أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - محمد علي محيي الدين - مقداد مسعود… سراجُ الكتب وجسرُ الشعر إلى الوعي















المزيد.....

مقداد مسعود… سراجُ الكتب وجسرُ الشعر إلى الوعي


محمد علي محيي الدين
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 14:02
المحور: سيرة ذاتية
    


ولد مقداد مسعود في البصرة، في الخامس عشر من تشرين الأول عام 1954، في بيتٍ لم تكن الكتب فيه زينةً جانبية، بل كانت جوهر الحياة، حتى ليُخيَّل أن الأثاث قد وُضع لاحقاً ليكمل حضورها. هناك، في طفولةٍ مشبعةٍ برائحة الورق والحبر، بدأ وعيه يتشكّل على مهل. كان يتأمل أغلفة الكتب طويلاً، حتى صارت مراياه الأولى، يعبر عبرها إلى عوالم أخرى، ويتنقّل بين ألوانها وأشكالها كما يتنقّل طفل بين نوافذ الحلم. لم تكن الأغلفة سطوحاً صامتة، بل بواباتٍ مفتوحةً على احتمالات لا نهائية.
في مراهقته، فتنته الكتب فالتوى وقته حولها كما تلتف النار حول فتيلها، وراحت الرواية تقوده إلى الشعر، والشعر يقوده إلى الفكر، والفكر يفتح له دروب النقد. ومع مرور السنوات، لم تكن علاقته بالكتاب مجرّد هواية، بل صارت قدراً معرفياً، وورطةً جميلةً في “زيت الكتب وسراجها”، كما يقول، ورطةً لا خلاص منها ولا رغبة في الخلاص. وها هو اليوم، على مشارف السبعين، ما يزال يرى في القراءة مشروع حياة، وفي الكتابة خلاصاً من العتمة، وفي المعرفة شكلاً من أشكال الطمأنينة.
بدأ مقداد مسعود النشر منتصف سبعينيات القرن العشرين، وبرز منذ وقت مبكر شاعراً وناقداً معاً. وفي عام 1974 فاز بالجائزة الأولى في النقد الأدبي في المسابقة التي تقيمها مديرية تربية البصرة عن مقالته الموسومة: «الإشارات والرموز في الجريمة»، ثم نالت المقالة ذاتها الجائزة الأولى على مستوى العراق ضمن مسابقة وزارة التربية. وفي العام نفسه عمل في المكتب الصحفي لجريدة طريق الشعب في البصرة، مشرفاً على صفحة الطلبة والشباب، ضمن المكتب الصحفي الطلابي.
في شباط عام 1976 نشر أول مقالة نقدية له بعنوان «الموت والمغني» في مجلة الطليعة الأدبية، وكانت قراءة في مجموعة القاص والروائي محمد عبد المجيد «موت المغني الذي ذكرنا برائحة البنفسج». ثم توالت مقالاته في صحف ومجلات مثل الراصد والمرفأ، الأخيرة التي كان يرأس تحريرها الإعلامي إحسان وفيق السامرائي. غير أن الظروف السياسية أجبرته عام 1978 على التوقف عن النشر، لا عن الكتابة، فظل يكتب في صمت حتى عام 1993 حين عاد بقوة إلى الصحافة والمجلات العراقية والعربية، فنشرت له الأقلام والأديب العراقي وآفاق عربية، كما نشرت له صحف ومجلات عربية وعالمية مثل القدس والعرب اللندنية، وألواح الإسبانية، وأصوات اليمنية.
وبعد ربيع 2003، أسهم في إصدار جريدة الحقيقة، لسان حال اللجنة المحلية للحزب الشيوعي في البصرة، مواصلاً في الوقت نفسه عمله في طريق الشعب.

