أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - سماوات البهجة: نجم والي بين كشف المعنى وتجلي الصورة














المزيد.....

سماوات البهجة: نجم والي بين كشف المعنى وتجلي الصورة


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8683 - 2026 / 4 / 20 - 21:05
المحور: الادب والفن
    


قال أهل الكشف إن الجمال معنى يتجلّى ولا يُحاط، وإن الصورة إنما هي مرآة لسرٍّ سابق عليها، فإذا نُظر إليها بعين الحس كانت هيئة، وإذا شُهدت بعين القلب صارت حضرة. ومن هذا الباب يُفهم قول نجم والي حين كتب "سماوات فيينا... أحلى السماوات"، فإنه لم يُرِد سماءً تُرى بالبصر، بل سماءً تُذاق بالسر، كما يُذاق العسل عند من سُئل عن دليله فقيل له: هذا علم لا يحصل إلا بالذوق. فكانت فيينا عنده موضع هذا الذوق، لا لأنها أجمل المدن في ميزان الظاهر، بل لأنها وافقت فيه موضعًا من نفسه كان ينتظر التجلي. وهنا يتبين أن الأمكنة لا تُمدح لذاتها، بل لما يظهر فيها من الحقائق، إذ لا أحد إلا الله محبوب في الوجود، وهو الذي يظهر في كل محبوب، فمن أحب مدينةً فإنما أحب ما تجلّى له فيها من معنى، لا ما قامت عليه من حجارة. وقد قالوا: العالم غائب ما ظهر قط، والحق ظاهر ما غاب قط، فمن شهد هذا السر علم أن فيينا التي كتبها والي ليست هي التي تُقاس بالخرائط، بل هي التي انكشفت له حين خفّ عنه ثقل العالم، فصار يرى بنورٍ غير هذا النور. وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر، فإذا خرج الكاتب من ضيق ذاته إلى سعة المعنى، رأى المدن تنشأ فيه كما تنشأ الصور في المرآة، لا تثبت إلا بقدر ما يثبت فيها من شهود. ومن هنا كانت بهجته بها ليست بهجة السائح، بل بهجة العارف إذا لاح له وجه من وجوه الرحمة، إذ لا راحة لك من الخلق، فارجع إلى الحق، فإذا وجد الإنسان موضعًا يُعينه على هذا الرجوع، أحبّه لا لذاته، بل لما فتح له من باب.
ولما كان الممكن برزخًا بين الوجود والعدم، كانت المدن أيضًا برازخ، يظهر فيها ما بين الظاهر والباطن، ولهذا قالوا: إن المكان الذي لا يؤنّث لا يُعوّل عليه، لأن التأنيث هنا إشارة إلى القابلية، إلى أن يكون المكان رحمًا للمعنى، يلد فيه التجلي صورًا لا تُحصى. وهكذا صارت فيينا في تجربة نجم والي موضعًا للولادة الروحية، لا بالمعنى الصوفي الصرف، بل بالمعنى الذي يلتقي فيه الأدب بالكشف، حيث تُكتب الجملة لا لتُقال، بل لتُرى. فإن الكتب ثمرات عقول واضعيها، وفي الثمرات طيب وخبيث، ونص والي من الثمر الذي يُؤكل بالذوق، لا بالتحليل وحده، لأنه قائم على الإشارة أكثر من العبارة. وقد قيل: من التزم الصمت في قلبه ولسانه لم يبق له حديث إلا مع ربه، ومن هذا الصمت تولد اللغة الصادقة، اللغة التي لا تُكثر القول، بل تُحسن الإصغاء. ومن هنا نفهم أن بهجة والي ليست صخبًا، بل سكونًا ممتلئًا، سكون من وجد لحظة انسجام بين داخله وخارجه، ولو إلى حين. فالسماع منشأ الوجود، وكل موجود يهتز، وإذا اهتز القلب لمدينةٍ ما، فإنما اهتز لما سمع فيها من نداء خفي، لا يُدرك بالحواس، بل بالسر. وهكذا تكون "سماوات فيينا" أثر هذا السماع، لا وصفًا لسماء، بل استجابة لنداء.
وإذا قيل لك: ما الدليل على صدق هذه التجربة، فقل كما قال أهل المعرفة: ما الدليل على حلاوة العسل، فإن الذوق هو البرهان، لا القياس. فكل معرفة لا تتنوّع لا يُعوّل عليها، والمعرفة التي يمنحها الأدب ليست واحدة، بل تتعدد بتعدد القلوب. فمن قرأ والي بعين العقل وحدها رأى نصًا جميلًا، ومن قرأه بعين القلب رأى مقامًا من مقامات الكشف. وكل بقاء يكون بعده فناء لا يُعوّل عليه، لكن البقاء الذي يترك أثرًا في الروح هو الذي يتجدد مع كل قراءة، كما تتجدد الصور في المرآة. واعلم أن أول خلافة لك هي خلافتك على ذاتك، فإذا لم يحكم الإنسان نفسه، لم يفهم العالم، وإذا لم يفهم العالم، لم يفهم النص. ونجم والي في كتابته لا يفرض معنى، بل يفتح بابًا، فمن دخل منه رأى، ومن وقف عنده بقي في ظاهر القول. وكل شخص موجه نحو دليله غير المرئي، والكاتب هنا دليل من هذا القبيل، لا يقودك بيده، بل يشير لك إلى الطريق، ثم يتركك تسير. ولهذا كانت فيينا عنده طريقًا، لا غاية، وبهجته بها عبورًا، لا إقامة.
