أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - محمد علي محيي الدين - عباس الجراخ ناسكُ التراث في محراب الحرف














المزيد.....

عباس الجراخ ناسكُ التراث في محراب الحرف


محمد علي محيي الدين
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8691 - 2026 / 4 / 28 - 12:04
المحور: سيرة ذاتية
    


على ضفاف الفرات، في مدينة الحلة التي تتنفس الحكايات وتنام على أكتاف المجد، وُلد عام 1965 فتى اسمه عباس، حمل لقب "الجراخ" ولم يكن يدري أن اسمه سيُقرن يومًا بما يشبه الأسطورة في عالم التحقيق الأدبي والتراثي. ومن محلة الجامعين، حيث يختلط أذان العصر بنغمة الطين، خرج ذلك الفتى ليكون كاتب الظلال، لا يلهث خلف الضوء، بل يسير في الهامش، فينعطف فجأة ليملأ الساحة.
ما بين سطور دراسته الأولى، كان هناك ما يشبه النبوءة. فحين اختار اللغة العربية في جامعة بغداد، لم يكن اختياره بدافع تخصص عادي، بل كان انتماءً. وحين دخل أروقة قسم اللغة، بدا كأنه يعود إلى أهله الأولين، أولئك الذين صنعوا اللغة وحرّروها على السطور، ونحتوا فيها للمعاني مقامًا ومحرابًا.
بعد تخرجه، شرع في رحلة التعليم، لكنه لم يكن معلمًا ينقل دروس النحو فقط، بل كان "مُوقظًا" لما هو أعمق: ذاكرة النص العربي. وتجلّت أولى إشارات هذه المهمة حين أنجز رسالته للماجستير عن ديوان سيف الدين المشد، فأعاد الاعتبار لشاعر مجهول، وفتح بابًا ظنّه كثيرون قد أُغلق للأبد.
مخبرُ الحروف ومختبر التحقيق
الجراخ في التحقيق لا يشبه أحدًا. لا يندفع بقوة الموهبة وحدها، ولا يركن إلى المراجع الجاهزة، بل يصنع منهجيته الخاصة، ويدخل النصوص كما يدخل عالمًا من الأسرار. وقد تجلى ذلك في أطروحته للدكتوراه "تحقيق النصوص الأدبية واللغوية ونقدها في العراق"، التي لم تكتف بإعادة ترتيب المشهد، بل قسّمته علميًا، وسلط عليه نقدًا منهجيًا جعل منها مرجعًا بحد ذاته.
تُطبع أعماله في عمّان والقاهرة وبيروت، لكنه بقي في الحلة، حيث يعرف الذاكرة وأين تُخزّن، ويعرف من يستحق الإنقاذ من غبار الإهمال. كتاباته تراوح بين ثلاثة عوالم: التحقيق، والدراسة النقدية، والمستدرك على ما فات غيره. وحين يختار شاعرًا كاد يُنسى، لا يكتفي بجمع شعره، بل يضيء جوانب من سيرته، يراجع مصادرها، ويطابق النسخ، ويستنطق الهوامش.
أعادت مطبعته ومطبوعاته الاعتبار لخمسة قرون من الشعراء المنسيين. وقد تتابعت أعماله بدءًا من ديوان يوسف بن لؤلؤ، مرورًا بـأحمد بن معقل الأزدي وعبد الملك الحارثي، وصولًا إلى ابن الخيمي وابن العرندس والحسن بن راشد الحلي. ويمثل كل ديوان من هذه الدواوين قصة بعينها، وفي كل قصة جهد يعادل تأليف مجلد.
النقد لا يكتمل إلا به
لا تُذكر كلمة "نقد التحقيق" اليوم إلا واقترن اسم الجراخ بها، فقد كان من الأوائل الذين نقدوا المنهج نفسه، وواجهوا بعض محققي التراث بما فاتَهم، أو ما أغفلوه. وفي كتابه "في نقد التحقيق" لم يكتف بجلد الغفلة، بل اقترح البديل، وحدد المعيار، وفكّك النصوص المدعاة، وميز بين التحقيق "النزيه" والتحقيق "الملفق".
قال عنه أحد النقاد العرب: "لو خُيّرت بين عشرات التحقيقات التجارية، وتحقيق واحد للجراخ، لاخترت تحقيقه، لأنه يعيد خلق النص، لا نسخه فقط."، فيما كتب آخر: "في كتبه تجد الأصالة والحداثة معًا؛ فهو لا يستخرج فقط، بل يختبر ويحلل ويُشخص ويضع اقتراحاته للمستقبل."
واعتبره بعض أساتذة الدراسات العليا في الجامعات العراقية والعربية "المرجعية الأولى في نقد المدوّنات الشعرية"، واعتُمدت أعماله نماذج في كليات الآداب في بغداد والبصرة والقاهرة وتونس.
المكتبة التي سار بها وحده
حين نحصي ما نشره الجراخ، يبدو أننا أمام مكتبة تمشي على قدمين. أكثر من خمسين مؤلفًا مطبوعًا، وعشرات المقالات في أهم المجلات العربية المحكمة، من المورد والذخائر وآفاق الثقافة والتراث إلى مجمع اللغة العربية بدمشق والمخطوطات العربية. وهو حاضر دائمًا في المؤتمرات، لا ليتحدث عن نفسه، بل ليُضيء نصًا، أو يُصلح خطأ، أو يُكمل نقصًا.
ومع كل هذا، لم يتورط الجراخ في استعراض الذات، بل ترك كتبه تتحدث عنه. وبقي مؤمنًا أن وظيفة الباحث ليست أن يُحتفى به، بل أن يَحتفي هو بالنص.
مقامُه في مؤسسات المعرفة
من يُراجع هيئات تحرير المجلات الثقافية الرصينة، سيجد اسم عباس الجراخ فيها دائمًا: رئيس تحرير مجلة المحقق، عضو تحرير في المورد، مقوم علمي لمجلات الخزانة ومخطوطاتنا وتراث كربلاء، وغيرها من مجلات البحث التراثي. لكن ما يميز وجوده في هذه المؤسسات ليس عضويته فقط، بل أثره العلمي الملموس، وملاحظاته الدقيقة التي تتناقلها لجان التحكيم كقواعد أكاديمية.
وكان حضوره في مؤتمر المجمع العلمي العراقي عام 2023 لافتًا، حيث كرّم بصفته "أحد أبرز المحققين المعاصرين في العراق"، في لحظة اعترف فيها الوسط العلمي بأن جهود الجراخ لم تعد مجرد أعمال، بل صارت مدرسة.
عزلة الباحث ونشيد القلب
عباس الجراخ رجل لا يكتب من أجل النشر، بل ينشر لأنه لا يحتمل الصمت أمام ما يُنسى. يجلس لساعات طويلة في مخطوط واحد، يفتّش بين الكلمات، ويراجع المقابلات، ويصحح النصوص، ولا يقدّم عملًا إلا وقد فُحِص كما يُفحص الذهب في النار.
هو أشبه براهب يعكف على نصوصه، ولا يشغله من خارجها إلا ما يخصّها. لم يُعرف يومًا بأنه يطارد الجوائز أو الشهرة، بل بقي معتنقًا لرسالته العلمية، مؤمنًا أن التراث ليس "أثاث الماضي"، بل روح الأمة، وكنزها المطمور.
في زمنٍ تتسارع فيه المعارف ويبهت العمق، يُعيد عباس الجراخ للبحث العلمي هيبته، وللتحقيق الأدبي رصانته، وللتراث منزلته. هو رجل يعمل في الظلال، لكنه ينير طريق الباحثين، ويصوغ من كل ديوانٍ قديمٍ رسالة جديدة في الدقة، والأمانة، والانتماء.
وإن سأل سائل: "ما الذي أنجزه الجراخ؟"، فالجواب لا يكون بعدّ المؤلفات، بل بهذا المعنى العميق: لقد أنقذ ذاكرة العراق، وسلّمها للأجيال في كتب تقف شامخة، كما يقف حارسها الهادئ، الصامت، الكبير.