أما منجزه الإبداعي، فيكاد يشبه مكتبةً قائمةً بذاتها. من دواوينه ومؤلفاته:
الزجاج وما يدور في فلكه، المغيب المضيء، الإذن العصية واللسان المقطوع، زهرة الرمان، من الأشرعة يتدفق النهر، القصيدة بصرة، زيادة معنى العالم، شمس النارنج، حافة كوب أزرق، ما يختصره الكحل يتوسع فيه الزبيب، بصفيري أضيء الظلمة، يدي تنسى كثيراً، هدوء الفضة، أرباض، جياد من ريش نسور، الأحد الأول، قسيب، قلالي، أيميسال وتأنيث الكرسي، نزهات في نسوية التاريخ: كناية الديالكتيك… وغيرها من العناوين التي تكشف شغفه باللغة بوصفها طاقة كشفٍ لا مجرد أداة تعبير.
في شعره، يظل العراق حاضراً بوصفه ذاكرةً جريحة، وواقعاً مشبعاً بالتناقضات، وتاريخاً لا يهدأ. نصوصه ليست احتفاءً رومانسياً بالأرض، بل مواجهةً صريحةً مع الخراب والخذلان والقلق الوجودي. وفي النقد، يمزج بين المنهج التاريخي والحسّ الجمالي، فيقرأ النصوص داخل سياقها الاجتماعي والثقافي، دون أن يتحوّل إلى أسيرٍ للمناهج الصارمة. هو ناقد يصغي إلى النص قبل أن يحاكمه، ويتعامل معه بوصفه كائناً حيّاً، لا وثيقةً جامدة.
ينتمي فكرياً إلى التيارات اليسارية، المناهضة للاحتلال والاستبداد، ويظهر ذلك جلياً في شعره ونقده معاً. لكنه لا يجعل من الإيديولوجيا قيداً يخنق الجمالي، بل يحرص على أن تبقى القصيدة نصاً مفتوحاً على الإنسان قبل أن تكون بياناً سياسياً.
في كتابه الشعري–النثري «رأيته يغسل الماء» تتجلى رؤيته الكونية المكلومة. هناك لا نقرأ نصوصاً متفرقة، بل نشهد تشريحاً شعرياً للوجود تحت وطأة القهر. الحياة في هذه النصوص تتكئ على هواء الهجير، وتنتفخ كطبل، وتتدلّى من قدميها عند الجزار. شخصياته تصطدم بجدران لا تُرى، وتعيش اغتراباً مضاعفاً عن الزمن والمكان، حتى إن ساعة المكتبة ترفضهم، وشمس الشوارع لا تحتضنهم. الألم هنا لا يصرخ، بل يهمس، والمقاومة لا تثور، بل تغني في الصمت.
وقد كتب الدكتور علاء العبادي عن نص «رأيته» بوصفه لوحةً فنيةً ترسم العنف الداخلي للإنسان الغاضب الذي يحطم الجمال والعلم والمعرفة دون سبب عقلاني. ذلك الكائن الذي يكسر الزجاج، ويحرق المكتبات والأشجار والمتاحف، ويستهدف الحياة في رمزيتها الكاملة، لكنه في نومه فقط يسمح للعالم أن يستعيد جماله. وهنا تتكشف المفارقة: وعيٌ تدميريّ في اليقظة، ولا وعيٌ يعرف قيمة الجمال في الحلم. ومن هذا التوتر يولد عمق النص ومرارته.
أما الأستاذ عبد الأمير الديراوي فيراه شاعراً وناقداً وإعلامياً لا يحمل معول الهدم، بل معول البناء، صريحاً، صادقاً، يحوّل النصوص التي يقرأها إلى حدائق مزهرة، ويغمره الفرح وهو يقوّم تجارب الآخرين، لأن هدفه ليس الإدانة، بل الكشف.
وفي حواراته، يكشف مقداد مسعود عن فلسفة خاصة في القراءة والكتابة. يقول إن الكتب أنقذته من حياته، وإن القراءة ليست سلاحاً بل صديقاً، وإنها أدخلته “قعر الجوزة” وجعلته ملكاً على الرحاب اللامحدودة. وهو يرى أن الناقد الحقيقي يجب أن يخلع جبة القاضي، وأن يجالس النص مجالسة تعارف، لا تحقيق. القراءة عنده نزهة سعيدة في فضاء النص، وتمرين على أن نعيش الحياة شعرياً، حتى في كتب الاقتصاد والعلوم والتاريخ.
هكذا يتجلى مقداد مسعود:
شاعرٌ يرى في القصيدة مصير العالم، وناقدٌ يرى في النص حياةً أخرى، ومثقفٌ يساريّ لم يساوم على قناعاته، وإعلاميّ ظلّ وفيّاً للثقافة بوصفها فعلاً من أفعال المقاومة. إنه واحد من أولئك الذين صنعوا من الكتاب بيتاً، ومن القراءة وطناً، ومن اللغة سراجاً لا ينطفئ.



