أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - أحمد سليمان - حق التظاهر: بين الاعتراف الشكلي والتقييد العملي














المزيد.....

حق التظاهر: بين الاعتراف الشكلي والتقييد العملي


أحمد سليمان
شاعر وباحث في قضايا الديمقراطية

(Ahmad Sleiman:poet And Writer On Democratic Issues)


الحوار المتمدن-العدد: 8698 - 2026 / 5 / 5 - 19:40
المحور: المجتمع المدني
    


في أي نظام قانوني، لا يُقاس احترام الحريات بما يُكتب في النصوص، بل بما يُتاح فعليًا في الواقع. من هذا المنطلق، يثير البلاغ الأخير الصادر عن وزارة الداخلية في سوريا بشأن تنظيم التظاهر السلمي سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام تنظيم لحق قائم، أم إعادة تعريف له بشكل يجعله خاضعًا لموافقة السلطة؟

ينطلق البلاغ من تأكيد دستوري على حماية حرية التظاهر، وهي نقطة تُحسب له من حيث الشكل. غير أن هذا الاعتراف يتراجع سريعًا عند الدخول في التفاصيل الإجرائية، حيث يتحول الحق إلى مسار إداري مشروط بترخيص مسبق. هنا تحديدًا تكمن الإشكالية: فحين يصبح التظاهر مرتبطًا بقرار جهة إدارية، ينتقل من كونه حقًا أصيلًا إلى نشاط مرهون بالإذن.

هذا التحول لا يمكن اعتباره مسألة تنظيمية فحسب. فالفارق بين “الإخطار” و”الترخيص” ليس لغويًا، بل يعكس فلسفتين مختلفتين: الأولى تفترض أن الحق قائم ويحتاج إلى تنظيم، بينما الثانية تفترض أن المنع هو الأصل، والسماح هو الاستثناء. وبالنتيجة، يصبح الباب مفتوحًا أمام رفض الطلبات دون وجود معايير دقيقة وملزمة.

يزداد هذا الإشكال وضوحًا مع استخدام مفاهيم عامة مثل “النظام العام”، دون تعريف محدد لها. مثل هذه العبارات، في غياب ضبط قانوني واضح، تمنح الإدارة مساحة واسعة للتأويل، ما يجعل القرار النهائي أقرب إلى التقدير منه إلى التطبيق الموضوعي للقانون، ويضعف من قابلية التنبؤ القانوني.

ولا يقتصر الأمر على مرحلة الترخيص، بل يمتد إلى ما بعدها. فالبلاغ يمنح وزارة الداخلية صلاحية إنهاء المظاهرة في حال رأت أنها تجاوزت شروط الترخيص أو أخلّت بالنظام. الإشكالية هنا أن الجهة التي تمنح الإذن هي نفسها التي تقرر سحبه، دون وجود آلية رقابة فورية ومستقلة، ما يخلّ بالتوازن المطلوب بين سلطة الدولة وحقوق الأفراد.

مسؤولية المنظمين وحدودها:

ومن النقاط الأكثر إثارة للجدل تحميل الجهة المنظمة مسؤولية “منع كل قول أو فعل مخالف”. هذا الالتزام، بصيغته الحالية، يتجاوز حدود المعقول عمليًا، إذ لا يمكن لأي جهة منظمة أن تضمن السيطرة الكاملة على سلوك جميع المشاركين. وبهذا، يمكن لأي تصرف فردي أن يتحول إلى مبرر قانوني لإنهاء المظاهرة أو مساءلة منظميها، وهو ما يخلق أثرًا ردعيًا واضحًا.

أما النص الذي يعتبر أي تجمع غير مرخص من قبيل “الشغب”، فيؤدي عمليًا إلى إلغاء التظاهرات العفوية، التي تشكل أحد أهم أشكال التعبير المباشر في المجال العام، خاصة في الحالات الطارئة. وبدل استيعاب هذا النوع من التجمعات ضمن إطار قانوني مرن، يتم وضعه ضمن دائرة التجريم، ما يحدّ من ديناميكية الفضاء العام.

مقاربات إقليمية وسياق أوسع:

لا تبدو هذه الإشكاليات معزولة عن السياق الإقليمي، إلا أن المقارنة مع دول قريبة تُظهر فارقًا في المقاربة القانونية. ففي لبنان، ورغم هشاشة الإطار المؤسسي، تُمارس التظاهرات بقدر أعلى من الحرية الفعلية، بما في ذلك التجمعات العفوية. أما في تركيا، فالقانون يقوم نظريًا على مبدأ الإخطار، وإن كانت الممارسة تشهد قيودًا متكررة تحت ذرائع أمنية. في الحالتين، ورغم ما يعتريهما من نواقص، يبقى الأصل القانوني هو إتاحة التظاهر، لا اشتراط الإذن المسبق، وهو ما يبرز الفارق الجوهري مع المقاربة التي تجعل ممارسة هذا الحق مرهونة بقرار إداري مسبق.

