أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - محمد علي محيي الدين - محيي المسعودي في حضرة الكلمات وساحات النار














المزيد.....

محيي المسعودي في حضرة الكلمات وساحات النار


محمد علي محيي الدين
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 11:16
المحور: سيرة ذاتية
    


حين يُكتب عن محيي المسعودي، فإننا لا نتحدث عن كاتب اعتيادي ولا عن باحث مرّ عابرًا في دروب الثقافة العراقية والعربية، بل عن مثقف موسوعي حمل الكلمة في زمن التصحّر، وجعل من الحبر سلاحًا ومن القصيدة جسرًا يربط القرى الجائعة بالحلم المكسور. هو ابن الكفل، ناحية منسية على حوافّ بابل، لكنه لم يكن منسيًا في مسيرة الأدب والصحافة والنقد، بل كان واحدًا من أولئك الذين كتبوا على الحواف، وأعادوا تشكيل المركز بنصوصهم وتجاربهم.
وُلد محي حمزة حساني الطفيلي – الذي اختار لنفسه لاحقًا اسم محيي المسعودي – في 28 آذار 1959، فشهد العراق في أوج اضطرابه، وعاش تحوّلاته السياسية والاجتماعية والثقافية، لا من مقعد المراقبة فحسب، بل من خندق المواجهة. تعلّم في مدارس الكفل، والتحق بالمعهد الفني – قسم الإدارة، وتخرج عام 1983، لكنه ما لبث أن انحاز للكلمة، وجعلها مهنته وسيرته ومصيره.
كاتبٌ يتكئ على شجرة متعددة الجذور
يكتب محيي المسعودي كمن يحمل إرث أجيال من الحكايا والمواجع، وكمن يتنفس من رئة الريف العراقي المحاصر بالخذلان. من يقرأ روايته "لعنة المخطوطة" يدرك أنه لا يكتب ليحكي فقط، بل ليكشف، ليفضح، ليقاوم. ومن يتأمل مجموعته "صراط على الجحيم"، يشعر كأنه يمرّ عبر نفق من اللهب، لا تضيئه إلا اللغة. أما في قصائد الأطفال مثل "أجري أجري تحت المطر"، فثمة رقة الأبوة، وصفاء الذهن، ومخيلة لا تزال تؤمن بأن العصافير لا تُحبس طويلًا.
بين الكتابة للكبار والصغار، بين الصحافة والنقد، بين المسرح وأدب المرأة، يوزّع المسعودي جهده مثل نهرٍ له أكثر من فرع، لكنه لا يضيع في هذا التعدد، بل يتفرّد فيه، ويصنع منه غنىً ثقافيًا قلّ نظيره. وهذا ما أكده عدد من النقاد الذين تناولوا تجربته بوصفها مثالًا على "التكامل الثقافي"، حيث يتجاور الأدبي مع الصحفي، والشعري مع التحقيقي، والوجداني مع التحليلي.
سيرته مرآةٌ لتقاطع الأدوار
لم يكن محيي المسعودي مجرد كاتب منعزل في برجه العاجي، بل كان حاضرًا في الميدان. اشتغل في الصحافة العراقية والعربية لثلاثة عقود، وكتب في عشرات الصحف والمجلات من بغداد إلى عمّان، من "الأسواق" إلى "العرب اليوم"، ومن "المدى" إلى "الصباح" و"المثقف" و"الحوار المتمدن". لم يتوقف عن العطاء، فكان صحفيًا، وناقدًا، وكاتبًا مسرحيًا، وباحثًا في الإعلام، ومستشارًا ثقافيًا، ومؤسسًا للعديد من المجموعات والاتحادات، منها مجموعة "جنى" للثقافة في الأردن، واتحاد كتاب الإنترنت العراقيين.
وهو في كل هذه المناشط ظل يكتب كمن يحمل قدرًا، لا مهنة. ينشر تقاريره الصحفية كما لو أنها بيانات في وجه الظلم، ويكتب عن المرأة لا كزينة ثقافية، بل كجوهر مغيّب ينبغي استعادته. ويؤرّخ لثقافة الطفل لا بوصفها ترفًا بل باعتبارها الأرض الخصبة لأي نهضة ممكنة.
لقد آمن المسعودي بأن "الثقافة مسؤولية"، وأن المثقف ليس شاهدًا على زمنه، بل فاعل فيه. ولهذا لم يسلم من المضايقات، من الملاحقة والتضييق، من التحقيق والفصل، وكان أبرزها إحالته إلى التحقيق من مجلس محافظة بابل في عام 2010، بعد أن كشف في تقرير صحفي ملف فساد فيه. كانت تلك لحظة مفصلية أظهرت حقيقة مبدع يكتب دون حسابات، ويواجه دون أقنعة.
قلمٌ بلا سقف... ونقد لا يجامل
يرى النقاد في تجربة محيي المسعودي مثالًا حيويًا على التداخل الإبداعي بين الأنواع الأدبية، فهو في القصة يمارس شعرية عالية، وفي الشعر لا يتخلى عن سرده العميق، وفي النقد يكتب بلغة أدبية مكثفة تجذب القارئ العام دون أن تفرّط بالدقة. يشيد بعضهم بجُرأته، وبتلك الشجاعة في اقتحام المسكوت عنه، سواء في السياسة أو الدين أو حتى في الأوساط الثقافية ذاتها.
منهم من قارن تجربته بتجارب كتّاب عرب كبار اشتغلوا في أكثر من ميدان، لكن المسعودي لا يقلّد أحدًا، بل يسير في خطه الخاص، يكتب بأسلوبه الخاص، ويصوغ رؤيته كما لو كانت خريطة ذات، لا تُنسخ ولا تُعاد.
بين العصافير والحرائق... كان الحبر وطنه
ربما كانت قصائد الأطفال التي كتبها – ومنها "أغنيات عصافير داخل قفص" – اختزالًا شاعريًا لمسيرته كلها. هو العصفور الذي ظل يغني رغم القفص. رجل أدمن الهذيان، نعم، لكنه الهذيان الجميل، الهذيان الذي يصنع لغة بديلة للحياة، حين تضيق الحياة. لم يسعَ إلى الجوائز، لكنها أتت إليه: جائزة ثقافة الطفل العربي في الإمارات (2001)، وجائزة أدب الطفل من السويد (2009)، وترشيحات عدة لجائزة سمير قصير لحرية الصحافة، تكريمًا لمقالاته الشجاعة.
وفي زمن تغيّر فيه طعم الحبر، وانكفأ كثير من المثقفين، ظل محيي المسعودي يمضي في خطّه: يكتب، ينشر، يؤرّخ، ينتقد، يقرأ الواقع ولا يُهادنه، يطرح أسئلة لا تريح أحدًا، لكنه لا يبحث عن الراحة، بل عن الحقيقة.
رجل بحجم مكتبة، وصوت بحجم ذاكرة وطن
محيي المسعودي ليس اسمًا عابرًا في سجل الكتاب العراقيين، بل ذاكرة متحركة للثقافة العراقية والعربية، ومرآة لعذاباتها وأحلامها. كلماته أوراق في شجرة تمتد جذورها في بابل، لكن أغصانها تتمايل في عمّان، ودبي، وبغداد، وستوكهولم، وكل مكان شهد حضوره الأدبي والإعلامي.
إنه باحثٌ لم يتوقف عن التنقيب، في الذات كما في العالم، وكاتبٌ آمن بأن الطفل والمرأة والفنان والمهمّش، كلهم يستحقون أن يُروى عنهم، لا كزينة ثقافية، بل كحقيقة مغفلة. هو صوت ينتمي إلى الذين لا صوت لهم، لذلك بقي، وسيبقى، علامة فارقة في درب الثقافة العراقية الحديثة.



