أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - سعد محمد عبدالله - قراءة حول المتغيرات السياسية في السودان والقرن الإفريقي















المزيد.....

قراءة حول المتغيرات السياسية في السودان والقرن الإفريقي


سعد محمد عبدالله
- شاعر وكاتب سياسي


الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 11 - 11:37
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


نقرأ على الصفحات الإعلامية في السودان والقرن الإفريقي جملةً من التحولات السياسية التي تعكس حجم التداخل بين الأزمات الداخلية والتوازنات الإقليمية والدولية، وهو ما يجعل من متابعة هذه التطورات ضرورة لفهم مساراتها وطبيعة المرحلة المقبلة في المنطقة، وفي هذا الإطار، جاءت زيارة القائد مالك عقار إلى جيبوتي للمشاركة في مراسم تنصيب الرئيس إسماعيل عمر جيله بعد فوزه في الإنتخابات الأخيرة، باعتبارها خطوة تحمل أبعادًا سياسية ودبلوماسية تتجاوز حدود البروتوكول الرسمي، وتأتي في ظل كثير من الإشكالات السياسية والأمنية والإقتصادية التي تحاصر دول المنطقة؛ فقد أصبحت جيبوتي تمثل مركزًا جيوسياسيًا بالغ الأهمية على خارطة القرن الإفريقي بموقعها الإستراتيجي المُطل على البحر الأحمر وباب المندب، إضافة إلى إمتلاكها بنيةً تحتية بحرية وتجارية متقدمة جعلتها محطةً أساسية للتجارة الدولية وحركة الملاحة العالمية؛ كما أن التنافس الإقليمي والدولي على توسيع مساحات النفوذ في البحر الأحمر منح جيبوتي مكانةً متقدمة في معادلات الأمن الإقليمي، الأمر الذي يُفسر الحضور المكثف لوسائل الإعلام المختلفة والفاعلين الإقليميين والدوليين في مراسم التنصيب؛ وبالنسبة للسودان، فإن هذه المشاركة تترجم رغبةً واضحة في إستعادة حضوره الإقليمي بعد فترة من الإضطراب السياسي الذي تسببت فيه الحرب الداخلية التي تشنها مليشيا الدعم السريع الإرهابية، والمدعومة من قوى إقليمية ودولية، كما تكشف عن إدراك متزايد لدى القيادة السودانية بأهمية الإنفتاح على دول الجوار الإقليمي، باعتبار أن معالجة الأزمة السودانية لن تتم بمعزل عن التفاهمات الإقليمية؛ فالتطورات الجارية في شريط القرن الإفريقي باتت مترابطة بصورة كبيرة، سواء من حيث الأمن أو الإقتصاد أو قضايا الهجرة والنزاعات المسلحة وتجاذبات العالم الخارجي، وبالتالي فإن أي تحرك سياسي سوداني تجاه الإقليم يجب أن يُقرأ ضمن رؤية أوسع تستهدف إعادة نسج شبكة العلاقات السياسية والدبلوماسية على أسس المصالح المشتركة والتعاون الإقليمي.

مع هذه الزيارة المهمة، برزت مؤشرات دقيقة تعكس بداية تحولات في طريقة تعاطي الأطراف الإقليمية مع الأزمة السودانية، حيث بدأ صوت السياسة والدبلوماسية يعلو على المشهد، خاصة بعد اللقاء الذي جمع السكرتير التنفيذي للهيئة الحكومية للتنمية «إيقاد» ورقني قبيهو بنائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار، لمناقشة القضايا المرتبطة بعودة السودان إلى المنظمة، وجهود إنهاء النزاعات وتعزيز فرص السلام والإستقرار؛ كما إكتسب الإجتماع المغلق الذي جمع الرئيس الجيبوتي إسماعيل جيله، ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، والقائد مالك عقار أهميةً خاصة، باعتباره يرسم ملامح حراك سياسي جديد يسعى إلى إعادة تنشيط قنوات الحوار بين الحكومات بعيدًا عن حالة الجمود والمزايدات التي سيطرت على المشهد منذ إندلاع الحرب في السودان، ويبدو أن الأطراف الإقليمية بدأت تدرك أن إستمرار النزاع في السودان ستكون له تداعيات وخيمة على أمن وإستقرار الإقليم بأكمله، خاصة في ظل تزايد حجم التحديات الأمنية والإقتصادية التي تواجه دول القرن الإفريقي، ومن هنا أصبح الحوار السياسي والدبلوماسي يمثل الخيار الأكثر واقعية لمعالجة الأزمة، بعد أن أثبتت التجارب أن مشاريع الهيمنة والإستقطاب، مهما بلغت درجات التشبث بها وتمويلها، لا يمكن أن تقود إلى إستقرار حقيقي أو تحقق مكاسب مستدامة للمستقبل؛ كما توحي التحركات الأخيرة بوجود رغبة إقليمية في إعادة السودان إلى محيطه الطبيعي باعتباره دولةً محورية في المنطقة، وليس مجرد ساحة للصراعات، وتكمن أهمية هذا التوجه في أنه يفتح الباب مشرعًا أمام إمكانية بناء مقاربة جديدة تقوم على التنسيق الإقليمي المشترك لمعالجة جذور الأزمة السودانية دون المساس بوحدته وسيادته وكرامة شعبه، ويشمل ذلك البحث عن وسائل لوقف الحرب، وإطلاق العملية السياسية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحقيق الحد الممكن من التوافق الوطني الذي يسمح باستعادة الإستقرار.

