أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - أحمد سليمان - بين التسويات الغامضة وإعادة إنتاج الإفلات من العقاب: قضية عصام البويضاني















المزيد.....

بين التسويات الغامضة وإعادة إنتاج الإفلات من العقاب: قضية عصام البويضاني


أحمد سليمان
شاعر وباحث في قضايا الديمقراطية

(Ahmad Sleiman:poet And Writer On Democratic Issues)


الحوار المتمدن-العدد: 8689 - 2026 / 4 / 26 - 15:43
المحور: حقوق الانسان
    


تضج الأوساط السياسية والحقوقية بقضية عصام البويضاني وطريقة الإفراج عنه بعد عام من التوقيف الغامض في الإمارات العربية المتحدة. لا يأتي هذا الحدث بوصفه واقعة منفصلة، بل كجزء من مشهد سوري مأزوم تتداخل فيه الحسابات السياسية مع الاعتبارات الأمنية، وتُدار فيه الملفات الحساسة بعيدًا عن أي إطار قانوني شفاف. فالرجل، الذي برز كقائد عسكري في واحدة من أبرز فصائل المعارضة المسلحة، يجد نفسه اليوم في قلب جدل يتجاوز شخصه إلى أسئلة أكثر عمقًا تتعلق بطبيعة المرحلة الانتقالية، وحدود التسويات الممكنة، ومعنى العدالة في سياق لم تتبلور فيه بعد معايير المحاسبة. إن الإفراج عنه من دون محاكمة، بعد احتجاز طويل بلا توضيح رسمي، يعيد طرح معضلة أكثر تحديدًا: هل نحن أمام تكريس لنمط الإفلات من المساءلة في ملفات حساسة، أم أمام واقع انتقالي مرتبك لم تتشكل فيه بعد أدوات العدالة؟ وبين تضارب الروايات، يبقى الغياب الكامل للحقيقة الرسمية هو الثابت الوحيد.


تداخل السياسي، والاقتصادي، والحقوقي:

لفهم دلالات هذه القضية، لا بد من تفكيكها ضمن ثلاثة مستويات متداخلة: السياسي، والاقتصادي، والحقوقي.
على المستوى السياسي، يعكس مسار الاعتقال والإفراج نمطًا متكررًا في إدارة الملفات السورية الحساسة، حيث تُتخذ القرارات خارج الأطر القضائية الواضحة. فغياب التهمة، وعدم وجود محاكمة، ثم الإفراج المفاجئ، كلها مؤشرات على أن الملف لم يُدار وفق معايير قانونية بحتة، بل ضمن حسابات سياسية أو أمنية. هذه الآلية تضعف أي ادعاء بوجود تحول حقيقي نحو سيادة القانون، وتكرّس منطق “الاستثناء” بدل القاعدة.

أما على المستوى الاقتصادي، فتطفو تساؤلات حول طبيعة الأنشطة المالية المرتبطة بالبويضاني وشبكة علاقاته، خصوصًا في تركيا. ورغم أن انتقال قيادات سابقة في الفصائل المسلحة إلى العمل الاقتصادي ليس استثناءً في السياق السوري، فإن غياب الشفافية حول مصادر التمويل يثير إشكاليات أخلاقية وسياسية. فجزء من الأموال التي تدفقت خلال سنوات الحرب كان ذا طبيعة خارجية ولم يخضع لرقابة مؤسسية، ما يفتح الباب أمام احتمالات إعادة تدويرها في استثمارات خاصة دون إمكانية تحقق مستقلة.


خلفية التوقيف: بين مذكرات النظام السابق وإشكالية الإنتربول:

تشير روايات متقاطعة، بعضها منسوب إلى مسؤولين سابقين في نظام بشار الأسد المخلوع، إلى أن توقيف عصام البويضاني قد يكون مرتبطًا بمذكرات صادرة خلال تلك المرحلة، وربما بتعميمات عبر قنوات الإنتربول، استندت إلى تهم نمطية وواسعة مثل “الإرهاب” و“تهديد أمن الدولة”، وهي توصيفات استُخدمت على نطاق واسع بحق معارضي السلطة آنذاك.

