أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد علي محيي الدين - الحلة في مرآة القصيدة – قراءة في نص موفق محمد انا أحب الحلة














المزيد.....

الحلة في مرآة القصيدة – قراءة في نص موفق محمد انا أحب الحلة


محمد علي محيي الدين
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 20:12
المحور: الادب والفن
    


حين يكتب الشاعر موفق محمد عن "الحلة"، فإنه لا يدبّج مديحًا لمدينة، بل يخط سيرة وطنٍ مسكوبٍ في ذاكرة الماء والطين والدم. قصيدته "أنا أحب الحلة" ليست مناجاة حنين عابرة، بل وثيقة شعرية ترسّخ علاقة وجودية بين الإنسان والمكان، بين النهر والقصيدة، بين الطفولة والعراق الذي "لا نريده أن يموت... ولن يموت".
يبدأ موفق محمد القصيدة بولادة فجرية قريبة من النهر:
"أنا أحب الحلة لأني ولدت على بعد موجتين من نهرها فجراً
فسمتني الحبوبة موفقاً
وقـَمَطـَتـنِي بطين النهر"
المدينة هنا ليست جغرافيا، بل رحم طيني، يولد فيه الاسم والمصير. النهر ليس مجازًا بل معلمًا، وماءه محمّل منذ البدء بنبوءة، حيث الطين يختلط بالكتابة، والماء بالتاريخ.
ثم تأتي المفارقة التي تُلمّح إلى لعنة الشعر:
"داعية لي أن لا أكون شاعراً
لأن أباها – رحمه الله – كان شاعراً
لا يطفر من مِقلاة إلا ليقع في أخرى
أشد وأقلى"
هنا يستدعي الشاعر الموروث الشعبي في النظر إلى الشعر كقدر متعب، لا يكفل الاستقرار. في مجتمع تتوارث فيه المعاناة، يبدو أن الشعر يورث كما يورث الفقر والمنفى.
في قلب القصيدة، يتجلّى النهر مرة أخرى، لا بوصفه موردًا طبيعيًا، بل كتابًا ممنوعًا، ومرآة لدم متخثّر:
"وأعارني كتباً ممنوعة
لا أعرف كيف حافظ على الدم المتخثر فيها
وهو الجاري منذ بدأ الخليقة"
يصوّر الشاعر العراق كأمٍ مكلومة بولد غريق، تولول منذ الشرائع الأولى، في تلويحة ذات طابع ملحمي:
"وكأن العراق أم ولد غريق
تولول ناثرة شعرها منذ بدء الشرائع في الشرايع..."
وتبلغ اللغة الشعرية ذروتها حين يقول:
"ففي كل موجة دم ونواح
وتيقنت بأن النهر نواح الثكالى وأنين المذبوحين"
يتحوّل النهر إلى أرشيف للحزن، إلى شريط مسجّل للألم العراقي المتكرر، منذ الخليقة حتى اللحظة.
ثم يستعيد موفق محمد صورة "مجانين الحلة"، أولئك الذين يحملون الكتب كمن يحمل السلاح، كأنهم رعيل من الرهبان الحالمين، الذين لم يسدوا بابًا على الريح، ولم يغلقوا نوافذ الحلم:
"أعشق مجانينها المتأبطين كتباً
من مات منهم ومن بقى على قيد الحياة
أولئك الذين لم يسدوا باباً تأتي منه الريح"
ويمتد الحلم إلى وطنٍ يصنعه المفلسون، الحالمون، الذين يغزلون الشمس، ويحلبون القمر من أجل ميلاد مختلف:
"المفلسين الحالمين بوطن يرفرف
في جناح اليمام
ونساء من عسل ونور
وغزل في غيمة
وكوخ على ضفة النهر
وقنينة خمر لا تفرغ أبدا"
و الخلاصة: قصيدة "أنا أحب الحلة" هي قصيدة وطنٍ مطعون لا يزال يتنفّس بالأمل. إنها وثيقة حبّ وحزن، رؤيا تتداخل فيها الأسطورة بالسياسة، واليومي بالمقدس. يكتب موفق محمد من نهر الحلة، لكنه يكتب عن نهر العراق، عن الأمّ التي تولول، وعن الأبناء الذين يغزلون الخلاص من خيوط الخيال، ولا ينتظرون إذنًا من أحد لكي يحلموا بوطن لا يُقطف رأسه.
إنها قصيدة الشعراء المفلسين، الأنبياء المعلّقين بين الحلم والمقصلة... فهنيئًا للحلة بأبنائها الحالمين.



#محمد_علي_محيي_الدين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقداد مسعود… سراجُ الكتب وجسرُ الشعر إلى الوعي
- محيي المسعودي في حضرة الكلمات وساحات النار
- أفنيتَ عمرك- صدى الوجع الممتد عبر الزمن
- أفنيتَ عمرك- صدى الوجع الممتد عبر الزمن قراءة في قصيدة -لا ح ...
- جواد كاظم الحسون راوي الحكايات ومهندس الضوء المسرحي
- فـتاوى للإيجار- قصيدة عراقية تفضح فقه الذبح على الهوية
- زينب البياتي صعلكة الشعر على أكتاف الرماد
- عبد الحسين الجنابي شاعرٌ يسقي القوافي من جدول الفصحى
- القاص والروائي علي غازي غواية القصّ بعيون ناقدة
- عماد الحاج حسن باحث ينقّب في تراب المعنى ويجلو غبار النسيان
- علي أبو بكر شاعر العبور من الجمر إلى الغيم
- محمد كاظم جواد شاعر يغمس ريشته في دهشة الطفولة وحنين الإنسان
- علي تاج الدين شاعر الأسطورة والمجازات العالية
- عبود المهنا الناقد الذي نسج المسرح بالفكر، وقرأ الجسد بعيون ...
- كامل الدليمي رجلٌ عبرَ الحياة بين القصيدة والقلق
- علي عبد الأمير عجام الشاعر الذي سكنه الإعلام، والناقد الذي أ ...
- علاء مظلوم... الشاعر الذي أنصتَ لجلنار الوجود
- عباس بغدادي قلم الحلة المتفرد بين دفء التراث ونبض الحداثة
- علاء الكتبي رجل الذاكرة الحيّة، وسادن الثقافة في مدن الفرات
- عباس السلامي: غيم القصيدة وظلال الذات


المزيد.....




- فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية و ...
- سيارتك في خطر.. عندما يكون اختيار فيلم الحماية الخاطئ كارثيا ...
- في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
- ثرفانتس و-دون كيشوت-.. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل ...
- فيلم -بيّت الحس- لليلى بوزيد: عن الصمت العائلي والحب الممنوع ...
- -عشق أبدي-.. مصمم تونسي يطرّز اللغة العربية على فساتين زفافه ...
- مقابلة خاصة - الشاعرة التونسية -ريم الوريمي- ترسم بقصيدتها ل ...
- عراقجي: إرتقاء الدكتور -لاريجاني- شكّل غيابا لاحد الركائز ال ...
- وداعا عادل العتيبي.. رحيل مفاجئ لنجم -طاش ما طاش- يصدم الوسط ...
- الاعتدال العنيد: قراءة في العقل السياسي والتحولات الفكرية لح ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد علي محيي الدين - الحلة في مرآة القصيدة – قراءة في نص موفق محمد انا أحب الحلة