تحمل العلاقات السودانية الجيبوتية أبعادًا تاريخية وسياسية مهمة، إذ ظلت جيبوتي تلعب أدوارًا متوازنة في العديد من الملفات الإقليمية المتعلقة بالسودان، إنطلاقًا من موقعها الدبلوماسي المقبول لدى مختلف الأطراف، وقد إرتبط البلدان بعلاقات تعاون وثيقة في إطار قضايا البحر الأحمر ومنظمة «إيقاد» والتنسيق السياسي في ملفات الأمن الإقليمي، كما لعبت جيبوتي أدوارًا مهمة جدًا في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء السودانيين خلال مراحل مختلفة من تاريخ النزاعات السودانية، وهنا يُنظر إلى هذه العلاقات الوطيدة بوصفها نموذجًا للتعاون الإقليمي القائم على المصالح المشتركة والإحترام المتبادل، خاصة أن هذين البلدين يواجهان تحديات جمة ومتقاربة تتعلق بقضايا الأمن الإقليمي والإستقرار الإقتصادي وتأثيرات النزاعات العابرة للحدود، وفي ظل التحولات الراهنة في القرن الإفريقي، فإن فرص تطوير هذه العلاقة تبدو أكبر من أي وقت مضى، خصوصًا مع تزايد الحاجة إلى تشكيل شراكات إقتصادية وتجارية جديدة تسهم في تنشيط حركة التجارة والإستثمار وربط الموانئ والأسواق الإقليمية؛ كما يمتلك السودان إمكانيات إقتصادية وبشرية كبيرة يمكن أن تسهم في تعزيز التكامل الإقليمي في مختلف المجالات إذا ما توفرت الإرادة السياسية الحرة والإستقرار الداخلي، ومن جانب آخر، تمتلك جيبوتي خبرةً متقدمة جدًا في إدارة الموانئ والخدمات اللوجستية، وهذه الميزة تفتح المجال أمام تعاون إقتصادي واسع يمكن أن يحقق مكاسب هائلة للطرفين، ولا يقتصر الأمر على الجوانب الإقتصادية فقط، بل يمتد أيضًا إلى التبادل الثقافي والإجتماعي وتعزيز العلاقات الشعبية بين شعوب المنطقة، باعتبار أن الإستقرار الحقيقي لا يمكن تحقيقه عبر الإتفاقات السياسية وحدها، وإنما يحتاج كذلك إلى بناء جسور من الثقة والتعاون بين المجتمعات.

