أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - أحمد سليمان - سوريا: انتهاكات بالجملة – الحريات الفردية لا تنفصل عن السياسية














المزيد.....

سوريا: انتهاكات بالجملة – الحريات الفردية لا تنفصل عن السياسية


أحمد سليمان
شاعر وكاتب في قضايا الديمقراطية

(Ahmad Sleiman:poet And Writer On Democratic Issues)


الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 19:46
المحور: المجتمع المدني
    


لم يعد ما يجري قابلًا للتفسير بوصفه حوادث متفرقة أو اجتهادات محلية معزولة، بل بات يعكس مسارًا متدرجًا نحو إعادة تشكيل المجال العام على حساب الحريات الفردية. هذا المسار لا يظهر فقط في القرارات الرسمية، بل أيضًا—وهذا الأهم—في الممارسات اليومية التي تتم دون وضوح قانوني أو مساءلة. هنا تحديدًا تكمن الخطورة: حين تتحول السلطة من جهة تنظّم المجتمع بالقانون، إلى جهة تعيد تعريفه وفق معايير غير معلنة.
بدأت المؤشرات مبكرًا عبر استهداف رموز ثقافية وتاريخية. خلال عام 2025، تم تداول مقاطع تُظهر تحطيم تماثيل في حلب، دون صدور أي توضيح رسمي يحدد الجهة المسؤولة أو الإطار القانوني. هذه الحوادث، حتى لو قُدمت كأفعال فردية، تعكس مناخًا يسمح بإعادة صياغة الفضاء العام دون نقاش أو مساءلة، وهو ما يمهّد لتدخلات أعمق في حياة الأفراد.
في العام نفسه، برزت بشكل أوضح قرارات ذات طابع سلوكي مباشر. فقد صدرت تعليمات محلية في اللاذقية تتعلق بلباس البحر، ترافقت مع تداول قيود على المظهر الشخصي، بما في ذلك المكياج في بعض الأماكن العامة. هذه الإجراءات، حتى لو لم تُصغ كقوانين وطنية شاملة، تحمل دلالة سياسية واضحة: نقل سلطة تحديد المقبول اجتماعيًا من المجتمع إلى جهة إدارية أو أمنية.
لم تتوقف المسألة عند حدود المظهر، بل امتدت إلى الخصوصية الشخصية. في مقطع فيديو متداول من حلب، ظهرت طبيبة تؤكد أن عنصرًا أمنيًا طالبها بإثبات علاقتها بالشخص الذي كان برفقتها. وعلى الرغم من تقديمها دلائل متعددة، مثل رخصة القيادة ووثائق مشتركة، أصرّ العنصر على إبراز وثيقة زواج رسمية. وقد انتهت الحادثة بتدخل جهة أعلى في اليوم التالي وإغلاقها بشكل فردي، إلا أن حوادث مشابهة تكررت في أماكن مختلفة. هذه الوقائع ليست تفصيلًا عابرًا، بل تمثل انتقالًا خطيرًا من تنظيم السلوك العام إلى مراقبة العلاقات الشخصية، وهو نمط معروف في أنظمة الضبط الاجتماعي ذات الطابع المتشدد.
وفي عام 2026، تم تداول قرار يقضي بتقييد بيع واستهلاك الكحول، مع السماح بذلك ضمن نطاقات محددة في دمشق. كما مُنحت المطاعم والحانات مهلة ثلاثة أشهر لتطبيق القرار. بغض النظر عن الموقف من المسألة، فإن طريقة إدارتها تكشف تناقضًا واضحًا: لا يوجد معيار قانوني موحد، بل تنظيم انتقائي للحريات، ما يعني أن الحقوق لا تُمنح على أساس المواطنة، بل وفق اعتبارات ظرفية أو جغرافية.

انتهاك الحريات إلى خرق الإطار الدستوري:
ويُذكر أنه تم إقرار إعلان دستوري مؤقت، ورغم هشاشة عدد من بنوده وغموضها، فإن الإشكالية الأبرز لم تكن في ضعفه فقط، بل في طريقة التعامل معه. إذ برزت مؤشرات على تجاوزه عمليًا من قبل السلطة، سواء من حيث غياب الالتزام بروحه أو من حيث مخالفة مبادئه الأساسية.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما جرى في ملف النشيد الوطني. فقد تم الإعلان عن مسابقة لإقرار نشيد جديد، لكن تبيّن لاحقًا وجود شبهات تضارب مصالح، مع مشاركة وزير الثقافة ومسؤولين في الأنشطة الثقافية في كتابة نصوص ضمن المسابقة نفسها. هذا السلوك يطرح تساؤلات جدية حول معايير النزاهة والشفافية في إدارة ملف يفترض أنه وطني جامع.
يزداد الأمر إشكالية عندما يُطرح بديل لا يرقى إلى مستوى الإجماع الرمزي الذي حظي به نشيد ارتبط بوجدان السوريين خلال سنوات الثورة، والمستند إلى نص الشاعر عمر أبو ريشة. فالتعامل مع الرموز الوطنية بهذه الطريقة لا يعكس فقط خللًا إداريًا، بل يكشف عن غياب رؤية جامعة لماهية الدولة ورموزها.

