أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد علي محيي الدين - أفنيتَ عمرك- صدى الوجع الممتد عبر الزمن قراءة في قصيدة -لا حرية تحت نصب الحرية- للشاعر موفق محمد














المزيد.....

أفنيتَ عمرك- صدى الوجع الممتد عبر الزمن قراءة في قصيدة -لا حرية تحت نصب الحرية- للشاعر موفق محمد


محمد علي محيي الدين
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8594 - 2026 / 1 / 21 - 10:37
المحور: الادب والفن
    


حين يُطلق الشاعر عبارته الأولى، يكون كمن يدق ناقوسًا عتيقًا في ذاكرة أمةٍ لم تهدأ، وكأن الكلمات ليست حروفًا مسطورة، بل حسرات متراكمة في صدور تتنفس القهر جيلاً بعد جيل. ومن بين تلك العبارات التي التقطت أنفاس العراقيين المكلومين، تصدح عبارة "أفنيتَ عمرك"، لا كمجرد استهلالٍ لقصيدة، بل كصرخةٍ قادمة من قاع التاريخ، تختزل زمنًا من الخيبات والانكسارات.
في قصيدته الشهيرة "لا حرية تحت نصب الحرية", يفتتح الشاعر العراقي الراحل موفّق محمد بنَفَسٍ شعبيّ جريءٍ، مستثمرًا الشكل البنائي للموال العراقي، وإن خرج عليه في بعض المواضع. لم يكن خروجه نشازًا أو عجزًا عن الإتقان، بل كان تمرُّدًا واعيًا على القوالب، يُعيد من خلاله تشكيل الحزن بطريقة تُشبه الجراح حين تتكلم بلغتها الخاصة.
في ذلك المقطع، تتجاور الأشطر الثلاثة الأولى بجناسٍ لفظيٍ موحّد، بينما تختار الثلاث التالية جناسًا مغايرًا، وصولاً إلى القفل – أو "الرباط" – الذي يختزل مضمون المقطع بأسره. يقول موفق محمد:
أفنيت عمرك لم تقم من وجعةٍ
إلا وطحت بأخرى سرمهر وانگس!
وما تخلصت من بوريٍ لُطِمت بهِ
إلا تمنيته فالجاي چان انگس!
وما تحررت من حزبٍ قُتِلت بهِ
إلا وجاك حزبٌ سرسري وانگس!
وتظل تقارن عمر ما بين ذاكه وذا
والصافي الك تصطلي بنيران شرة واذى
لو گتله فدوة الشعب محروگ گلك وذا
ما طول أنا بالحكم حيل وعسى بنگس!
هذا المقطع الذي تناقلته الصحف والمنصات والفضائيات، وطالما طلبه الجمهور في المهرجانات الشعرية، لم يكن مجرد توظيف لغوي، بل كان جرحًا ناطقًا، وعينًا تحدق في المرآة العراقية منذ عقود. عبارة "أفنيت عمرك" وحدها، كانت كفيلة ببعث شجنٍ دفينٍ في نفوس مستمعيها، وكأنهم وجدوا أنفسهم في مأتمٍ جماعيٍّ لعمرٍ ضاع سُدًى.
ومع أن العبارة بدت كأنها ولدت من رحم معاناة عراقية خالصة، إلا أن جذورها تمتد عميقًا في تربة الشعر العربي، من عصوره الأولى إلى يومنا هذا، وكأنها لازمة الوجع الإنساني كلما ضاق صدر المرء بسنيّ العمر التي تمضي خلف السراب.
ها هو أبو العتاهية يرفع عقيرته باللوم:
أفنيتَ عُمرَكَ باغتِرارِك ومُناكَ فيهِ وانتِظارِك
...
أفنيتَ عُمرَكَ إدبارًا وإقبالاً تبغي البَنينَ وتبغي الأهلَ والمالا
ويُردف أبو نواس بحسرة العاصي:
أفنيتَ عُمرَكَ والذنوبُ تَزيدُ والكاتبُ المحصي عليك شهيدُ
أما دعبل الخزاعي، فيرى العمر سؤالًا مؤجلًا ليوم الحساب:
إذا سألوني في يوم الحساب بما أفنيتَ عمرك في الشباب
وبلغة مختلفة، ولكن بإحساسٍ لا يقل وجعًا، يقول ابن الفارض:
أفنيتُ عمري في هواك ضحية والله أدرى بالنفوس وأعلمُ
ويُنسَب للإمام علي بن أبي طالب (ع) قوله:
أفنيتُ عمري في هواك تكرُّمًا كيف الدواءُ وقد أُصيبَ المَقتلُ
وما بين هذا وذاك، نجد جميل بثينة، العباس بن الأحنف، بشار بن برد، عمر الخيام، وأحمد شوقي، كلهم عبّروا عن هذا الشعور العميق بالفوات، والندم، والارتحال في دروب لم تُفضِ إلى المأمول. فالإنسان، في كل زمان، يحمل هذا السؤال الملتهب في داخله: فيما أفنيت عمري؟
أليس هذا ما يصرخ به أحمد مطر أيضًا وهو يقول:
أفنيتُ العمر بتثقيفي وصرفت الحبر بتأليفي
أو ما يردده الشاعر محمد سالم عبادة في مرارة إدراك متأخر:
قفا إنني أفنيتُ عمري واقفًا أفكّر فيما ينبغي أن أُقارفا
وهكذا تتكرر المفردة – بل تتكاثر – في شعر إبراهيم طوقان، صالح المالكي، عبد الله الهلالي، وأحمد الغنام، إلى أن تتحول إلى مرآة إنسانية صافية ترى العمر حين يُهدر، لا بوصفه زمنًا فقط، بل طاقةً مهدورة، وأحلامًا لم تُصغ بعد.
إن موفّق محمد، في قصيدته هذه، لم يكن يكتب عن نفسه وحده، بل كان يكتب عن وطن. وطنٍ أفنى أعمار أبنائه في وجعٍ طويل، في ثوراتٍ مجهضة، وأحزابٍ تتناسل من رماد الكارثة، فلا تمنح غير الوهم والانكسار.
وما تميز به الشاعر – فوق لغته الساخطة وجرأته المعهودة – هو طريقته الخاصة في المزاوجة بين الشعبي والفصيح، بحيث جاءت قصيدته جسدًا حيًّا تتحرك فيه الروح العراقية بكل ما تحمله من تناقضات: الفصحى المصقولة بجانب المفردة الشعبية العفوية، العمود بجانب التفعيلة، والنقد السياسي بجانب البوح الإنساني.
وهكذا، حين يُردد العراقي – سواء في قلب بغداد، أو على أرصفة المنافي – عبارة "أفنيتَ عمرك"، فإنه لا يستدعي قصيدة فحسب، بل يستحضر تاريخًا من الخيبات، وصوتًا شعريًا صادقًا لم يُهادن، وظل حتى النهاية يصرخ: لا حرية تحت نصب الحرية.



