أحمد سليمان
شاعر وباحث في قضايا الديمقراطية
(Ahmad Sleiman:poet And Writer On Democratic Issues)
الحوار المتمدن-العدد: 8683 - 2026 / 4 / 20 - 20:27
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في لحظةٍ يحتاج فيها الاقتصاد السوري إلى توسيع منافذه لا تضييقها، يأتي قرار إنشاء “السجل الوطني للتصدير” بواجهةٍ تنظيمية واعدة: ضبط الجودة، تسهيل الإجراءات، ودعم المنتج المحلي. غير أن التجربة في بيئات مشابهة تدفع إلى قراءةٍ أكثر حذرًا: فبين النص والتطبيق، قد تنقلب الأداة من وسيلة دعم إلى بوابة احتكار.
جوهر القرار بسيط: لا تصدير دون تسجيل واعتماد. أي أن الدولة—عبر جهة محددة—تملك صلاحية القبول والرفض. هنا يبدأ القلق المشروع. فحين تتحول جهة التنظيم إلى “حارس بوابة”، يصبح من حقّ السوق أن يسأل: وفق أي معايير تُفتح الأبواب، ولمن تُغلق؟
الخطر الأول يتمثل في تضخم البيروقراطية. طبقة إضافية من الإجراءات تعني وقتًا أطول وتكلفة أعلى، في اقتصادٍ لا يحتمل مزيدًا من التعقيد. التصدير نشاط يعتمد على السرعة والمرونة، وأي تأخير يتحول مباشرة إلى خسارة فرص وأسواق.
لكن الأخطر من البطء هو ما قد ينمو في ظله. حين تتسع سلطة التقدير الإداري دون شفافية صارمة، تُفتح ثغرات للمحسوبية. في هذه اللحظة، يتبدل السؤال من “هل أنت مؤهل؟” إلى “هل لديك نفوذ؟”. وهنا تحديدًا يبرز احتمال الاحتكار: طبقة محدودة من رجال الأعمال، متحالفة مع بؤر فساد، قادرة على الإمساك بمفاتيح التصدير، فتتحول السوق من فضاء مفتوح إلى نادٍ مغلق.
هذا السيناريو لا يضر بالعدالة فحسب، بل يضرب جوهر الاقتصاد. تقييد عدد المصدرين يعني تقليص المنافسة، وخفض الجودة على المدى الطويل، وإضعاف القدرة على اقتحام الأسواق الخارجية. والأسوأ أنه يُقصي صغار المنتجين—وهم غالبًا الأكثر حاجة لفرص التصدير—ليبقى المجال حكرًا على من يملكون الوصول لا الكفاءة.
إلى جانب ذلك، تبرز كلفة مالية إضافية عبر رسوم التسجيل والإجراءات. في ظروف طبيعية قد تبدو هذه الرسوم هامشية، لكنها في اقتصادٍ هش قد تكون الفارق بين الربح والخسارة. كل عبء جديد يُضاف إلى كاهل المنتج، ينعكس مباشرة على قدرته التنافسية في الخارج.
لا يعني ذلك أن فكرة تنظيم التصدير بحد ذاتها مرفوضة. على العكس، معظم دول العالم تعتمد أنظمة تسجيل وتعريف للمصدرين. لكن الفارق الحاسم يكمن في الفلسفة والتطبيق. في الاقتصادات المتقدمة، التسجيل إجراء تقني سريع وشفاف، هدفه التسهيل لا الإقصاء. لا يُستخدم كأداة انتقاء، بل كمنصة دعم تضمن الامتثال للمعايير وتفتح الأبواب بدل إغلاقها.
المسألة إذن ليست في وجود السجل، بل في طبيعته: هل هو قاعدة بيانات لخدمة السوق، أم بوابة عبور يتحكم بها القليلون؟ هل يُبنى على معايير واضحة قابلة للطعن، أم على تقديرات فضفاضة تُدار خلف الأبواب المغلقة؟
إن الإجابة عن سؤال العنوان لن تأتي من نص القرار، بل من طريقة تطبيقه. فإما أن يتحول إلى أداة دعم حقيقية تُحرّر طاقات التصدير، أو ينزلق - كما حدث في تجارب عديدة - ليصبح مدخلًا جديدًا لاحتكارٍ مقنّع.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