غير أن التعامل مع هذه المعطيات يتطلب قدرًا من الحذر، إذ لا ترقى هذه الروايات إلى مستوى التأكيد الرسمي الموثق. كما أن النشرات الحمراء الصادرة عن الإنتربول لا تُعد أوامر توقيف ملزمة بحد ذاتها، بل تترك للدول هامش تقدير في التنفيذ وفق قوانينها الوطنية. كذلك تلتزم المنظمة — من حيث المبدأ — بعدم الانخراط في القضايا ذات الطابع السياسي، وإن كانت هذه القاعدة تُختبر عمليًا في حالات معقدة.

والأهم من ذلك، لا توجد حتى الآن معلومات رسمية تثبت أن توقيف البويضاني استند فعليًا إلى نشرة حمراء محددة، كما لا تتوافر معطيات موثقة حول سحبها أو إلغائها. وهو ما يجعل تفسير الاعتقال والإفراج باعتبارات قانونية بحتة تفسيرًا غير كافٍ، ويفتح الباب أمام ترجيح وجود عوامل سياسية أو دبلوماسية لعبت دورًا حاسمًا في مسار القضية.


مصير نشطاء مركز توثيق الانتهاكات:

يبقى البعد الحقوقي هو الأكثر حساسية، خاصة فيما يتعلق بقضية اختفاء نشطاء مركز توثيق الانتهاكات في دوما نهاية عام 2013. الأسماء هنا ليست تفصيلًا ثانويًا، بل جوهر القضية: رزان زيتونة، وائل حمادة، سميرة الخليل، وناظم الحمادي. هؤلاء الأربعة كانوا يمثلون صوتًا مدنيًا مستقلًا في سياق متجه نحو العسكرة، وقد اختفوا في منطقة كانت خاضعة لسيطرة جهة واحدة تمتلك نفوذًا أمنيًا فعليًا.

حتى اليوم، لم يُكشف مصيرهم، ولم يُفتح تحقيق قضائي شفاف يحدد المسؤوليات. ورغم غياب حكم قضائي نهائي، فإن السياق الميداني آنذاك يجعل من الصعب فصل القضية عن مسؤولية السلطة القائمة في تلك المنطقة، على الأقل سياسيًا وأخلاقيًا. إن استمرار الغموض لا يمس فقط بحق الضحايا وذويهم في الحقيقة، بل يضعف أي تصور لعدالة انتقالية ذات مصداقية. بل تحولت هذه القضية إلى معيار غير معلن لقياس جدية أي خطاب حقوقي في سوريا: هل يمكن تجاوزها ضمن تسويات سياسية، أم أنها تمثل اختبارًا لا يمكن القفز فوقه؟


أسئلة مشروعة يطرحها السوريون :

في هذا السياق، تبرز أسئلة حادة يطرحها السوريون: هل يمكن القبول بتسويات سياسية تتجاوز ملفات خطيرة دون محاسبة؟ وهل يمكن أن تتحول أموال الحرب إلى أدوات نفوذ اقتصادي دون رقابة؟ وهل الإفراج عن شخصيات مثيرة للجدل يتم ضمن تفاهمات غير معلنة تتقاطع فيها السياسة مع المال؟ والأهم، هل يمكن بناء نظام سياسي جديد دون مواجهة إرث الانتهاكات بشكل مباشر؟

ما يظهر حتى الآن هو أن المقاربة السائدة تميل إلى إدارة التناقضات بدل حلها. فبدل فتح ملفات العدالة الانتقالية بشكل شفاف، يتم اللجوء إلى تسويات جزئية تُبقي القضايا الجوهرية معلقة. هذه المقاربة قد توفر استقرارًا مؤقتًا، لكنها تحمل خطر إعادة إنتاج الأزمة نفسها. كما أن الحديث عن إمكانية دمج شخصيات كهذه في هياكل سياسية مستقبلية، دون معايير واضحة للمساءلة، يعكس خللًا عميقًا في تصور المرحلة القادمة.