#محمد_علي_محيي_الدين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جواد كاظم الحسون راوي الحكايات ومهندس الضوء المسرحي
- فـتاوى للإيجار- قصيدة عراقية تفضح فقه الذبح على الهوية
- زينب البياتي صعلكة الشعر على أكتاف الرماد
- عبد الحسين الجنابي شاعرٌ يسقي القوافي من جدول الفصحى
- القاص والروائي علي غازي غواية القصّ بعيون ناقدة
- عماد الحاج حسن باحث ينقّب في تراب المعنى ويجلو غبار النسيان
- علي أبو بكر شاعر العبور من الجمر إلى الغيم
- محمد كاظم جواد شاعر يغمس ريشته في دهشة الطفولة وحنين الإنسان
- علي تاج الدين شاعر الأسطورة والمجازات العالية
- عبود المهنا الناقد الذي نسج المسرح بالفكر، وقرأ الجسد بعيون ...
- كامل الدليمي رجلٌ عبرَ الحياة بين القصيدة والقلق
- علي عبد الأمير عجام الشاعر الذي سكنه الإعلام، والناقد الذي أ ...
- علاء مظلوم... الشاعر الذي أنصتَ لجلنار الوجود
- عباس بغدادي قلم الحلة المتفرد بين دفء التراث ونبض الحداثة
- علاء الكتبي رجل الذاكرة الحيّة، وسادن الثقافة في مدن الفرات
- عباس السلامي: غيم القصيدة وظلال الذات
- صلاح عباس العين التي أرّخت الجمال، والريشة التي كتبت بالنقد ...
- جواد كاظم محسن رحّالة في دروب الذاكرة والتراث
- زهير الجبوري ناقد يلتقط تحولات النص وتقلّبات العصر
- صباح شاكر العكام... سارد الذاكرة وراوي التمردات الصغيرة


المزيد.....




- -الفاشية العبرية- من جابوتنسكي إلى -تحسين النسل-: تفكيك الهو ...
- أ. د. سناء الشّعلان تفوز بجائزة أفضل شخصيّة عربيّة في المجال ...
- الممثل التجاري الأمريكي لـ -يورونيوز-: واشنطن ترى في التعريف ...
- جمعية التشكيليين في النجف تفتتح نشاطتها بمعرض فني ل -ليث نور ...
- معرض الخط العربي مهرجان فني يزين كورنيش العمارة
- 10 أفلام ستغيّر طريقة مشاهدتك للسينما
- فيلم -ذيل الكلب-.. الكوميديا التي تحولت إلى سيرك سياسي على ا ...
- 10 أفلام تساعدك على بناء ذائقة سينمائية سليمة
- أثر الذكاء الاصطناعي على الثقافة: هل انتصرت الخوارزميات على ...
- نصّ (سفر الظِّلال: نبوءة الخراب والدَّم)الشاعرمحمد ابوالحسن. ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد علي محيي الدين - أفنيتَ عمرك- صدى الوجع الممتد عبر الزمن قراءة في قصيدة -لا حرية تحت نصب الحرية- للشاعر موفق محمد