أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - أحمد سليمان - مدينة تؤازر إخوتها… الرقة














المزيد.....

مدينة تؤازر إخوتها… الرقة


أحمد سليمان
شاعر وكاتب في قضايا الديمقراطية

(Ahmad Sleiman:poet And Writer On Democratic Issues)


الحوار المتمدن-العدد: 8620 - 2026 / 2 / 16 - 00:12
المحور: حقوق الانسان
    


وأنا أتابع أخبار المنكوبين في المخيمات جرّاء عوامل الطقس، والهَبّة الإنسانية التي خرجت من أهالي الرقة، ولا سيما فزعتهم لمخيمات إدلب الغارقة، وجدت نفسي أمام سلسلة من المشاهد التي تعرّض لها أهل هذه المدينة من ظلمٍ وجور.
أول مدينة سقط فيها قرابة ستين شهيدًا في يوم واحد جرّاء قصف منظّم من طائرات الأسد، وأول شهيد مات وهو يحاول رفع علم الثورة كان الشاب علي البابنسي، الذي سقط برصاص النظام وهو يرفع راية الحرية في وجه القمع.
أول مدينة تحرّرت من النظام، وسبق لها أن انتفضت ضد بشار الأسد ورمته بالبيض، فكان عقابها منظّمًا عبر السماح لداعش ببسط سيطرتها تحت مرأى جيش الأسد، وراحوا يُصلبون ويقطعون رؤوس شبابها بلا أي رادع دولي.
أول مدينة أُهمِلت بعد احتلالها من قبل ميليشيا وافدة حفرت أنفاقًا تمتد من شمالها إلى جنوبها، وزجّت بشبابها ونسائها في السجون، متهمةً إياهم بـ“الدواعش” لمجرد رفضهم الانضمام إليها.

حضارات قديمة تركت بصماتها على هذه المدينة: الآشوريون والبابليون، الرومان والبيزنطيون، العرب في العصر الأموي والعباسي، وصولًا إلى العثمانيين، جميعهم مروا على الرقة وخلّفوا إرثًا معماريًا وثقافيًا غنيًا. سورها العظيم يحمي قلب المدينة، ويتوسطه جامع قديم بمئذنة باسقة، شاهدة على عصور من التاريخ والحضارة. الرقة التي تتوسطها باب بغداد التاريخي، وقصر البنات الأثري الذي يروي قصص النبلاء والحضارات المتعاقبة، والرقة التي شهدت على الجسر الطويل الذي دمّره من يسمون أنفسهم "أخوة الشعوب"، تاركين خلفهم ألغامًا مزروعة بين البيوت وأنفاقًا تهدد أجزاء من المدينة بالانهيار.حضارات قديمة تركت بصماتها على هذه المدينة: الآشوريون والبابليون، الرومان والبيزنطيون، العرب في العصر الأموي والعباسي، وصولًا إلى العثمانيين، جميعهم مروا على الرقة وخلّفوا إرثًا معماريًا وثقافيًا غنيًا. سورها العظيم يحمي قلب المدينة، ويتوسطه جامع قديم بمئذنة باسقة شاهدة على عصور من التاريخ والحضارة، فيما ينساب نهر الفرات بمحاذاة كتفها، شريانًا للحياة وذاكرةً لا تنضب. الرقة التي تتوسطها باب بغداد التاريخي، وقصر البنات الأثري الذي يروي قصص النبلاء والحضارات المتعاقبة، والرقة التي شهدت على الجسر الطويل الذي دمّره من يسمون أنفسهم "أخوة الشعوب"، تاركين خلفهم ألغامًا مزروعة بين البيوت وأنفاقًا تهدد أجزاء من المدينة بالانهيار.

وأنا أتفكر في بعض هذه المرويات، أيقنت أن مدينة مثل الرقة، جمعت إرثًا طويلًا من الحضارات العريقة، وجدت نفسها تكابر على جراحها وبيوتها المدمرة، لتفتح ذراعيها لإخوتها من قرى وبلدات، وللمهجّرين في المخيمات الذين جرفتها مياه الأمطار، لتبقى دائمًا مدينة الحياة والصمود، شاهدة على إرثها الكبير، ومصدر إلهام لكل من يعرف معنى أن تنبع طيبة المدينة في وجه الخراب.
هذه الفزعة، على عظمتها، تطرح سؤالًا لا يجوز القفز عنه: إذا راجعنا المشاريع الاقتصادية الضخمة التي يُكثر المسؤولون من الحديث عنها، سنجد أن ملف المخيمات والمهجّرين شبه غائب عن سلّم الأولويات. إن استمرار هذا الملف مفتوحًا بهذا الشكل ليس قدرًا، بل نتيجة تقصير إداري واضح، ويؤكد أن إنهاء ملف المخيمات وإغلاقه جذريًا يجب أن يكون أولوية وطنية عاجلة لا تقبل التأجيل.