إن قراءة التطورات السياسية الجارية في السودان والقرن الإفريقي تقود إلى نتيجة أساسية مفادها أن المنطقة تقف أمام مرحلة جديدة تتطلب إعادة صياغة العلاقات الإقليمية وفق معايير أكثر واقعية ومرونة، بعيدًا عن سياسات الإستقطاب والصراعات التقليدية التي تُستخدم فيها أدوات الهيمنة لإضعاف دول الإقليم لعقود طويلة؛ فالحرب في السودان لم تعد مجرد شأن داخلي، بل تحولت إلى قضية تؤثر بصورة مباشرة على إستقرار القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وهو ما يُفسر تزايد الإهتمام الإقليمي والدولي بالبحث عن مداخل صحيحة للولوج إلى عمق الأزمة وإيجاد حل سياسي شامل بعد إستشعار خطورتها؛ كما تكشف التحركات الدبلوماسية الأخيرة عن إدراك متزايد لدى الحكومات بأهمية الحوار والتنسيق المشترك لمواجهة التحديات الأمنية والإقتصادية المتصاعدة؛ ولذلك، تبرز الحاجة إلى بلورة رؤية إستراتيجية شاملة تقوم على قواعد الحرية والسلام والإستقرار، وإعتماد منطق تعزيز التعاون الإقليمي في مجالات الأمن والتنمية والتجارة ومكافحة المخدرات وتجفيف بؤر النزاعات العابرة للحدود، مع التأكيد على ضرورة إحترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية؛ كذلك فإن السودان بحاجة ماسة إلى إنتهاج سياسة خارجية نشطة ومتوازنة تعيد بناء الثقة مع محيطه الإقليمي، وتستفيد من كل الفرص المتاحة لإعادة دمجه في المنظومات الإقليمية والدولية، لا سيما أن إستقراره اليوم يمثل عنصرًا أساسيًا لإستقرار القرن الإفريقي بأكمله، والعكس صحيح أيضًا؛ فأي إضطرابات في الإقليم ستنعكس بصورة مباشرة على السودان، ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب قدرًا كبيرًا من الحكمة السياسية، والقدرة على الحوار بنفس هادئ وعميق، وإدارة المصالح المشتركة بعقلانية تحقق التوازن بين الأمن والتنمية، وتفتح طريقًا واسعًا للعبور الآمن نحو مستقبل أكثر إستقرارًا للشعوب التي أنهكتها الحروب والأزمات والصراعات الممتدة.



#سعد_محمد_عبدالله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القارة الإفريقية: نحو رؤية موحدة للفكاك من مصائد الإستعمار ا ...
- إلى أين يتجه الصراع في القرن والساحل الإفريقي؟
- الإعلام السوداني والإفريقي: نحو بلورة رؤية جديدة تحقق الإصلا ...
- الساحل الإفريقي: من يجيب عن أسئلة السلام والإستقرار والتنمية ...
- الساحل الإفريقي بين الوحدة والإنفصال: قراءة تحليلية لأزمة ال ...
- السودان والخليج: جسور علاقات تاريخية تُمهد طريق العبور نحو ش ...
- أفريقيا في الطريق من التحرير والتغيير إلى التعمير والتطوير
- قراءة حول رؤية السودان في منتدى أنطاليا الدبلوماسي
- مؤتمر برلين خطوة العالم في الإتجاه الخطأ
- السودان بين دروس التاريخ وإمكانات العبور إلى المستقبل
- حين يقف الفيتوري على الحدود: قمة الساحل والصحراء وسؤال المست ...
- السودان وإفريقيا بين رهان السيادة وتحديات التدخل الدولي
- وداعًا الأمير مروان نقدالله
- رؤية السودان للسلام والعودة إلى الإتحاد الإفريقي
- السادس من أبريل: ذاكرة الميلاد وتأملات الحياة وفضاءات الآمال
- إبنة الأحلام
- وداعًا رفيقي محمد سليمان «أبو حبة»
- المسافة بين نظرة المستعمر للجرائم التاريخية والرؤية الإفريقي ...
- الإجابة على أسئلة العدالة للأفارقة في واقع العالم المعاصر
- نقد الحكومة من أجل إصلاح حالها وحال المجتمع


المزيد.....




- زوجة خليل الحية تروي قصة فقدها 4 أولاد و5 أحفاد بنيران الاحت ...
- وزراء دفاع 40 دولة يبحثون تأمين الملاحة بمضيق هرمز
- -بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي ...
- -وداعا للسفن السريعة-.. ترمب يثير الجدل بصور هجومية ضد إيران ...
- 112 دولة تدعم مشروع قرار أمريكي خليجي في مجلس الأمن بشأن مضي ...
- الشيخ محمد بن زايد يتلقى اتصالا هاتفيا من ترامب
- رئيس دولة الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
- بولس: لا حل عسكريا للأزمة في السودان
- تقييم إسرائيلي: خياران أمام ترامب للتعامل مع إيران
- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - سعد محمد عبدالله - قراءة حول المتغيرات السياسية في السودان والقرن الإفريقي