أحمد سليمان
شاعر وكاتب في قضايا الديمقراطية
(Ahmad Sleiman:poet And Writer On Democratic Issues)
الحوار المتمدن-العدد: 8644 - 2026 / 3 / 12 - 23:46
المحور:
الارهاب, الحرب والسلام
تشهد محافظة الرقة أزمة غير مسبوقة في عملية تشكيل الهيئة الناخبة لمجلس الشعب، تعكس حجم الإخفاق في إدارة الانتخابات بعد سنوات من النزاع والاحتلال الجزئي للمدينة. ما يجري في الرقة ليس مجرد خلاف على أرقام أو أسماء، بل هو صدام بين مجتمع مدني طالب بالتمثيل الحقيقي وبين منظومة سياسية ما زالت تحكمها الولاءات والمحسوبيات.
بدأت الاحتجاجات مع إعلان القوائم الأولية للهيئة الناخبة، التي ضمت عدداً أكبر من السقف القانوني وأسماء مرتبطة بشبكات ولاء عائلية وسياسية، بينما استُبعدت شخصيات ثورية ومدنية بارزة. هذه الإجراءات أثارت موجة غضب واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، وانطلقت بعدها أولى الانسحابات من أعضاء الهيئة احتجاجاً على ما وصفوه بـ«غياب الشفافية والنزاهة» و«الفساد المستشري في عملية الاختيار».
وتضاعفت وتيرة الانسحابات البارحة بشكل واضح، بعد القرار المثير للجدل بتعيين سيبان حمو في منصب حكومي. هذا الاسم مرتبط تاريخياً بمليشيا «قسد»، ووجهت إليه اتهامات بالمشاركة في جرائم حرب، بالإضافة إلى موقفه المعروف بالدعوة للانفصال عن الدولة السورية. قرار كهذا لم يكن مجرد خطوة إدارية، بل رسالة واضحة للمجتمع المحلي مفادها أن الولاءات تتفوق على الكفاءة والتمثيل الشعبي، وأن الشخصيات المرتبطة بالنزاع يمكن أن تترقى إلى المناصب بينما تُهمش القوى المدنية والثورية.
رد الفعل الشعبي لم يتأخر. فقد خرجت البارحة مظاهرة شارك فيها المئات من شخصيات مدنية واجتماعية ونشطاء، رفضاً لقرار تعيين سيبان حمو، واحتجاجاً على منهجية الإقصاء والفساد الذي يهيمن على العملية الانتخابية في المحافظة. المظاهرة تعكس غضباً مجتمعياً عميقاً، ليس ضد شخص معين فقط، بل ضد ثقافة سياسية ترى في المؤسسات العامة وسيلة لإعادة إنتاج الولاءات وتهميش الفاعلين الحقيقيين.
ما يجري في الرقة اليوم يشير إلى أزمة أعمق من مجرد انتخابات. إنه اختبار لقدرة الدولة على بناء مؤسسات تمثيلية قادرة على استعادة الثقة بين المواطنين وإشراكهم في صنع القرار. المجتمعات التي خرجت لتوها من صراع مسلح تحتاج إلى مصالحة مع ذاتها عبر العدالة والمساءلة، وليس عبر إعادة تدوير الشخصيات المثيرة للجدل أو فرض الولاءات على حساب الكفاءة والنزاهة.
إذا استمرت هذه المنهجية، ستظل أي عملية سياسية هشّة، وستبقى الانسحابات والاحتجاجات مرآة لصراع أوسع على الثقة والتمثيل، وسيظل المجتمع المحلي رهينة لأجندات سياسية قد تعيد إنتاج نفس المشكلات القديمة التي طالما أثقلت كاهله.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