الرقة لا تصلح للمحو؛ عصية على نسيان أهلها في المدن التي تعاني النكبات، فكانت الأم التي تحتضن من يلجأ إليها، والسند الداعم لأي عائلة تحتاج العون. قبل دخول أوباش داعش وبقية مجاهدي الارتزاق، قفز عدد سكانها من 800 ألف إلى مليون ونصف بسبب استضافتها عوائل هاربة من جحيم الموت الذي استهدف مدنًا سورية. هذه المقولة ليست لي، وإنما للدكتور إسماعيل الحامض، وأكدها المحامي عبد الله الخليل، وكلاهما اختفيا بين ما قيل إنه تمت تصفيتهما على يد جنود الأسد وبين ما أشيع عن خطفهم من قبل ملثمين تابعين لما أسميه بالجهاد الأحمق.
هذه الرقة، يمكنني القول، قلبت مقولة “ميت لا يحمل ميت”. نهضت بحبٍّ من وسط الدمار والموت، لتمدّ يدها للسوريين الذين يغرقون في المخيمات، وكانت فزعتها لمخيمات إدلب الغارقة شاهدًا جديدًا على أن المدن الحيّة لا تموت مهما أنهكها الخراب.
إنها الرقة التي يجب أن تُكرَّم كمدينة منكوبة، وأن يُبدأ بدعم بنيتها التحتية التي دمّرتها طائرات التحالف أثناء قصفها إرهاب داعش. الرقة ستكون في حالٍ أفضل، وستقدّم العون بشكلٍ أوسع إذا أُعيد ترميمها.

الرقة التي غادرتها وأنا في الرابعة عشرة من عمري، لأعود إليها ثم أُعتقل بسبب منشورات مكتوبة بخط اليد. الرقة التي غادرتها إلى دمشق أولًا، ثم أقمت في بيروت، في الوقت الذي كانت فيه طائرات الأسد تقصف قصر بعبدا وشرق بيروت، وحين كان ميشال عون يحتمي في السفارة الفرنسية خشية الموت على أيدي من دمروا بلدي.
شكرًا للرقة التي نهلت من طيبها في أول طفولتي وأول يفاعتي.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- موقف شعبي في مصر ضد حالة عنصرية بحق عائلة سورية
- أسطورة التحرير الوهمي والاستعصاء الميليشيوي: الوظيفة انتهت
- دولة المواطنة تمنح الخصوصية للجميع: لا امتياز منفرد ولا سلاح ...
- الهندسة السياسية: قراءة في إدارة ما بعد الحرب في سوريا
- الإتفاق غير مطمئن: ترتيب أمني مع مليشيا مزدوجة المهام وحدود ...
- اتحاد الكتّاب بين الشرط المهني وسلطة الوصاية
- ما بعد الحرب في سوريا: السيادة، الموارد، الأمن المجتمعي، وال ...
- سوريا تلغي آثار إحصاء 1962 وتمنح الجنسية للسوريين من أصول كر ...
- الأطفال في سجون قسد: حين يتحوّل الأمن إلى جريمة مكتملة الأرك ...
- الحرب الليزرية الأولى
- قضية غرينلاند: السيادة في زمن المال والقطب المتحوّل
- من محاربة داعش إلى انهيار قسد وانكشاف مشروع PKK
- ثقافة التنكيل: لسنا في بلادٍ متخيَّلة كي نبتسم
- بخصوص ما يُشاع عن مجزرة: أين صور الجثث؟ وأين الوثائق؟
- انتصارات ناعمة أرادوها دموية: حين تُفرَّغ الاتفاقات من معناه ...
- التركمان واللحظة الدستورية: المرسوم 13 يفتح باب العقد الوطني ...
- حين يسقط قناع “تحرير المرأة”: شهادة دولية تفضح خطاباً مزدوجا ...
- تحول تاريخي: الاعتراف الرسمي بحقوق الكرد السوريين وإعادة تعر ...
- احتمالات ما بعد الضربة الأميركية: نظام أكثر شراسة ما لم توجد ...
- العنف المتبادل… تجنيد القاصرات كأداة حرب


المزيد.....




- نادي الأسير يندد بـ -استعراضات التنكيل- الإسرائيلية بحق المع ...
- تحرك برلماني بعد إلغاء فعالية -الناصرية تقرأ- واعتقال منظمها ...
- نادي الأسير يدين -استعراضات الانتقام- الإسرائيلية من الأسرى ...
- الأمم المتحدة: مغادرة عدد كبير من سكان مخيم الهول وسوريا تخط ...
- مصدر مطلع للعالم: الامريكيون لم يطرحوا موضوع حقوق الانسان لا ...
- إيران تعلن إحباط تهريب شحنة أسلحة ثقيلة واعتقال المتورطين
- قوات حرس الحدود في ايران: إحباط عملية تهريب شحنة أسلحة ثقيلة ...
- -عسكرة الذكاء الاصطناعي- تشعل منصات التواصل بعد تقارير عن اس ...
- حماس: مجزرة خيام النازحين رسالة دموية لتقويض -مجلس السلام- ا ...
- -لمّا يموت نادوني-.. 22 ألف حالة اعتقال بالضفة خلال حرب الإب ...


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - أحمد سليمان - مدينة تؤازر إخوتها… الرقة