ولا يمكن فصل تنظيم حق التظاهر عن السياق الأوسع للفضاء العام، إذ إن غياب قانون واضح ينظم عمل الأحزاب السياسية، وبطء تفعيل الأدوار التشريعية والرقابية لمجلس الشعب، إلى جانب تداخل أدوار غير مدنية في بعض مجالات الحياة العامة، يجعل من تنظيم التظاهر ليس مجرد إجراء تقني، بل جزءًا من رسم حدود مسبقة لممارسة العمل المدني برمته. وهو ما يعزز الانطباع بأن تنظيم الحق لا ينفصل عن طبيعة البيئة السياسية التي يُمارس فيها.

في المحصلة، لا يكمن الخلل في وجود إطار قانوني ينظم التظاهر، فذلك أمر مشروع وضروري. إنما الإشكالية في طبيعة هذا الإطار وحدوده. فحين تُصاغ القواعد بطريقة تجعل ممارسة الحق مرهونة بالموافقة المسبقة، وقابلة للتقييد الواسع، فإن التنظيم يتحول إلى أداة ضبط، لا إلى وسيلة حماية.

الحق الذي يحتاج إذنًا مسبقًا يفقد جوهره، ويصبح أقرب إلى امتياز قابل للسحب في أي لحظة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل تحتاج سوريا إلى مطار دولي واحد أم شبكة مطارات؟
- اعترافات أمجد يوسف: هل يُراد اختزال مجزرة التضامن في “فاعل م ...
- بين التسويات الغامضة وإعادة إنتاج الإفلات من العقاب: قضية عص ...
- الهجرة الدائرية في سوريا: عودة بلا ضمانات في ظل بيئة سياسية ...
- هل تتحول المصالحة إلى محاكمة مجتمعية؟ هل تتحول المصالحة إلى ...
- هل يتحول “تنظيم التصدير” إلى بوابة للاحتكار؟
- عزيزي السيد توماس باراك، إذا كانت فكرة “الممالك” صالحة، فلتُ ...
- ازدواجية السلطة وأسئلة الشارع السوري
- سوريا: حرية التعبير المضمونة تم سحقها
- بين “أول برلمان لسوريا الحرة” وواقع التشكيل: أي تمثيل نتحدث ...
- سوريا بين خطابين: سلطة تبني وأخرى تهدم
- دمشق: حضارة تعانق الأزمنة
- بين سقف الشروط وحدود القوة: هل نحن أمام تسوية أم استراحة محا ...
- قضية حسين هرموش تعود للواجهة: تطورات جديدة وتهديدات مقلقة
- من يملك الحق في فرض نمط حياة على المجتمع؟
- سوريا وبرلين: زيارة استراتيجية في توقيت حرج
- أحمد قعبور رفيق النضال التحرري… صوت «أناديكم» سيظل حاضرًا
- وظائف اتحاد الكتّاب بين الشكلية وغياب المعايير الواضحة
- هل نحن أمام تنظيم قانوني حديث، أم إعادة تدوير قوانين قديمة ؟
- أحد الحريات: من الاحتجاج إلى ترسيخ الحق الدستوري


المزيد.....




- الأمم المتحدة: -إسرائيل- تقتل طفلاً فلسطينياً كل أسبوع في ال ...
- برعاية الأمم المتحدة.. لجنة 4+4 الليبية تعقد اجتماعها الثاني ...
- العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش تحذران من تضييق غير مسبوق عل ...
- القمة الفرنسية الأفريقية المشتركة -أفريقيا إلى الأمام-... آف ...
- 78 عامًا على النكبة.. الفلسطينيون يستحضرون ذاكرة التهجير بمس ...
- الكويت: اعتقال 4 من الحرس الثوري الإيراني -حاولوا التسلل- إل ...
- يونيسف: هجمات المستوطنين الإسرائيليين تهدد سلامة الأطفال الف ...
- العفو الدولية تتهم اتحاد البث الأوروبي بالجبن تجاه جرائم إسر ...
- الأمم المتحدة: 880 قتيلا مدنيا على الأقل بالمسيّرات منذ بداي ...
- مناقشات خليجية بريطانية لتذليل المعوقات المتعلقة باتفاقية ال ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - أحمد سليمان - حق التظاهر: بين الاعتراف الشكلي والتقييد العملي