ما يجمع هذه الحالات ليس فقط مضمونها، بل طبيعتها:

1.غياب نصوص قانونية واضحة وشاملة
2.الاعتماد على تعليمات محلية أو ممارسات ميدانية
3.غياب المساءلة أو التوضيح الرسمي
4.التوسع التدريجي من الرمزي إلى الشخصي

هنا تظهر العلاقة الحاسمة:
الحريات الفردية لا يمكن فصلها عن الحريات السياسية. عندما يُحرم المجتمع من المشاركة في القرار السياسي، تصبح الحريات الفردية أول ضحاياه. لأن السلطة التي لا تُحاسَب، تتوسع بطبيعتها، ولا تتوقف عند حدود.
السلطة، في هذا السياق، لا تتصرف كامتداد للمجتمع، بل ككيان فوقه. والخطاب الديني المستخدم لا يعمل كمرجعية أخلاقية جامعة، بل كأداة لإعادة ضبط السلوك العام. المشكلة ليست في الدين، بل في توظيفه سياسيًا لتبرير التدخل في حياة الأفراد. وعندما يُطرح مفهوم “الاعتدال” دون أن ينعكس في القوانين والمؤسسات، فإنه يفقد معناه ويتحول إلى غطاء لغوي.
الدولة الحديثة لا تُقاس بما تعلنه، بل بما تضمنه فعليًا: سيادة القانون، وضوح التشريع، والمساواة بين المواطنين. وأي مسار يستبدل هذه الأسس بتعليمات ضبابية أو ممارسات انتقائية، هو عمليًا مسار يقوّض فكرة الدولة نفسها.
الأخطر أن هذا التوجه لا يهدد الحريات الفردية فقط، بل يضرب أساس الاستقرار. فالمجتمع الذي يشعر بأن حياته الخاصة عرضة للتدخل، يفقد الثقة بأي إطار عام. ومع غياب قنوات سياسية حقيقية، يتحول الاحتقان إلى قابلية للانفجار.

ما يحدث ليس مجرد تضييق اجتماعي، بل إعادة تشكيل سياسية للمجتمع عبر بوابة الحريات الفردية. وأي محاولة لبناء دولة دون حماية هذه الحريات، ليست مشروع دولة، بل مشروع سيطرة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سياسة الصفقات الكبرى وسلاح القوة الخفي
- انتفاضة داخل انتخابات الرقة: انسحابات ومظاهرات احتجاجاً على ...
- تعيين مجرمي الحرب في سوريا في مواقع حساسة ينسف ملف العدالة ا ...
- الحرب الترامبية الكبرى وتقاطعاتها السياسية والاقتصادية المتش ...
- حول دعم قوى كردية داخل إيران: هل يتكرر النموذج السوري؟
- سوريا بين أعباء الماضي وضرورة تصحيح المسار
- من حرب الخليج إلى لبنان واليمن وسوريا: حروب إيران وتصدير الت ...
- من يكتب أخلاق المهنة؟ قراءة في آليّة طرح مدوّنة السلوك الإعل ...
- بين القرار والمجتمع: لماذا أصبحت المراجعة ضرورةً سياسية؟
- العدالة الانتقالية في سوريا: بين التسويات المالية واستياء ال ...
- نحو آلية قانونية واضحة تضمن عودة آمنة ومستقرة للمعارضين والن ...
- الكونغرس مطالب بقانون يحمي سوريا من الإرهاب وداعميه
- مدينة تؤازر إخوتها… الرقة
- موقف شعبي في مصر ضد حالة عنصرية بحق عائلة سورية
- أسطورة التحرير الوهمي والاستعصاء الميليشيوي: الوظيفة انتهت
- دولة المواطنة تمنح الخصوصية للجميع: لا امتياز منفرد ولا سلاح ...
- الهندسة السياسية: قراءة في إدارة ما بعد الحرب في سوريا
- الإتفاق غير مطمئن: ترتيب أمني مع مليشيا مزدوجة المهام وحدود ...
- اتحاد الكتّاب بين الشرط المهني وسلطة الوصاية
- ما بعد الحرب في سوريا: السيادة، الموارد، الأمن المجتمعي، وال ...


المزيد.....




- دول الخليج تطلب جلسة طارئة بمجلس حقوق الإنسان بسبب هجمات إير ...
- الاستخبارات الإيرانية تعلن اعتقال 97 شخصا بتهمة الارتباط بال ...
- بن غفير أمام المشنقة.. ينفي وفاته ويعلن شوقه لإعدام الأسرى ا ...
- السلطة القضائية في إيران: إعدام 3 رجال اعتقلوا خلال احتجاجات ...
- اليونيسف: العدوان على لبنان يغتال -صفاً دراسياً- من الأطفال ...
- ستوكهولم تندد بإعدام مواطن سويدي في طهران وتستدعي السفير الإ ...
- تقارير عن اعتقالات واسعة في دبي طالت سياحاً وثقوا هجمات بطائ ...
- عقب الاغتيالات الأخيرة.. حملة اعتقالات واسعة في إيران تستهدف ...
- منظمة العفو الدولية: الولايات المتحدة مسؤولة عن الهجوم القات ...
- اليونيسف تفتح تحقيقا في شبهة تهريب منتجات تبغ ضمن مساعداتها ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - أحمد سليمان - سوريا: انتهاكات بالجملة – الحريات الفردية لا تنفصل عن السياسية