وقد قيل: إن الحب هو الدين، وهو الإيمان، فمن أحب شيئًا على وجه الحقيقة لم يطلب منه شيئًا، لأن كل حب يكون معه طلب لا يُعوّل عليه. وحب والي لفيينا ليس طلبًا، بل شهودًا، لا يريد منها شيئًا، بل يرى فيها ما يعينه على أن يكون. وكل شوق يسكن باللقاء لا يُعوّل عليه، أما الشوق الذي يتجدد مع كل لقاء، فهو الشوق الحقيقي، وهكذا هي علاقته بها، تتجدد كلما كتبها، لا تنتهي عند حضورها. والعشق يلتف بالقلب حتى يعميه عن غير محبوبه، لكن هذا العمى ليس نقصًا، بل كمال من وجه آخر، لأنه يُبصر به ما لا يُبصر بغيره. وإذا نظرت إلى هذا كله، علمت أن "سماوات فيينا" ليست جملة عابرة، بل خلاصة تجربة، وتجربة لا تُفهم إلا في ضوء ما قيل: ما خفي الحق إلا لشدة ظهوره. فالجمال ظاهر، لكنه لا يُرى إلا لمن تهيأ له، والبهجة حاضرة، لكنها لا تُدرك إلا لمن ذاقها. ونجم والي لم يخلق هذه البهجة، بل كشف عنها، كما يكشف الصوفي عن معنى كان حاضرًا ولم يُر. ومن هنا يكون الأدب طريقًا، لا غاية، وسفرًا، لا مقامًا. فيا من يطلب الدليل، اعلم أن هذا الطريق لا يُسلك بالبرهان وحده، بل بالذوق، ولا يُنال بكثرة القول، بل بحسن الإصغاء، ولا يُفتح إلا لمن طرق بابه بقلبٍ لا بعقلٍ فقط. فإذا قرأت قول والي، فلا تسأل ماذا قال، بل سل ماذا فتح لك، فإن النص مرآة، وأنت صورتها، فإن رأيت فيها بهجة، فاعلم أنها منك، وإن رأيت فيها سماء، فاعلم أنك كنت تبحث عنها، حتى وجدتها في عبارة. وهكذا يكون الأدب كشفًا، وتكون المدن سماوات، ويكون الإنسان، إن صدق، موضع هذا التجلي.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تتكلّم اللوحة من صمتها: وقفة النفّري الصوفية في أثر صبيح ...
- عبد الأمير شمخي؛ عابر المنافي وصانع المشهد
- مفيد كاصد الزيدي -مؤرّخ الخليج وراصدُ تحوّلات الدولة العربية ...
- إبراهيم العلاف؛ مؤرخ الموصل وذاكرة العراق الحديثة
- رياض شابا؛ من ألقوش إلى مملكة الكلمة
- سيمياء اليومي وبلاغة السوق: قراءة في لوحة فيصل لعيبي
- سيدات شارع المتنبي: جمالية الحضور الأنثوي وذاكرة المدينة في ...
- حسن السوداني؛ سادن الصورة وناسج المعنى
- طارق النعمان في قراءة ديوان حرب تتعرّى أمام نافذتي: صرامة ال ...
- الجسد في متاهة الاحتمال: قراءة نقدية معاصرة في تشكيليات ناظم ...
- باهرة عبد اللطيف: نافذة الشعر التي عرّت الحرب وألبست الذاكرة ...
- قراءة في لوحة -صمت تام 3- ليوسف الدويك
- عبد الله إبراهيم؛ إمام السرد وراعي المعنى في أزمنة التبدد
- عباس الغراوي؛ قيّم الذاكرة الرقمية وروح كلية الآداب
- العلامة محمد جاسم المشهداني؛ حارس الذاكرة العربية وسادنُ الت ...
- صادق الطائي- سيرةُ العارفِ في مرايا الإنسان والمجتمع
- برفسور ياس خضير البياتي؛ سيرةُ عقلٍ إذا نطق البيانُ أنصت، وإ ...
- شاكر حسن راضي: ناسكُ اللغة وراهبُ المعنى في زمنِ العبور
- محمد كريم الكواز: سالكُ اللغة في تخوم الغيب ومرآةُ المتخيَّل ...
- سعيد الغانمي؛ في بيان المعنى وعمارة الخيال


المزيد.....




- الكتابة ميثاق للتدمير.. يوميات وأهوال الحرب في -لم نكن أحياء ...
- بينها العربية.. -ديب إل- تطلق ميزة للترجمة الحية بأكثر من 40 ...
- طوفان السردية الفلسطينية: كتاب جديد يفكك الرواية الصهيونية و ...
- السينما والسياسة: كيف تعكس هوليوود ملامح إدارة ترامب الجديدة ...
- بين المجد والهاوية: كيف دمر الإدمان مسيرة كبار المبدعين في ا ...
- طباطبائي: الإيرانيون ورثة حضارة تمتد لآلاف السنين وثقافة عري ...
- ورق تواليت -كريستالي-.. فنانة باكستانية تنثر البريق في كل مك ...
- -سأجد غيركم-.. الملياردير الفرنسي المحافظ يهدد كتاب دار النش ...
- الاحتلال يفرض سيادة بصرية.. 300 علم ورمز ديني تعيد تشكيل هوي ...
- أموت فارسا ولا أعيش -بندقية-.. كيف أنهى البارود دولة الممالي ...


المزيد.....

- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - سماوات البهجة: نجم والي بين كشف المعنى وتجلي الصورة