفرنسي على حجم الإنتهاكات والفظائع التي إرتكبتها مليشيا الدعم السريع بحق المدنيين، فضلًا عن عمليات التدمير الممنهج للبنى التحتية ومؤسسات الدولة والمرافق الحيوية، وهو ما دفع الوفد إلى التأكيد بحزم على أهمية الحفاظ على وحدة وسيادة السودان والعمل مع الشركاء الأوروبيين لدعم إستقراره السياسي والإنساني؛ كما برز توجه جديد داخل البرلمان الفرنسي لتقديم طلب رسمي يقضي بتصنيف مليشيا الدعم السريع منظمة إرهابية، بالنظر إلى الجرائم والإنتهاكات التي إرتكبتها بحق المدنيين، وهي خطوة تحمل دلالات سياسية وقانونية مهمة، وستجد مساحات معتبرة في حوارات السياسيين والإعلاميين السودانيين، ليس في السودان فحسب؛ إنما على مستوى فضاء القرن والساحل الإفريقي، فهي تعكس حجم التحول الكبير في المواقف الدولية تجاه الأزمة السودانية وتداعياتها الإقليمية والإنسانية.

من أرض السودان نتجه إلى العاصمة الكينية نيروبي، رغم بُعد المسافات وتباين المواقف السياسية؛ حيث إنعقدت أعمال قمة «أفريقيا إلى الأمام» بمشاركة أكثر من ثلاثين رئيس دولة وحكومة، إلى جانب العشرات من المندوبين ورجال الأعمال والمستثمرين وممثلي المؤسسات المالية الدولية وشركاء التنمية من أفريقيا وفرنسا ومختلف أنحاء العالم، في واحدة من أهم الفعاليات الإقتصادية والسياسية التي تستهدف تعزيز الشراكات الإستثمارية ودعم المسارات التنموية في القارة الإفريقية حسب ما أعلن عنه، وقد ركزت القمة على مناقشة وسائل إعادة بناء العلاقات بين الساحل الإفريقي وفرنسا وآليات تمويل التنمية والإستثمارات في القطاعات الإستراتيجية المرتبطة بالصناعة والتجارة وخلق فرص العمل وتحسين البنية التحتية وتعزيز التحول الإقتصادي، بمشاركة رؤساء تنفيذيين لكبرى الشركات الأفريقية والفرنسية، إضافة إلى الوكالة الفرنسية للتنمية والمؤسسات التمويلية الدولية، وإذا صدق التوقع فإن هذه القمة تمثل مؤشرًا واضحًا على التحول المتزايد في النظرة إلى أفريقيا باعتبارها فضاءً إقتصاديًا واعدًا يمتلك فرصًا كبيرة للنمو والإستثمار، خاصة في مجالات الطاقة والتعدين والزراعة والتكنولوجيا والبنية التحتية والصناعات الإبداعية بكل أنواعها؛ كما تُبيِن القمة إدراكًا دوليًا متناميًا بأن إستقرار القارة وتنميتها يمثلان ضرورة إستراتيجية للإقتصاد العالمي، وأن مسألة بناء شراكات متوازنة مع الدول الأفريقية أصبح أمرًا لا غنى عنه في ظل التغيرات الإقتصادية والسياسية الدولية الراهنة، وهو ما يمنح أفريقيا فرصة مهمة لإعادة صياغة موقعها في النظام الدولي الجديد على أسس أكثر عدالة وشراكة وتوازنًا.