#محمد_علي_محيي_الدين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أفنيتَ عمرك- صدى الوجع الممتد عبر الزمن
- أفنيتَ عمرك- صدى الوجع الممتد عبر الزمن قراءة في قصيدة -لا ح ...
- جواد كاظم الحسون راوي الحكايات ومهندس الضوء المسرحي
- فـتاوى للإيجار- قصيدة عراقية تفضح فقه الذبح على الهوية
- زينب البياتي صعلكة الشعر على أكتاف الرماد
- عبد الحسين الجنابي شاعرٌ يسقي القوافي من جدول الفصحى
- القاص والروائي علي غازي غواية القصّ بعيون ناقدة
- عماد الحاج حسن باحث ينقّب في تراب المعنى ويجلو غبار النسيان
- علي أبو بكر شاعر العبور من الجمر إلى الغيم
- محمد كاظم جواد شاعر يغمس ريشته في دهشة الطفولة وحنين الإنسان
- علي تاج الدين شاعر الأسطورة والمجازات العالية
- عبود المهنا الناقد الذي نسج المسرح بالفكر، وقرأ الجسد بعيون ...
- كامل الدليمي رجلٌ عبرَ الحياة بين القصيدة والقلق
- علي عبد الأمير عجام الشاعر الذي سكنه الإعلام، والناقد الذي أ ...
- علاء مظلوم... الشاعر الذي أنصتَ لجلنار الوجود
- عباس بغدادي قلم الحلة المتفرد بين دفء التراث ونبض الحداثة
- علاء الكتبي رجل الذاكرة الحيّة، وسادن الثقافة في مدن الفرات
- عباس السلامي: غيم القصيدة وظلال الذات
- صلاح عباس العين التي أرّخت الجمال، والريشة التي كتبت بالنقد ...
- جواد كاظم محسن رحّالة في دروب الذاكرة والتراث


المزيد.....




- اتهامات لتيك توك بحجب المحتوى المناهض لإدارة الهجرة في أمريك ...
- أحمد الشرع يصل إلى روسيا.. والكرملين يكشف جانبًا من القضايا ...
- ماذا نعرف عن حاملة الطائرات الأمريكية -يو إس إس أبراهام لينك ...
- أوروبا بدأت تستيقظ أخيراً على -خطر- تهديدات ترامب – مقال في ...
- وزير خارجية إيران يؤكد عدم طلب التفاوض مع واشنطن: أي مواجهة ...
- فيديو - أثناء إلقاء خطاب لها.. اعتداء بسائل مجهول على النائب ...
- خطط تركية في حال سقوط خامنئي.. لماذا تريد أنقرة إنشاء منطقة ...
- وفاة ثلاثة سياح فرنسيين في غرق قارب في سواحل سلطنة عمان
- سكان غرينلاند: بلادنا ليست للبيع
- ماكرون يعتبر الوضع في غرينلاند مناسبة -لصحوة استراتيجية لأور ...


المزيد.....

- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري
- يوميات الحرب والحب والخوف / حسين علي الحمداني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - محمد علي محيي الدين - محيي المسعودي في حضرة الكلمات وساحات النار