أحمد سليمان
شاعر وكاتب في قضايا الديمقراطية
(Ahmad Sleiman:poet And Writer On Democratic Issues)
الحوار المتمدن-العدد: 8672 - 2026 / 4 / 9 - 00:49
المحور:
قضايا ثقافية
دمشق ليست مدينة فحسب، ولا تُختزل في رواية عابر. هي ذاكرة تمشي على قدمين، وطبقات من الزمن تتعانق فيها الحضارات، من ناسها وبيوتها وأسواقها العتيقة إلى أصوات المآذن، وأجراس الكنائس، ونجوم المعابد - هي هكذا تروي قصصًا عن التآخي والتعدد. في أزقتها المتشابكة تختبئ أكثر من حكاية، وتنهض من بين حجارتها أصوات من مرّوا وتركوا شيئًا من أرواحهم، وبصمات لا تمحى على جدرانها وفي قلب من يعرفها.
هي أم متعبة، لكنها لا تنام؛ تسهر على وجعها كما تسهر على أبنائها، وتخبئ في قلبها ما لا يُقال. كلما ظنها الناس منكسرة، عادت لتزهر من شقوق الألم، كأنها تعاند الزمن نفسه. دمشق أوسع من سردية ضيقة، وأصدق من رواية مزوّرة. من يحاول طمس تاريخها أو يلفّق لها واقعًا على مقاس ضعفه، يعجز عن فهمها، لا عن تحديها.
ليست مدينة للضعفاء، ولا لمن يكتب عنها بعجزه أو يحمّلها ما ليس فيها. من يقرأها بعين يأس يظن أنّه يعرفها، بينما هي تختبر صبره على الحياة. من لا يرى فيها إلا الانكسار، يعجز عن إدراك قدرة روحها على النهوض والاحتفاظ بمجدها رغم كل الجراح. دمشق الثابتة في عمق التاريخ، حيث تلتقي المآذن بأجراس الكنائس ونجوم المعابد، تؤكد أن التعددية ليست صدفة، بل جوهرها وروحها.
دمشق، كما كانت دائمًا، لا تنتظر من أحد أن يعرّفها؛ هي التي تعيد تعريف من يقترب منها. إمّا أن تراها كما هي، فتسكنك روحها وتغدو جزءًا منك، أو تبقى غريبًا عنها مهما طالت أيامك فيها. لا مكان فيها للضعف، ولا لمن يرسمها بعجزه أو بأوهامه؛ هي مدينة صُنعت من الحب والوجع والمجد، وها هي اليوم تصرخ: من يريد أن يعرفني، فلينظر بعين صافية، ومن يأتي بعكس ذلك، سيبقى غريبًا إلى الأبد.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