على هذا المسار، يأتي منتدى الأعمال الذي يحمل عنوان «إلهام وتواصل» كأحد أبرز الفعاليات المصاحبة لتلك القمة، حيث تنظمه كل من بروباركو و«بي بي آي فرانس» و«بيزنس فرانس»، بهدف فتح بوابة حوار إستراتيجي حول مستقبل الشراكات الإقتصادية بين أفريقيا وفرنسا، وإستعراض المشاريع والمبادرات التي يقودها القطاع الخاص في الجانبين، بما في ذلك دعم ريادة الأعمال الأفريقية وتعزيز فرص الإستثمار ونقل التكنولوجيا، ويكتسب المنتدى أهمية خاصة في هذه القراءة لكونه يركز على خلق بيئة تعاون إقتصادي قائمة على المصالح المشتركة والتنمية، كما انها من أهم محاور تعزيز دور القطاع الخاص وتمكين الشباب ورواد الأعمال في القارة الأفريقية، ومن المتوقع أن يسهم المنتدى في تحفيز تدفقات الإستثمار والشراكات التجارية وفرص تمويل قطاعات مهمة ومتعددة تشمل مجالات الرياضة والصناعات الثقافية والإبداعية والتكنولوجيا والطاقة والتعدين، وهي قطاعات تمثل مستقبل الإقتصاد الأفريقي خلال السنوات المقبلة؛ وفي المجمل، فإن هذه التحركات السياسية والإقتصادية والدبلوماسية تؤكد بوضوح أن القارة الأفريقية تعيش مرحلة إعادة تموضع إقليمي ودولي تتطلب من دولها العمل على بناء شراكات أكثر وعيًا وفاعلية، وتغليب لغة الحوار والتعاون بدلًا من الصراعات والإنقسامات، لأن مستقبل أفريقيا لن يُبنى إلا عبر التكامل الإقليمي والتنمية والإستقرار السياسي وإحترام إرادة الشعوب في بناء دول قوية وقادرة على مواكبة التحولات الإقليمية والعالمية.



#سعد_محمد_عبدالله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة حول المتغيرات السياسية في السودان والقرن الإفريقي
- القارة الإفريقية: نحو رؤية موحدة للفكاك من مصائد الإستعمار ا ...
- إلى أين يتجه الصراع في القرن والساحل الإفريقي؟
- الإعلام السوداني والإفريقي: نحو بلورة رؤية جديدة تحقق الإصلا ...
- الساحل الإفريقي: من يجيب عن أسئلة السلام والإستقرار والتنمية ...
- الساحل الإفريقي بين الوحدة والإنفصال: قراءة تحليلية لأزمة ال ...
- السودان والخليج: جسور علاقات تاريخية تُمهد طريق العبور نحو ش ...
- أفريقيا في الطريق من التحرير والتغيير إلى التعمير والتطوير
- قراءة حول رؤية السودان في منتدى أنطاليا الدبلوماسي
- مؤتمر برلين خطوة العالم في الإتجاه الخطأ
- السودان بين دروس التاريخ وإمكانات العبور إلى المستقبل
- حين يقف الفيتوري على الحدود: قمة الساحل والصحراء وسؤال المست ...
- السودان وإفريقيا بين رهان السيادة وتحديات التدخل الدولي
- وداعًا الأمير مروان نقدالله
- رؤية السودان للسلام والعودة إلى الإتحاد الإفريقي
- السادس من أبريل: ذاكرة الميلاد وتأملات الحياة وفضاءات الآمال
- إبنة الأحلام
- وداعًا رفيقي محمد سليمان «أبو حبة»
- المسافة بين نظرة المستعمر للجرائم التاريخية والرؤية الإفريقي ...
- الإجابة على أسئلة العدالة للأفارقة في واقع العالم المعاصر


المزيد.....




- الإمارات: إدراج أفراد وكيانات -مرتبطة بحزب الله- في قائمة ال ...
- -الأقوى في العالم-.. بوتين يشيد بتجربة إطلاق روسيا لصاروخ با ...
- جدل بشأن -قاعدة إسرائيلية سرية- في العراق.. وبغداد تطلق عملي ...
- السودان والشرق الأوسط ومالي... أبرز الملفات التي تناولها ماك ...
- لا نصر ولا مخرج.. ترمب عالق في الفخ الإيراني
- أكثر من مجرد مسابقة.. ما أسباب اهتمام إسرائيل الشديد بمسابقة ...
- بدون الضغط على رابط أو رسالة.. كيف تراقبنا إسرائيل عبر شركات ...
- أسلحة تُستنزَف وأسئلة عن الشفافية.. كلفة حرب إيران تقفز إلى ...
- كازاخستان تطلق نظام قطار خفيف ذاتي القيادة بعد 10 سنوات من ا ...
- وزير الخارجية السوري ليورونيوز: نعم لاتفاق أمني مع إسرائيل و ...


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - سعد محمد عبدالله - السودان والساحل الإفريقي: أبعاد الحوار الإقليمي وفرص الشراكات الإستراتيجية