#محمد_علي_محيي_الدين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- محيي المسعودي في حضرة الكلمات وساحات النار
- أفنيتَ عمرك- صدى الوجع الممتد عبر الزمن
- أفنيتَ عمرك- صدى الوجع الممتد عبر الزمن قراءة في قصيدة -لا ح ...
- جواد كاظم الحسون راوي الحكايات ومهندس الضوء المسرحي
- فـتاوى للإيجار- قصيدة عراقية تفضح فقه الذبح على الهوية
- زينب البياتي صعلكة الشعر على أكتاف الرماد
- عبد الحسين الجنابي شاعرٌ يسقي القوافي من جدول الفصحى
- القاص والروائي علي غازي غواية القصّ بعيون ناقدة
- عماد الحاج حسن باحث ينقّب في تراب المعنى ويجلو غبار النسيان
- علي أبو بكر شاعر العبور من الجمر إلى الغيم
- محمد كاظم جواد شاعر يغمس ريشته في دهشة الطفولة وحنين الإنسان
- علي تاج الدين شاعر الأسطورة والمجازات العالية
- عبود المهنا الناقد الذي نسج المسرح بالفكر، وقرأ الجسد بعيون ...
- كامل الدليمي رجلٌ عبرَ الحياة بين القصيدة والقلق
- علي عبد الأمير عجام الشاعر الذي سكنه الإعلام، والناقد الذي أ ...
- علاء مظلوم... الشاعر الذي أنصتَ لجلنار الوجود
- عباس بغدادي قلم الحلة المتفرد بين دفء التراث ونبض الحداثة
- علاء الكتبي رجل الذاكرة الحيّة، وسادن الثقافة في مدن الفرات
- عباس السلامي: غيم القصيدة وظلال الذات
- صلاح عباس العين التي أرّخت الجمال، والريشة التي كتبت بالنقد ...


المزيد.....




- مصر.. وزير الخارجية يبحث مهام ودور القوة الدولية في سيناء مع ...
- عقوبات قاسية على السنغال والمغرب عقب نهائي كأس الأمم الأفريق ...
- -كل شيء مدمر-: بلدات إيرلندية تزيل آثار فيضانات العاصفة تشان ...
- سوريا - روسيا: الشرع في موسكو للمرة الثانية.. تحديث جديد للع ...
- القوة الناعمة الأمريكية تتهاوى… ونجوم أمريكا يكسرون الصمت
- الشرع لبوتين : تجازونا تحديات كبري.. وروسيا تدعم وحدة سوريا ...
- مقتل 3 أشخاص وانباء عن مفاوضات بين موسكو وكييف بمشاركة واشنط ...
- بعد اتهام ترامب عمدة المدينة بـ -اللعب بالنار-... تصاعد التو ...
- الآلية الثلاثية حول ليبيا في تونس:علام تتحفظ حكومة الدبيبة؟ ...
- الاتحاد الأوروبي يبحث تصنيف الحرس الثوري الإيراني -منظمة إره ...


المزيد.....

- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري
- يوميات الحرب والحب والخوف / حسين علي الحمداني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - محمد علي محيي الدين - مقداد مسعود… سراجُ الكتب وجسرُ الشعر إلى الوعي