العدالة المؤجلة ليست حيادًا بل انحياز:

إن قضية عصام البويضاني ليست مجرد ملف فردي، بل مرآة تعكس مأزق العدالة في سوريا. فالتسويات، مهما بدت ضرورية، لا يمكن أن تكون بديلًا عن المحاسبة. وتجاهل الأسئلة الصعبة لا يلغيها، بل يؤجل انفجارها. العدالة ليست ترفًا، بل شرطًا للاستقرار. وأي مسار سياسي لا يضعها في مركزه، سيبقى هشًا، وقابلًا لإعادة إنتاج نفس الأزمات، بأسماء وأشكال مختلفة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهجرة الدائرية في سوريا: عودة بلا ضمانات في ظل بيئة سياسية ...
- هل تتحول المصالحة إلى محاكمة مجتمعية؟ هل تتحول المصالحة إلى ...
- هل يتحول “تنظيم التصدير” إلى بوابة للاحتكار؟
- عزيزي السيد توماس باراك، إذا كانت فكرة “الممالك” صالحة، فلتُ ...
- ازدواجية السلطة وأسئلة الشارع السوري
- سوريا: حرية التعبير المضمونة تم سحقها
- بين “أول برلمان لسوريا الحرة” وواقع التشكيل: أي تمثيل نتحدث ...
- سوريا بين خطابين: سلطة تبني وأخرى تهدم
- دمشق: حضارة تعانق الأزمنة
- بين سقف الشروط وحدود القوة: هل نحن أمام تسوية أم استراحة محا ...
- قضية حسين هرموش تعود للواجهة: تطورات جديدة وتهديدات مقلقة
- من يملك الحق في فرض نمط حياة على المجتمع؟
- سوريا وبرلين: زيارة استراتيجية في توقيت حرج
- أحمد قعبور رفيق النضال التحرري… صوت «أناديكم» سيظل حاضرًا
- وظائف اتحاد الكتّاب بين الشكلية وغياب المعايير الواضحة
- هل نحن أمام تنظيم قانوني حديث، أم إعادة تدوير قوانين قديمة ؟
- أحد الحريات: من الاحتجاج إلى ترسيخ الحق الدستوري
- محاولة طمس الرموز الوطنية السورية والانتهاك الثقافي للنشيد ا ...
- سوريا: انتهاكات بالجملة – الحريات الفردية لا تنفصل عن السياس ...
- سياسة الصفقات الكبرى وسلاح القوة الخفي


المزيد.....




- تقليصات -الأونروا- في الضفة الغربية: أزمة مالية أم تصفية سيا ...
- تفاقم الوضع الإنساني في مخيمات النازحين بالسودان
- بعثة إيران بالأمم المتحدة: أمريكا تتحمل مسؤولية تعطل النقل ا ...
- آخرها التعليم.. لماذا تُقلّص الأونروا خدماتها للاجئين في الض ...
- مخيم مار إلياس.. من مظاهر التضامن في لبنان، لاجئون فلسطينيون ...
- الأمم المتحدة: أطفال دارفور وصلوا لمرحلة حرجة تحت وطأة الجوع ...
- عشرات الاعتقالات في تركيا قبيل احتفالات عيد العمال
- المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى: محكمة الاحتلال تُقرر تمدي ...
- المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى: المحكمة ترفض طلب الإفراج ...
- المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى: الاحتجاز التعسفي للطبيب أ ...


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - أحمد سليمان - بين التسويات الغامضة وإعادة إنتاج الإفلات من العقاب: قضية عصام البويضاني