#محمد_علي_محيي_الدين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فارس الخفاجي حين يستعير الطبيب قلب الشاعر
- توفيق المعموري... شاعرٌ حمل ظله ومضى في دروب الشعر والشتات
- الحلة في مرآة القصيدة – قراءة في نص موفق محمد انا أحب الحلة
- مقداد مسعود… سراجُ الكتب وجسرُ الشعر إلى الوعي
- محيي المسعودي في حضرة الكلمات وساحات النار
- أفنيتَ عمرك- صدى الوجع الممتد عبر الزمن
- أفنيتَ عمرك- صدى الوجع الممتد عبر الزمن قراءة في قصيدة -لا ح ...
- جواد كاظم الحسون راوي الحكايات ومهندس الضوء المسرحي
- فـتاوى للإيجار- قصيدة عراقية تفضح فقه الذبح على الهوية
- زينب البياتي صعلكة الشعر على أكتاف الرماد
- عبد الحسين الجنابي شاعرٌ يسقي القوافي من جدول الفصحى
- القاص والروائي علي غازي غواية القصّ بعيون ناقدة
- عماد الحاج حسن باحث ينقّب في تراب المعنى ويجلو غبار النسيان
- علي أبو بكر شاعر العبور من الجمر إلى الغيم
- محمد كاظم جواد شاعر يغمس ريشته في دهشة الطفولة وحنين الإنسان
- علي تاج الدين شاعر الأسطورة والمجازات العالية
- عبود المهنا الناقد الذي نسج المسرح بالفكر، وقرأ الجسد بعيون ...
- كامل الدليمي رجلٌ عبرَ الحياة بين القصيدة والقلق
- علي عبد الأمير عجام الشاعر الذي سكنه الإعلام، والناقد الذي أ ...
- علاء مظلوم... الشاعر الذي أنصتَ لجلنار الوجود


المزيد.....




- ترامب بتدوينة -إيران أبلغتنا أنها في حالة انهيار- ويوضح ما ت ...
- إيران توضح ما تفعله في الخليج ومضيق هرمز أمام مجلس الأمن
- ترامب: الولايات المتحدة -هزمت إيران عسكريا-
- وزير التعليم العالي السوداني للجزيرة نت: إغلاق المراكز الخار ...
- هآرتس عن قائد إسرائيلي: مهمتنا الوحيدة تدمير كل شيء بجنوب لب ...
- انتقم لأوروبا.. الملك تشارلز يرد على ترامب بـ-دعابة لاذعة-
- إحراج ملكي في واشنطن.. تعليق مفاجئ من ترامب
- إرهاق الحروب.. لماذا تختفي نزاعات من الشاشات؟
- إلهان عمر وتصريح -الحرب العالمية الحادية عشر- ما حقيقته؟
- القضاء الأمريكي يلاحق جيمس كومي بتهمة تهديد حياة ترمب


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - محمد علي محيي الدين - عباس الجراخ ناسكُ التراث في محراب الحرف